ثقافة وفنون

رغم الإلهام الأدبي والتكامل الإبداعي .. "الصورة"طاقة ثقافية لم تستثمر بعد

استراق لحظة من الزمن والاحتفاظ بها بعيدا عن مرور الوقت .. تحنيط الضوء وحبسه, وخلق عوالم إبداعية تعبيرية من حضور اللون وغيابه, كلها إطارات عريضة تحكي في ثناياها عن الصورة الرقمية .. عن إحداثيات الصورة وأبعاد الضوء وزوايا الكاميرا, وعلاقة هذا الفن الوليد بالمشهدين الثقافي والاجتماعي .. طرحت "الاقتصادية" أسئلتها على الفنانين الفوتوغرافيين عويد العويد وبدر الشايع. التصوير في منافسة مع الإبداع اليدوي (الفن التشكيلي, الرسم, والنحت), العلاقة بين التصوير كفن وليد بالنسبة إلى الفنون التشكيلية اليدوية .. هل يطغى التصوير ويلغي التشكيل؟ ما طبيعة العلاقة بينهم؟ #2# يبدأ المصور عويد العويد بإطلاق تسمية الفن – البصري – عوضا عن اليدوي, فهو بدلا من أن ينسب التصوير إلى اختلافه عن بقية الفنون بارتباطه الحتمي بالآلة الرقمية – الكاميرا –وانتساب غيره من الفنون إلى المهارة اليدوية ينسبه إلى حاسة البصر ليربطه ببقية الفنون حيث يقول .. "التصوير إبداع متصل ببقية الفنون البصرية المرتبطة بنقاط الضوء والظل, فاللوحة التشكيلية ترتبط بالصورة من ناحية المدرسة الواقعية لأنها تحاكي واقعا منقولا أيضاً, النحت يرتبط بالصورة بصلة الارتكاز على توثيق العمل، أيضا الصورة مرتبطة بهذه الفنون ارتباط العنصر المساند وليس العنصر الأساسي كما هو الحال بالفن التشكيلي والنحت) .. ويتفق معه في هذه الرؤية المرتبطة بين التصوير وبقية الفنون البصرية المصور بدر الشايع الذي يصف التصوير وعلاقته بالفنون الأخرى بأن "التصوير الرقمي مولود جديد ضمن عائلة الفنون يكبر سريعاً, مستفيداً من خبرة وتاريخ إخوته في الفن التشكيلي والرسم وغيرهم, فلا غرابة في ذلك فهو ابن القرن التقني". أما فيما يتعلق بظهور فن التصوير على حساب فن آخر ومدى حداثته كفن يعود العويد ليعلق (التصوير ربما على مشهدنا العربي حديث العهد لكن هو من أعرق الفنون في العالم بشكل عام وربما ما جعل فكرة الفن الفوتوغرافي حديثة العهد هو أن المجتمع كان يرفض المشهد الفني الفوتوغرافي إلى وقت قريب، وفي بعض المجتمعات ما زال مرفوضا، والفن التشكيلي, في وجهة نظري, واجهة الفن البصري وإذا أجيد بالنظرة العامة وبحس فني عال يجيد صناعة صورة فنية تحمل فنيات عالية، والفن التشكيلي يسير بوقت النهاية لربما يطغى على الفن الضوئي إذا بقي الاعتراف به في مجتمعاتنا وتقبله بهذا الشكل, وإذا ابتعدت العناصر الموجودة فيه عن المسار الذي يبرزهم كأشخاص ولا يبرز فنهم". وتختلف نظرة الشايع حيث يرى إمكانية بروز التصوير على حساب الفنون الأخرى فيقول "الذين لديهم خبرة في التشكيل والرسم فإني أرى مستوى تقدمهم مع التصوير سريعا, وهذا يعني أن هناك ثمة علاقة ولكنها ليست علاقة يلغي فيها طرف الطرف الآخر, ومع هذا قد يصبح التصوير في صدارة هذه الفنون تبعا لطبيعة العصر الرقمي الحالي". امتزاج التصوير بالفن الرقمي, تدخل برامج التصميم, تحريف الصور أم تصميمها وهندستها, إلى أي حد تتدخل البرامج الرقمية في الصورة دون أن تذهب مصداقيتها؟ #3# يجيب الشايع بهذا الشأن من خلال تناول التعريف السليم للصورة الرقمية (المتعارف عليه أن الصورة الرقمية عبارة عن مشهد طبيعي نقل كما هو عبر آلة معينة وهي الكاميرا, وهو ما يجب أن يراه المتلقي. لكن عندما تتدخل أدوات الجراحة الرقمية فإن الصورة تنتقل من مرحلة الواقعية إلى عالم التصاميم, وهنا لا يطلق عليها صورة ضوئية, كإضافة عنصر إلى الصورة أو إزالة عنصر وغيرها من هذه الأدوات, لكن هناك أدوات تجميلية بسيطة لا أراها تفقد العمل مصداقيته مثل إضافة الحدة أو تشبيع اللون وغيرها). ويضيف العويد (فكرة المعالجة الإلكترونية يبدو لي أنها دخلت في المشهد الفوتوغرافي العالمي ولم تستخدم الاستخدام الصحيح بحيث تكون محدودة على المعالجات المتاحة داخل (الغرفة المظلمة) قديماً واستخدام عديد من المحسوبين على المشهد هم من أساؤوا إلى هذا الفن، لأن المعالجة فن مستقل ولكنه محدود على أسس معينة، تتمحور حول تعديل إعدادات التوازن من بين الظل والضوء ولا تستخدم بإضافة وإزالة العناصر الأساسية أو المساندة، وبكل تأكيد ربما فيه بعض المعالجات التي تجعل العمل الضوئي يفقد مصداقيته". الصورة لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة, ما مدى الاستفادة من هذه الناحية لك كمصور في الخارج من ناحية التقاط الصور من مختلف البيئات, ومن التراث المحلي ومن ناحية عرض هذه الصور أيضا؟ يجيب عويد عن عالمية الصورة وتخطيها الحواجز (استفدت من هذا التعبير كثيراً من خلال ترجمة ما في داخلي بلوحات فنية، أيضا استفدت توصيل الفكرة الشعبية والعادات والتقاليد الجميلة الموجودة في مجتمعنا إلى العالم الخارجي أيضا ربط ثقافتنا المحصورة على أسس جميلة إلى العالم بشكل أكبر، وقدمت عديدا من الأفكار لتغيير المفاهيم الخاطئة المأخوذة عن المجتمع الإسلامي والعربي لأحاكي الجمهور للفن الفوتوغرافي في العالم بطريقتهم" . بينما يصف الشايع الصورة كجزء من الملامح الإنسانية عموما ويضعها في المرتبة الأولى قبل الكلمة التي تحتاج إلى جهد ودقة الترجمة (الصور تشابه أي تعبير جسدي للإنسان, فالابتسامة لا تحتاج إلى مترجم في جميع لغات العالم, وكذا الحال مع الصورة فإنه بمقدوري أن أنقل للعالم ما أريده وما أعيشه وما ينتجه وطني بصورة مبسطة دون حاجة إلى مترجمين, فصورة واحدة أبلغ من ألف مقال". الصورة والمشهد الثقافي .. الأدبي, الشعري, التشكيلي والسردي .. العلاقة بينها .. هل هي وحي متصل, ما تأثير النص في الصورة, ولماذا يتغيب التصوير أحيانا .. وما الطرق التي تقرب التصوير من بقية عناصر المشهد الثقافي؟ يشترك بدر وعويد في رؤية الصورة والمشهد الإبداعي كلوحة متكاملة, ويعلق بدر أن هذا التكامل قد يكون ناجحا ومنسجما وقد يكون قاتلا أيضا فيقول (الصور عنصر مكمل للمشهد الثقافي, قد تقرب الصورة جزءا كبيرا من النص الأدبي وكذلك النص بإمكانه أن يقرب لنا مفهوم الصورة التي أضيفت لها النص فهو عنصر فاعل وقاتل في الوقت نفسه, فقد أضيف صورة رائعة لكن بنص لا يرتبط معها فهنا ستقتل الصورة والعكس صحيح). ويشرح عويد نظرته في العلاقة المكملة بين الصورة والمشهد الثقافي في كون كلاهما مصدر إلهام للآخر (جميع الفنون هي وحي نفسي من واقع التجارب وأساليب الحياة المحيطة بالفنان، وعلاقة الصورة هي علاقة مكملة بوجهة نظري لجميع هذه الفنون، فأحياناً ما يجبرني ويبني فكرة عمل فني في مخيلتي هو قصيدة شعرية أو استيحاء من فكرة نص أدبي أو من