تدافع لإيجاد وسائل جديدة لمراقبة المخاطر الشاملة التي يمكنها تدمير النظام المالي.
لدى ميرفن كينج، المحافظ الشجاع لبنك إنجلترا، في هذا الربيع أسباب جيدة للتفكير في العصافير والنحل، إضافة إلى أمور متربطة بعلوم الحيوان والأوبئة، أو البيئة.
فما سبب ذلك؟ قبل عدة أشهر، بدأ كينج وغيره من مسؤولي بنك إنجلترا جلسات عصف ذهني مع اللورد روبرت ماي، عالم الحيوان المشهور، والرئيس السابق للجمعية الملكية، (والمستشار العلمي السابق لحكومة المملكة المتحدة).
كان الهدف من ذلك معرفة ما إذا كانت مملكة الحيوان، أو البيئة العالمية، يمكن أن تقدم دروساً حول كيفية التوقع والسيطرة على سوء السلوك من جانب رجال المصارف، وبالتالي تجنب هذا النوع من الهلع المالي الذي أصاب للتو النظام المالي بزلزال.
ولاحظ اللورد ماي في ورقة عمل كتبها في العام الماضي، بالاشتراك مع اثنين من كبار العلماء الأمريكيين ـ وهي تحليل يشير إلى صناعة الأسماك كمصدر ممكن للأفكار الجيدة حول كيفية إدارة الشؤون المالية "أن هناك أساساً مشتركاً لتحليل الأنظمة المالية والأنظمة البيئية، لا سيما في ظل الحاجة إلى تحديد الظروف التي تجعل النظام يحيد ويتلقى ضربة مما يبدو أنه وضع مستقر، إلى وضع آخر أقل مدعاة للسرور".
فمرحباً بواحد من أسخن الاتجاهات الجديدة في الغابة المصرفية الحديثة. وفي أمكنة مثل الحي المالي في لندن، كان يفترض قبل ثلاث سنوات أن يتمكن بنك إنجلترا من السيطرة على البنوك الخاصة، بأفضل طريقة، من خلال التوجيهات غير الرسمية (أو من خلال تقطيب قاس لحاجبي المحافظ). وفي السنوات القليلة الماضية أصبحت البنوك والمنظمون يعتمدون بصورة متزايدة على أنظمة حساب معقدة وقواعد بيروقراطية لقياس المخاطر المالية.
#2#
غير أن الثقة في هذه النماذج الرياضية تحطمت في الوقت الراهن. ويتدافع الممولون لإيجاد وسائل جديدة لمراقبة المخاطر الشاملة التي يمكنها تدمير النظام المالي، الذي أدى بدوره إلى تشجيع البنوك كي تبدأ الحديث عن الأسماك، وأمور أخرى.
إنه تطور مرحب به للغاية، إذا لم يكن مستحقاً منذ فترة طويلة. وقبل ثلاث سنوات ألحق بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك الهزيمة ببنك إنجلترا، بفارق ضئيل، من خلال تنظيم مؤتمر مع مجلس الأبحاث الأمريكي، استهدف "حفز تفكير جديد حول المخاطر الشاملة" عبر مقارنة الأنظمة المالية مع الأنظمة الهندسية والبيئية.
وفي إطار تلك العملية، أعد البنك الفيدرالي خريطة لمبلغ 1200 مليار دولار تمثل الشبكة اليومية للمدفوعات ما بين البنوك الأمريكية في الولايات المتحدة، وقارنها بالأنظمة غير المالية، مثل شبكة الكهرباء، بحثاً عن الدروس. وعلى الرغم من أن هذا البحث الخارج عن المألوف كان أخاذاً، إلا أنه اجتذب القليل من الاهتمام. ويعود ذلك جزئياً إلى نشره بينما انفجرت الأزمة المالية.
في الوقت الراهن، هذا الأسلوب متعدد المساقات يبدو في وقته تماماً. وأحد أسباب ذلك أن هذا النوع من النقاش يمكن أن يزود صانعي السياسة بوسيلة لتنفيذ إصلاحات تشتد الحاجة إليها، دون الدخول في جدل سياسي لا ينتهي واتهامات، أو معارك بخصوص الأيديولوجية الاقتصادية.
وأكثر من ذلك أن مجالات العلوم، أو البيئة يمكن أن تقدم دروساً مفيدة حول كيفية إدارة المخاطر المالية. وإحدى خصائص الأزمة الحالية هي أن المنظمين أمضوا كثيرا من الوقت وهم يراقبون البنوك الفردية، لكنهم أخفقوا في توقع طريقة تفاعلها. وليس هذا الخطأ بغريب على التمويل. وكما يلاحظ اللورد ماي "ركز استثمار علم مصائد الأسماك خلال نصف القرن الماضي على الإدارة على أساس نوع بعد الآخر (الأمر الذي يمكن مقارنته مع تحليل مخاطر البنك المنفرد)". لكن كما يمضي اللورد ماي "هذا الأسلوب يخلي الساحة لوجهة النظر الجديدة القائلة إن مثل هذه النماذج ناقصة بصورة أساسية، وإن النظام البيئي الأوسع، ومضمون البيئة، مطلوبان لصناعة القرارات المستنيرة". ويحاول بنك إنجلترا، من جهته، بالفعل أن يقدم درس الأسماك إلى البنوك.
نشر أندرو هالدين، رئيس قسم الاستقرار المالي في بنك إنجلترا، هذا الأسبوع ورقة عمل تقارن بين وباء سارز وانهيار ليمان براذرز وغيره من الكوارث. واستنتج أن ديناميكيات شبكة التمويل الحديثة تجعلها "عنيفة وهشة، وهي خاصية تظهر في شبكات متكيفة أخرى، مثل الغابات المطرية الاستوائية".
وبينما بدت الشبكة المالية منوعة، اتبعت بيوت التمويل الفردية استراتيجيات متشابهة مع بعضها بصورة غريبة، الأمر الذي يعني أنها كانت جميعاً عرضة للانهيار بمجرد أن يبلغ النظام "نقطة الذروة". ويبذل المنظمون الآن جهدهم لتحليل الشبكات المالية، والمحافظة على "مرونة الشبكات" في المستقبل، كما قال هالدين.
إن المقارنات التشبيهية بين العوالم المالية وغير المالية لا تنجح على الدوام. وحين حاول الاحتياطي الفيدرالي مقارنة المدفوعات البنكية الأمريكية بالشبكة الكهربائية، استنتج "أنه على النقيض من إدارة شبكة الطاقة الكهربائية، لا توجد سوى خيارات صعبة، أو غير مباشرة للسيطرة على النظام المالي".
مع ذلك، حتى لو كانت لمثل هذا العصف الذهني محدودياته، فإن هناك سبباً آخر للترحيب باتجاه أسلوب ذي مساقات متعددة، كونه عامل تذكير قوي بأن القطاع المصرفي مجرد فرع من النشاطات الإنسانية، إلى جانب فروع كثيرة أخرى.
هذا درس نحتاج بشدة إلى إعادة تعلمه. فخلال فقاعة الائتمان نظر كثير من رجال المصارف إلى التمويل على أساس أنه شبيه بالمقدسات، وأنه عالم شبه منفصل، لا تكاد القواعد العادية للمجتمع تنطبق عليه. وبعد أن انفجرت الفقاعة، كان غير المصرفيين ميالون إلى النظر إلى التمويل على أساس أنه عالم شاذ بصورة غريبة.
وما لم نتوصل إلى طريقة لتجزئة وتهيئة التمويل وإعادة تكامله مع المجتمع، سيكون من الصعب إنشاء بنوك ذات أوضاع أسلم. ومعاملة الأنظمة المالية كما تعامل الأسماك والأشجار الاستوائية، أو الأمراض المعدية يمكن يكون جيداً ليس لرجال المصارف فحسب، وإنما يمكنه كذلك أن يساعد في إنشاء نظام مالي أسلم لأي طرف آخر.


