يمكن لزيادة في إصدارات السندات التقليدية أن تساعد في استئناف التعاملات.
تعتبر السوق العالمية للصكوك ضحية أخرى لأزمة الشح الائتماني التي أتت على ثقة المستثمرين حول العالم. وحسبما ذكرت شركة ديلوجيك التي تعمل في مجال تزويد المعلومات، تم تسجيل إصدار عالمي واحد بالدولار حتى الآن في 2009. وبلغ حجم العملية 650 مليون دولار، وقامت بها الحكومة الإندونيسية التي طرحت أول سند إسلامي عالمي لها هذا الشهر.
وباقي الإصدارات التي تمت في هذا العام، والتي تزيد قيمتها على ملياري دولار، فقد كانت بالعملات المحلية وجرت كلها تقريباً في ماليزيا التي تعتبر أضخم سوق للسندات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. وكان حجم الواحدة من هذه العمليات صغيراً ويقل عن 100 مليون دولار.
وجاء توقف هذه السوق في أعقاب جفاف السيولة في سائر أنحاء العالم، ما أثر على العمليات التقليدية لجمع الأموال وأيضاً على الصكوك، وهي سندات تتم هيكلتها لتجنب دفع الفائدة وفقاً لما تقضي به الشريعة الإسلامية.
ويقول أنزال محمد، الرئيس العالمي للتمويل الإسلامي في شركة ألان آند أوفري Allen & Overy للمحاماة: "منذ انهيار بنك ليمان براذرز في أيلول (سبتمبر)، تباطأت السوق لدرجة التوقف، لكن السبب في ذلك يرجع إلى المشاعر الكلية أكثر مما يرجع إلى وجود مشكلة خاصة في سوق الصكوك".
وسوق السندات الإسلامية ليست وحدها التي جفت. فقد تأثرت أسواق السندات التقليدية بشكل سيئ هي الأخرى.
ويعتقد محمد أن السوق على وشك أن تشهد زيادة في النشاط. ويستعد عدد من البنوك لطرح إصدارات بسبب تحسن المشاعر الذي انعكس في زيادة حادة في أسواق الأسهم والائتمان التقليدية منذ أوائل آذار (مارس).
ويقول محمد إن استقرار أسعار النفط عند نحو 50 دولاراً للبرميل، بعد أن انخفضت إلى ما يقارب 30 دولاراً للبرميل في كانون الثاني (يناير)، عزز بدوره الآمال في معاودة فتح سوق الصكوك بشكل جدي.
ويرجع السبب في ذلك إلى أن منطقة الشرق الأوسط التي تعتمد اعتماداً كبيراً في ثروتها على النفط، هي واحدة من أضخم الأسواق لإصدار الصكوك العالمية.
وبحسب محمد، جرى عدد من إصدارات السندات السيادية التقليدية في منطقة الخليج خلال الأسابيع القليلة الماضية. وهو يرى أن هذه الإصدارات ربما تمهد الطريق أمام السندات الإسلامية عندما يصبح المصدرون أكثر ثقة بأنها يمكن أن تستقطب المستثمرين. ويضيف: "هناك عدد من إصدارات الصكوك يجري العمل عليها. سنشهد بعض الإصدارات السيادية أولاً، وبعدئذ تبدأ الشركات بالقدوم إلى السوق".
لكن عندما تعود السوق العالمية إلى الانتعاش، من المرجح أن تكون بطيئة، لأن المستثمرين ما زالوا حذرين وينفرون من المخاطرة في أعقاب الهزات المالية التي شهدها العام الماضي. ومن المؤكد أن بعض الوقت سيمر قبل أن تضاهي السوق خطى النمو الذي شهده عام 2007، عندما كانت تلك الأسواق الأسرع نمواً في العالم. فقد بلغت قيمة السندات الجديدة التي صدرت في ذلك العام 122.7 مليار دولار – وهذا يعادل تقريباً ثلاثة أضعاف قيمة الصكوك التي صدرت في 2006، وفقاً لديلوجيك.
وكان هذا النمو مثيراً للإعجاب بشكل خاص، لأن معظم الإصدارات تمت في النصف الأول من العام قبل أن تتفجر أزمة الائتمان في آب (أغسطس) 2007.
ومن المرجح أن تعود سوق الصكوك التي تتوقع لها وكالة موديز أن ترتفع إلى 122.7 مليار دولار على شكل إصدارات منتظرة هذا العام – مقارنة بـ 1.8 مليار دولار فقط في 2001 – سوقا مختلفة عندما تنطلق. ويرجع ذلك إلى أن المصرفيين والمحامين الذين يبحثون دائماً عن هياكل جديدة لتصميم السندات الإسلامية كان يتم كبح جماحهم من قبل علماء الدين. فقد حرّم العلماء في شباط (فبراير) 2008 نوعين من الهياكل التي اكتسبت شعبية في عامي 2006 و2007 - ويعرف هذان النوعان بالمشاركة، وهي شكل من أشكال الشراكة الإسلامية، والمضاربة، وهي شكل من أشكال التمويل الائتماني.
وقضت منظمة المحاسبة والتدقيق الخاصة بالمؤسسات المالية الإسلامية التي يوجد مقرها في البحرين، أن هذين الهيكلين يخالفان الشريعة الإسلامية لأنهما يقدمان للمستثمرين تعهداً بإعادة الشراء، إذ تقدم الجهة المصدرة وعداً بإعادة القيمة الاسمية للسند عندما يحين أجل استحقاقه، أو في حال التخلف عن السداد. ويبدو هذا على غرار العائد المضمون الذي يخالف روح التمويل الإسلامي، كما قالت المنظمة في الحكم الذي صدر عنها.
وهذا يعني أنه بعد أن تنتعش سوق الصكوك فعلاً، من المرجح أن يهيمن عليها نوع واحد فقط من السندات. وهذا النوع هو هيكل الإجارة المدعوم بأصل، وهو عبارة عن اتفاقية بيع وإعادة تأجير تستخدم الإيرادات المتأتية من الأصل الذي عادة ما يكون مبنى، للدفع للمستثمرين. وتقوم هذه الدفعات على مبلغ الإيجار أو الأرباح. ولا يعتبر هذا عائداً مضموناً، لأن الأصل المادي يمكن من الناحية النظرية أن يفقد من قيمته، رغم أن المستثمرين يستردون رأسمالهم الثابت كما هو الحال في السند التقليدي.
ويقول أنزال محمد: "ستكون الإجارة هي الهيكل الرئيسي من الآن فصاعداً. ولا أعتقد أن السوق ستعاني كثيراً من وجود هيكل رئيسي واحد".
ويعتقد معظم المحللين أن سوق الصكوك ما زالت تنطوي على إمكانيات عظيمة، ويتوقع معظمهم أن يتضاعف حجمها ثلاث مرات على الأقل. ويستند هذا إلى توقعات تفيد بأن المستثمرين المسلمين سيتجهون إلى المنتجات المالية الإسلامية. ويعتقد البنك الإسلامي الأوروبي للاستثمار أن 60 في المائة من المستثمرين المسلمين سيفعلون ذلك في نهاية المطاف، مقارنة بنحو 20 في المائة هذه الأيام.
ومن المؤمل أيضاً أن يعود إلى هذه السوق المستثمرون الأوروبيون غير المسلمين الذين لجأوا بصورة متزايدة إلى شراء الصكوك على سبيل التنويع، قبل حدوث أزمة الائتمان.