فكرة لوحة تشكيلية مطورة, وأحياناً أربط الصورة بنص أدبي لتوضيح ما هو المطلوب فيها, وهذا يكون كثيراً في الأعمال السريالية أو التجريدية لأنها غير مفهومة إلا لدى شريحة صغيرة جداً, والطرق التي تقرب التصوير من بقية عناصر المشهد الثقافي هي أن التصوير مع الشخص أينما كان وكيفما كان وتقبله كبير بالنسبة للفنان أو الشخص العادي). آراء حول صعوبات الوصول إلى الكاميرا, صعوبات التقاط الصورة في المجتمع الطبيعي, الحاجة إلى صناعة الصورة, وغياب التصوير كعلم يدرس بجدية. لكل بداية صعوبات, وتبدو الصعوبات العلمية والمادية والاجتماعية جلية في فن التصوير, يقول عويد (كثير من قال إنه -التصوير- من فنون الأثرياء لأن معدات التصوير دائماً تكون غالية الثمن ولذلك يصعب الوصول إليها نسبة لأدوات الفنان التشكيلي أو أدوات الكاتب أو الشاعر، أما صعوبة التقاط الصورة في المجتمع الطبيعي فأنا أقول إن ذلك لا يصعب إلا على مصوري الحياة اليومية وهم قلة, والحياة اليومية الموجودة في حياتنا الطبيعية ربما لا يوجد فيها ما يجذب لخلق مشهد مختلف ومميز ويبرز فنيات الفنان، والحاجة إلى صناعة الصورة هي الفكرة السليمة والجديدة ومحتوياتها أيضاً صناعة الصورة تختلف من مدرسة إلى مدرسة أخرى فنيا فصناعة الصور الشخصية (البورتريهات) تختلف تماماً عما يدور في مستويات الصورة وصناعتها في (الطبيعة الصامتة) مثلاً. ولذلك في صناعة الصورة واختيار العناصر بالعمل هي ما يجعلك تحكم على المستوى الفني للفنان الضوئي). ويضيف الشايع في الشأن نفسه الصعوبات القانونية لمزاولة التصوير (لا يزال المصور يعاني حمل أدواته الفوتوغرافية, فما إن يشرع في فكرة لينقلها إلا وتتهافت عليه النظرات وتصل لحد الأخذ باليد والمنع! ومع أن هناك تنظيما رسميا لتسهيل حمل الكاميرا إلا أننا لا نزال في صراع, فالشرطي قد لا يعرف أن هناك نظاما أو تصريحا يسمح بحمل الكاميرا, وهذا ما دعاني إلى طباعة التصريح عدة نسخ وحمله في حقيبتي الفوتوغرافية وفي السيارة وفي كل مكان أذهب إليه). وبخصوص تدريس هذا الفن بطريقة أكاديمية يختلف الفنانان الفوتوغرافيان بدر وعويد في وجهة النظر, فيرى العويد أن التصوير فن إبداعي فطري لا يحتاج إلى الإطار التعليمي الرسمي (من الخطأ أن يوضع أي فن في مكان التعليم لأن الحس الفني فطري وليس تعليميا، ولذلك مصادر التعليم للتصوير الضوئي كثيرة وكثير من الموجودين المحسوبين على المشهد الفوتوغرافي يجيدون التصوير كعلم لكن لا يجيدونه فنا، وهذا دليل على أن الفن فطري وليس تعلما, بينما يرى الشايع ضرورة وضع أسس وتنظيم لتعليم هذا الفن (من وجهة نظري أن غالبية المصورين السعوديين الجدد ما زال لديهم التصوير هواية قد تكون ثانوية أحياناً, فلا معاهد ولا أكاديميات تقوم بتدريس أصول وأساليب التصوير الفوتوغرافي كما نراه في دول قريبة, وكل ما يقام في المملكة ما هو إلا اجتهادات فردية من مصورين أو جماعات تصويرية محلية. كل أملي بعد الله أن تقوم الجمعية السعودية للتصوير الضوئي التي صدر قرار رسمي من وزارة الثقافة والإعلام بإنشائها رسمياً, بفتح أكاديمية أو معاهد تدريب تجوب أنحاء الوطن لتأخذ بيد كل مصور أو من لديه حس فوتوغرافي لتصقله ويرفع اسم الوطن عاليا .
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون