لا يوجد شيء في السياسة الأوروبية يصدر رائحة كريهة أكثر من حتمية إعطاء ولاية أخرى لباروسو.
في الشهر الماضي صدرت عن المستشار الألماني الأسبق هلموت شميدت ملاحظة ذكية قال فيها: "البنك المركزي الأوروبي المؤسسة الوحيدة التي تعمل على نحو جيد في أوروبا".
تعتبر هذه الملاحظة لافتة من نواح عدة. فهي توحي بطبيعة الحال أن المؤسسات الأوروبية الأخرى لا تعمل على نحو جيد. وأخشى أن يكون هذا صحيحاً. لقد انتقدت في مناسبات سابقة رد السياسة غير المنسق لزعماء أوروبا السياسيين. وتقوم استراتيجيتهم لمواجهة الأزمة على أمل أن تحقق الولايات المتحدة والصين نمواً يكفي لإخراج أوروبا من الركود، لكن من المحتمل ألا يحدث ذلك هذه المرة.
وهناك بُعد آخر، تتم مناقشته بقدر أقل، لرد السياسة الخاطئ الذي صدر عن أوروبا. ذلك أن المفوضية الأوروبية التي تعتبر الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي والتي تتمثل وظيفتها في تنفيذ القانون السائد في المنطقة وفي دفع أجندة سياساته، فشلت فشلاً ذريعاً في هذه الأزمة. فقد كانت المفوضية غائبة خلال الشهور الأسوأ من العام الماضي، وجاءت ردود فعلها التالية باستمرار دون المستوى الذي يتوقعه المرء.
وبالطبع، المفوضية ليست حكومة. إذ إن لديها ميزانية صغيرة فقط، وليست بيدها صلاحية لزيادة الضرائب أو إصدار السندات، ناهيك عن أنها تعمل بموجب خطوط إرشادية صارمة. لكن بما أن مختلف أبعاد السياسة الاقتصادية أصبحت متكاملة الآن عبر أوروبا، يتوقع المرء أن تلعب المفوضية دوراً قيادياً كجهة تنسيقية وكمصدر للأفكار الجديدة من أجل مكافحة الأزمة.
ليست المشكلة مع المفوضية في موظفيها المدنيين. ففي غياب القيادة السياسية يقوم هؤلاء الموظفون بتطبيق اللوائح والأنظمة كما هي. ومن الأمثلة على ذلك عندما يوصون بإجراء تخفيضات قاسية للرواتب في لاتفيا بحيث تشكل انتحاراً سياسياً هناك، أو عندما يطبقون قواعد الدخول في عضوية منطقة اليورو من دون أية مرونة، أو عندما يصدرون أنظمة مالية غير فاعلة. هذه الأمور ليست من مسببات المشكلة، بل مجرد أعراض لغياب التوجيه السياسي.
هناك قول مأثور بأن السمكة تفسد من رأسها، وهذا هو ما يجري بالضبط هنا. وكما هو واضح، لا يوجد شيء في السياسة الأوروبية يصدر رائحة كريهة أكثر من حتمية إعطاء ولاية أخرى مدتها خمس سنوات لخوسيه مانويل باروسو، الرئيس البرتغالي للمفوضية. فقد أمضى معظم السنوات الأخيرة في العمل على إعادة انتخابه أكثر مما عمل في وظيفته. وإذا فاز يمين الوسط بانتخابات البرلمان الأوروبي، كما يتوقع الجميع، فلا شيء يمكن أن يحول دون إعادة انتخاب باروسو.
إن حالة الأمور هذه تبعث رسالة كارثية، وهي أن الأداء الوظيفي ليس له أهمية وأن أوروبا عادت فعلاً إلى العمل كالمعتاد. إن باروسو شخص محافظ من بلد صغير، جاء بعد اشتراكي من بلد كبير. والمناصب الكبرى في أوروبا لا تعطى على أساس النجاح في الانتخابات، لكنها تمنح على أساس ما إذا كان المرء مناسباً ليكون عضواً في نسيج سياسي غير واضح.
وبالنسبة لرئيس مفوضية خدم خمس سنوات، يتوقع المرء منه أن يكون قادراً على الأقل على أن يجيب على السؤالين التاليين: ما الذي حققته بالضبط أثناء ولايتك الأولى؟ وما هي فكرتك الكبيرة بالنسبة للولاية الثانية؟
من وجهة نظري، يعتبر باروسو من أضعف رؤساء المفوضية قاطبة، وهو رجل مغرور يفتقر إلى الشجاعة السياسية. سيقول لنا هو ومؤيدوه أن إنجازه الكبير يتمثل في متابعته الحثيثة لأجندة لشبونة، وهي برنامج يهدف إلى تعزيز قدرة أوروبا على المنافسة. وقال لي مؤيد آخر له إن إرثه الأكبر هو قراره القاضي بتشكيل لجنة دي لاروزيير التي تحمل اسم محافظ أسبق للبنك المركزي، أصدرت مجموعته تقريراً يعتبر متواضعاً في طموحاته لإصلاح النظام الأوروبي الخاص بالإشراف على القطاع المصرفي. هذا صحيح، ولنعطه بعض الفضل على ذلك.
إنني أخشى أن تتمثل فكرته الكبرى للسنوات الخمس المقبلة في إعادة طرح أجندة لشبونة وإضاعة خمس، أو عشر سنوات أخرى على الشعوذة الاقتصادية، وتحويل الاهتمام عن قضايا السياسات الحقيقية والملحة، كإيجاد نظام لإدارة الأزمات الاقتصادية يتسم بقدر أكبر من الانسجام.
إن كل واحد في بروكسيل يقول إن إعادة تعيين باروسو صفقة مفروغ منها. وأنا أعتقد أنهم على حق. ذلك أن من الواضح أن السيدة ميركل تجد فيه شخصاً مرناً وملائماً لرئاسة للمفوضية، والاشتراكيين ليست لديهم الكفاءة لإنزال مرشحهم. ويعتبر رئيس الوزراء البريطاني، جوردون براون، من مؤيدي إعادة تعيينه. ورغم أن نيكولا ساركوزي ليس معجباً به، إلا أن الرئيس الفرنسي ليس مؤيداً لمفوضية أوروبية قوية وواثقة من نفسها، وبالتالي يمكن أن يكون باروسو الشخص المناسب بالنسبة له لهذا السبب. أما رئيس الوزراء الإيطالي، سيلفيو بيرلوسكوني، فلديه مشاكل أخرى في الوقت الراهن.
لكن ما زالت هناك بضع عقبات محتملة بالنسبة لإعادة انتخاب باروسو. فقد لا تأتي نتائج الانتخابات الأوروبية كما يرغب ويأمل الديمقراطيون المسيحيون، وربما ينتهي الأمر بيمين الوسط إلى التفتت. ومن الممكن أن يكون لنتيجة الاستفتاء الإيرلندي الثاني على معاهدة لشبونة أثر على القرار، ولهذا السبب يريد باروسو من رؤساء الحكومات الأوروبية أن يبتوا في إعادة تعيينه في الاجتماع الذي سيعقدونه في الشهر المقبل بدلاً من تشرين الأول (أكتوبر)، كما اقترح ساركوزي أخيرا.
من هنا، هذا الأمر ليس لعبة نتيجتها مقررة سلفاً، لكنها قريبة من هذه المرحلة. وكل هذا يسبب الكآبة. إن شميدت مصيب بشأن البنك المركزي الأوروبي. ذلك أن البنك اتخذ بالفعل عدداً من القرارات الجيدة في الأسبوع الماضي، عندما قدم رداً قوياً يتعلق بالسياسات على الأزمة.
لكنني لم أفكر قط في أن يأتي علينا وقت نعتبر فيه بنكاً مركزياً المؤسسة السياسية الوحيدة التي تعمل حقاً في أوروبا. فكيف وصلنا إلى هذا الوضع؟

