الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

ترك السماح بنشر "مذكرات" التعذيب الخاصة بعهد بوش، الرئيس الجديد متهماً بإرسال رسائل مختلقة، كما أنه يخاطر بخروجه عن خط أجندته الأوسع نطاقاً

تم ربط خالد الشيخ محمد إلى لوح مائل في سجن سري تابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وكان فريق من المحققين يعملون على تفكيك العقل المدبر المتهم بهجمات الحادي عشر من شهر أيلول (سبتمبر) 2001، حيث كان أعضاء هذا الفريق مطمئنين في عملهم، نظراً لمعرفتهم بأن نائب الرئيس الأمريكي في ذلك الحين، ديك تشيني، وغيره من كبار المسؤولين ، أقروا أساليب التحقيق تلك. وكانوا يصبون بطريقة مستمرة وممنهجة الماء شديد البرودة من خلال قطعة قماش كانت تغطي أنفه وفمه، وتمنعه من التنفس، حتى إن الهلع المستحث يوهم بالغرق أو دنو الأجل. ولم يكن ذلك لمرة واحدة، أو لمرتين ، بل تكرر 183 مرة خلال شهر واحد.

إن التعذيب بفيضان الماء على الوجه waterboarding أو الإيهام بالغرق الذي كان يستخدم خلال التحقيقات الإسبانية، لم يكن نوعاً من التعذيب، على الأقل بالنسبة إلى محامي إدارة الرئيس بوش الذين استخلصوا، واختاروا أساساً ومنطلقاً واحد هو أنه لم "يهز الوعي".

قال خالد الشيخ محمد للجنة الدولية للصليب الأحمر، بعد أن تم تحويله للاعتقال في معتقل جوانتنامو، "إنهم لم يستخدموا أبداً كلمة تعذيب، ولم يشيروا إلى التعذيب الجسدي، بل كانوا يشيرون فقط إلى وقت صعب". وأضاف "لم يتم تهديدي بالموت، بل الحقيقة إنهم كانوا يقولون إنهم لن يسمحوا لي بالموت، بل إنهم سوف يوصلونني إلى حافة الموت، ثم يعيدونني ثانية".

إن التعذيب بطريقة الإيهام بالغرق كان مجرد واحد من "أساليب التحقيق المعززة" التي طورتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وذلك لاستخدامها مع أعضاء القاعدة البارزين الذين تم أسرهم بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، والذين كانت تعتقد وكالة التجسس أن لديهم معلومات يمكن أن تحول دون وقوع هجمات مستقبلية. وقد أخذ بعض الأساليب من برنامج Sere (البقاء، والتهرب، والمقاومة، والهروب) survival, evasion, resistance and escape, ، الذي طورته وزارة الدفاع الأمريكية خلال الحرب الكورية لتدريب أفراد القوة المسلحة على مقاومة التحقيقات.

في محاولة منه للتحرك فيما يتجاوز عهد بوش، سمح الرئيس باراك أوباما ، في الأيام الماضية، بالكشف عن "مذكرات التعذيب" السرية التي استخدمها سلفه للاستنتاج بأن ذلك الطيف من "أساليب التحقيق المعزرة" كان قانونياً. وفيما يعد لمناسبة المائة يوم الأولى له في البيت الأبيض، التي صادفت يوم الأربعاء الماضي، فإن أوباما كان يأمل بأن يمضي قدماً بالقضايا المهمة الأخرى مثل إصلاح الرعاية الصحية. وبدلاً من ذلك، فإن الكشف عن هذه المذكرات فتح صندوقاً من الشرور، وأوجد عاصفة نارية من الجدل الذي يهدد بإخراجه عن خط أجندته الأوسع نطاقاً.

يقول جون هتسن، أحد كبار محامي سلاح البحرية السابقين، وكان ممن تحركوا لدعم أوباما فيما يتعلق بسياسة الاعتقال، "إن هذه المذكرات كانت مفصلة للغاية، وقاسية بصورة صارخة جداً، كما أنك تجد بعد ذلك أنهم لم يستخدموا الإيهام بالغرق مرة واحدة، أو مرتين، ولكن مئات المرات بالفعل. وإن ذلك غير طبيعة ذلك الأمر بالفعل".

لقد تم تسليط الضوء على بعض الناس مثل جون يو، الذي تحول من أستاذ للقانون في جامعة بيركلي، إلى مجرم حرب محتمل. وخلافاً للأعضاء الآخرين من الكادر قليل العدد لمحامي وزارة العدل الذين صاغوا "مذكرات التعذيب"، فإن الأستاذ يو دخل منطقة النزاع المتفجر.

قال للطلاب في جامعة كاليفورنيا، في الأسبوع الماضي، حين دعا بعض الحضور إلى مقاضاته "قتل ثلاثة آلاف من مواطنينا في هجوم متعمد من جانب عدو أجنبي، وأرغمنا ذلك على دراسة إجراءات للحصول على المعلومات باستخدام الصلاحيات الدستورية الرئاسية لحماية البلاد من مزيد من الهجمات" . وإن مثل هذه الحجة لا تقنع جماعات حقوق الإنسان، والديمقراطيين اليساريين الذين يريدون أن تدعم إدارة أوباما تحقيقاً في استخدام إدارة بوش الممارسات التحقيقية القاسية. وتكثفت هذه المطالبات بعد أن كشف أوباما عن المذكرات.

كان قرار الكشف عن المذكرات محفوفاً بالمخاطر السياسية بالنسبة إلى أوباما الذي قيل إنه أمضى عدة أمسيات، خلال جولته الأوروبية في شهر آذار (مارس) الماضي، وهو يناقش مع مساعديه أفضل الطرق للمضي إلى الأمام. ونظرا لأنه هو الرئيس الذي وصل إلى منصب الرئاسة وهو يحمل وعود المساءلة والشفافية، فإنه كان سيعرض نفسه للانتقاد لو لم يكشف عن الوثائق. وإن هذا الرجل هو الذي أعلن في خطاب تنصيبه في شهر كانون الثاني (يناير) حيث قال: "بالنسبة لدفاعنا العام، فإننا نرى أن من الزائف الاختيار بين سلامتنا، ومثالياتنا". وأضاف: "أن قوة أمريكا وحدها لا يمكنها حمايتنا، كما أنها لا تخول لنا بأن نتصرف كما يحلو لنا".

غير أنه بالكشف عن المذكرات، خلافاً لنصيحة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، فإنه لم يكن يخاطر فقط بفقدان الدعم داخل الوكالة، بل كذلك بشق وخلاف جديد مع الجمهوريين، الأمر الذي يمكن أن يهدد أي فرصة لإيجاد دعم مشترك من جانب الحزبين لقضايا مثل الرعاية الصحية.

كتبت أريانا هنفجتون، المعلقة الليبرالية "هذه لحظة حاسمة بالنسبة إلى أمريكا. وإن الطريقة التي نستجيب بها، أو نخفق في الاستجابة ، لما يكشف عنه استخدام إدارة بوش التعذيب سوف يكشف لأنفسنا، وللعالم، أي نوع من البلدان نحن. وإنه اختبار لشجاعتنا، ولقناعاتنا".

لم يعط أوباما، حتى الأسبوع الماضي، سوى القليل من التشجيع لدعاة ومؤيدي التحقيق. وقد حظر "أساليب التحقيق المعزز" في اليوم الثاني من تسنمه مهام الرئاسة. وخلال زيارة قام بها أوباما لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لمحاولة تهدئة بعض المخاوف بخصوص الكشف عن المذكرات، تعهد بأن المحققين الذين كانوا يطبقون الاستشارة القانونية في المذكرات لن تتم مقاضاتهم.

غير أن المذكرات ذاتها أثارت قضيتين جديدتين. فنجد على سبيل المثال في إحدى المذكرات أنه كان بإمكان المحققين القيام بالإيهام بالغرق خمس مرات كل ثلاثين يوماً، الأمر الذي يفيد بأن تكرار عمليات ذلك التعذيب فيما يتعلق بخالد الشيخ محمد كان مخالفا حتى للتعليمات التي كانت إدارة الرئيس بوش تعمل بموجبها.

أصر رام إيمانويل، كبير موظفي البيت الأبيض، الأحد الماضي، على أن الكشف عن المذكرات كان "مناسبة للتأمل ، وليس للجزاء والعقوبة" . غير أنه بحلول يوم الثلاثاء، ظهر أن أوباما غير موقفه، حين أثار للمرة الأولى إمكانية مقاضاة أشخاص لم يكونوا من المحققين. وترك للمدعي العام القرار حول ما إذا كان على المسؤولين الذين أقروا تلك الأساليب مواجهة التهم، كما قال .

يقول لاري ساباتو، عالم السياسة في جامعة فرجينيا، إن الرئيس كان يستجيب للغضب من جانب اليسار الذي ضخمه عالم المدونات الليبرالي. ويضيف: "هؤلاء هم الناس الذين جعلوه ينجح في الانتخابات ، ولذلك شعر أوباما بأن عليه ، على الأقل، أن يبقي الباب مفتوحاً على إمكانية المقاضاة، على الرغم من أنه من غير المحتمل أن تتم المقاضاة إطلاقاً". وهو يحاول كسب الوقت، وجعل هذه الضجة تموت بهدوء. والحقيقة هي أنه خلال ساعات من تعويم أوباما لاحتمال المقاضاة، فإنه بدا أن البيت الأبيض مستعد للتراجع من خلال التأكيد على أن الرئيس يفضل "النظر إلى الأمام، وليس إلى الخلف". ومع حلول نهاية الأسبوع، كان الرئيس يواجه انتقادات، على نطاق الطيف السياسي، بسبب رسالته المختلطة.

إن تردده في إقرار إطلاق تحقيق يعكس خوفاً من أن ذلك يمكن أن يسمم الجو السياسي في الوقت الذي يركز فيه الرئيس على مراجعة مسيرة الاقتصاد، الأمر الذي يتطلب نجاحه بعض الدعم الجمهوري في مجلس الشيوخ. ويقول ساباتو: "قد ينظر إلى الأمر وكأنه إعلان حرب على توافق الحزبين".

حتى جون ماكين، المرشح الجمهوري السابق لمنصب الرئاسة الذي تم تعذيبه في فيتنام، واصطدم ، بصورة متكررة، مع إدارة بوش بخصوص التعذيب، حذر أوباما من التحقيق بتهم ارتكاب الجرائم. وقال: "العودة إلى الملاحقة بتهم سابقة يمكن أن يستغرق عاماً، أو نحو ذلك، وسوف يكون، بصراحة، أمراً سيئاً للبلاد". وأضاف أن أي مقاضاة لمحامي الإدارة السابقين يمكن أن يكون له "أثر يبعث القشعريرة" على قدرة المسؤولين على تقديم نصيحة حكيمة للرؤساء.

غير أن المعارضة الجمهورية لم تفعل سوى القليل لإبطاء الدفع باتجاه تحقيق بين الديمقراطيين في الكونجرس، بزعامة باتريك ليهي، رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الذي اقترح إنشاء "مهمة حقائق" من جانب الحزبين "للاعتراف بما تم باسم الأمن القومي ، والتعلم من ذلك".

أصر المدعي العام، إيريك هولدر، على أنه "لن يسمح بتجريم الخلافات السياسية". ولكن هولدر أوضح أنه كان على استعداد لاتخاذ إجراء قانوني إذا كان الأمر يستحق ذلك. وقال: "إننا سوف نتبع الدليل ، ونتبع القانون، ونوصله إلى حيث يقودنا ، حيث ما من أحد فوق القانون. وإذا رأيت دليلاً على السلوك الخاطئ، فإنني سوف أتتبعه إلى أعلى درجة في القانون".

على الرغم من أن كثيرين من الديمقراطيين سوف يبتهجون برؤية تشيني وهو يمثل أمام أحد القضاة، إلا أن أوباما لن يكسب شيئاً من مثل هذا المشهد. ولكن على الرغم من أن هذا الأمر قد يبدو بعيداً، فإن البيت الأبيض سوف يواجه المشكلات في السيطرة على الوجهة النهائية، حتى في تحقيق يستهدف مشاركين على مستوى متدن، مثل المحامين الذين كتبوا المذكرات.

من بين كل ذلك، فإن قضية قفزت إلى السطح حول ما إذا كان التعذيب يؤدي إلى استخبارات دقيقة. وقد لام تشيني الإدارة على عدم الكشف عن مذكرات أخرى يقول إنها يمكن أن تثبت قيمة هذه الأساليب. ويرى الناقدون أن من المنتظر أن يبلغ الضحايا محققهم بما يعتقدون أن المحقق يريد سماعه.

يقول كينيث روث، المدير التنفيذي لجمعية مراقبة حقوق الإنسان، إن حقيقة استخدام الإيهام بالغرق مع خالد شيخ محمد 183 مرة، يثير الشكوك حول مدى كفاءة هذا الأسلوب. وقال محمد نفسه للجنة الدولية للصليب الأحمر، حين كان في معتقل جوانتنامو "قدمت خلال أقسى فترات تعذيبي، معلومات كاذبة لكي أُرضي ما اعتقدت أن المحققين كانوا راغبين في سماعه، حتى أوقف المعاملة السيئة".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية