الجمعة, 14 أغسطس 2026|29 صَفَر 1448
الاقتصادية

في الوقت الذي تتقدم فيه قوات طالبان، فإن المخاوف تتنامى بشأن عدم قدرة إسلام أباد على حشد القوات العسكرية، ولا الدعم المدني للحد من مكتسبات المتطرفين.

عندما زار ريتشارد هولبروك، المبعوث الأمريكي الخاص لأفغانستان وباكستان، إسلام أباد في الآونة الأخيرة، كانت عواقب الهزيمة في وادي سوات غاية في الوضوح. فلم يكن الوادي مجرد جنة السياح سابقاً، ويقع على بعد 120 كم من العاصمة، ويسيطر عليه محاربو طالبان حالياً، إلا أن حكومة الرئيس آصف علي زرداري، بدلاًَ من أن ترسل قواتها لكي تحارب، عقدت صفقة سلام مع المتطرفين.

منح الاتفاق الذي يشمل وادي سوات ومنطقة مالاكاند الكبيرة في المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية، موافقة الدولة على قانون الشريعة الإسلامية هناك مقابل وقف إطلاق النار. وإن عدداً قليلاً فقط من السكان البالغ عددهم 200 ألف شخص الذين فروا بسبب تقدم طالبان متحمسون إلى العودة. وعلى الأرجح أن تسجيل الفيديو الذي يظهر ضرب الجمهور لامرأة يشتبه بارتكابها الزنا قد يساعد في توضيح سبب رفضهم العودة.

قال هولبروك، الممثل الخاص للرئيس باراك أوباما إلى باكستان وأفغانستان، أثناء وجوده في نيودلهي في المحطة التالية من جولته: "إن ما حدث في سوات أذهل عديدا من سكان باكستان. كما أن الأحداث في لاهور، حيث تم إطلاق الرصاص على فريق الكريكيت الخاص بسيريلانكا في شهر آذار (مارس) الماضي، ومهاجمة محطة للشرطة، أثارت مزيدا من المخاوف، وأعتقد شخصياً أن الجميع هنا في هذا الجزء من العالم يجب أن يدركوا ما يحدث".

إن الوضع الأمني المتدهور في باكستان أفزع المجتمع المدني في البلاد، والبلدان المجاورة، والعالم. وأما طالبان التي كان يعتقد في الماضي أنها مجرد تهديد في المناطق الحدودية، فإنها تتقدم عبر باكستان، وتلقى القليل من المقاومة. وخارج نطاق حدود الدولة، فإن ذلك يشعل المخاوف بشأن استقرار جنوب آسيا، واحتمال خسارة حليف رئيس للولايات المتحدة في الحرب ضد القاعدة، وليس أقله – أمن الترسانة النووية لباكستان.

إن صفقة السلام في وادي سوات، بدلا من أن توقف طالبان، عملت على زيادة جرأة المقاتلين الذين يقدر إجمالي عددهم بنحو 15 ألف مقاتل. وتواصل المجموعة "إرهاب السكان المحليين، وتحمل الأسلحة علنياً، وتقوم بحراسة الطرق الرئيسة، وتقيم نقاط التفتيش، وتخطف المسؤولين الحكوميين وموظفي قوات الأمن، وتهاجم مواكب القوات الأمنية في سوات، ومنطقة مالاكاند"، حسبما تقول ماريا كوسيستو من مجموعة يوراسيا Eurasia ، وهي شركة استشارات متخصصة في المخاطر السياسية. وفي الأسبوع الماضي، اندفعت قوات طالبان قريباً من العاصمة عندما استولت على مقاطعة بونر. وأدت الهجمات الأخيرة في لاهور، ثاني أكبر مدينة في البلاد، بعديد من المواطنين إلى الاعتقاد بأن إقليم البنجاب المكتظ بالسكان، والثري هو ساحة المعركة التالية.

يتحدث المسؤولون الأميركيون عن طالبان وكأنها "تهديد وجودي" لباكستان. كما أن القلق في واشنطن، التي منحت إسلام أباد مساعدات عسكرية بقيمة عشرة مليارات دولار على الأقل خلال السنوات الثماني الماضية، يزداد عمقاً. وأبدت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية، نفاد صبرها في الأسبوع الماضي إزاء عدم قدرة الحكومة والجيش الباكستاني على مواجهة العدو. وقالت: "إننا نتساءل لماذا لا يخرج الجيش الباكستاني إلى هناك ويتعامل مع هؤلاء الناس. وإذا خسرت جنوداً وأنت تحاول استعادة جزء من بلادك، فإنه يبدو لي شخصياً أن هذه هي مهمة الجيش".

إن الجيش في واقع الأمر في قلب الصعوبات التي تواجهها باكستان. فهو يعتبر أحد أكبر الجيوش في العالم بوجود نحو 555 ألف جندي، وعدد مماثل في قوات الاحتياط، وينظر إليه على نطاق واسع على أنه المؤسسة الأقوى في البلاد، وتولى الحكم على فترات لجانب كبير من تاريخ البلاد الذي يمتد إلى نحو 62 عاماً.

متأثراً بالانتقادات، فإن الجنرال أشفق بيرفيز كياني، رئيس الجيش الباكستاني الذي تلقى تدريبه في أمريكا، دافع الأسبوع الماضي عن قرار وقدرة قواته. وأصر على أن الغرباء كانوا مخطئين في الخلط بين التوقف في العمليات والرغبة في التوصل إلى تسوية.

لكن لدى الحديث مع القادة المدنيين، وكبار المسؤولين العسكريين، فإن كل جانب يعترف بأن الجيش ليس له رغبة في هذه المعركة. فلماذا تبدو القوات المسلحة، المجهزة بشكل جيد، وقيادة قادرة، غير راغبة في حماية البلاد- وما الذي يمكن إنجازه؟ تكشف المقابلات المكثفة التي أجرتها "فاينانشال تايمز" عن نطاق واسع المشكلات التي تهدد التضامن والوحدة.

أولاً ذلك الشعور بأن البلاد توفر فقط ذخيرة المدفع. ويشتكي القادة قائلين إن باكستان فقدت مزيدا من القوات – نحو ألفي جندي- في الحرب على الإرهاب التي قادتها الولايات المتحدة، أكثر من قوات حلف الناتو على الجانب الآخر من الحدود في أفغانستان. ويقول يوسف رضا جيلاني، رئيس الوزراء: "يعني ذلك أننا ندفع ثمناً باهظاً. وإن المنطقة الحدودية طويلة – 2500 كم – والمنطقة بالغة الصعوبة، وقمنا بنشر أكثر من 150 ألف جندي لحراستها".

ثانياً، إن مزيدا من الجنود في الرتب الدنيا ينظرون إلى الصراع على أنه حرب أهلية، ويرفضون محاربة السكان الذين يعتبرونهم في الغالب أخوة. وفي الشوارع، يشاركهم المدنيون في هذه الازدواجية. فالقتال على الحدود الأفغانية هو حرب الولايات المتحدة، وليس باكستان، حسبما يقولون. ويزداد الاهتياج الغاضب تجاه واشنطن كلما ضربت طائرة قاذفة دون طيار الأرض الباكستانية.

كما أن لدى المؤسسة العسكرية ولاءات راسخة قديماً إزاء المقاتلين. وعلى الرغم من أنها مستعدة لسحب دعمها للمجموعات التي كانت ترعاها في السابق لكي تثير المشكلات في أفغانستان والهند، فإن الجيش لا يستطيع التشديد عليهم بالكامل أو تدميرهم. وبدلاً من ذلك، يفضل مراقبتهم.

يقول أحد الدبلوماسيين الغربيين: "إن الخطر المحدق بباكستان بشكل أساسي هو إضفاء الصبغة الإسلامية على الجيش خلال فترة طويلة. وبالنسبة إليه، فإن الجهاد هو المبدأ الذي يقودهم. وهم اقترنوا بقضية النضال الإسلامي بشكل وثيق، بحيث إن هناك شكوكاً بشأن تصميمهم على القتال. فهل تقتل الأم طفلها؟"

ثالثاً، إن غياب مشاركة الأذرع الأخرى للحكومة يمكن أن يعني أن النجاحات العسكرية تنقلب بسرعة في الغالب. ويشكو قائد رفيع المستوى قائلاً إنه حالما ينظف الجيش منطقة ما من المقاتلين، تفشل قوات إنفاذ القانون ووكالات التنمية في الاستفادة من المكتسبات على نحو جيد، ويعيد المقاتلون تأكيد أنفسهم.

رابعاً، وربما الأكثر أهمية، هو أن التصدي لتهديد المليشيات المتنامي ليس على قائمة الأولويات الحالية لدى قيادة الجيش الوطنية في روالبندي، جنوبي إسلام أباد. وبالنسبة للجيش، يبقى العدو الرئيس هو الهند. ويكمن التهديد الكبير لأمن باكستان، كما يراه الجيش، على الحدود الشرقية، حيث تحتفظ باكستان بأكبر تركيز لها من الجنود والمعدات.

أما التهديد من الداخل، على الرغم من هجمات المقاتلين التي تم تسليط الأضواء عليها، على البنايات الحكومية والمراكز الأخرى، فبالكاد يلاحظه الجهاز الأمني الذي حدد نفسه منذ فترة طويلة مقابل جاره الأكبر. ويقول طلعت مسعود، وهو جنرال متقاعد: "لا يمكن للقادة العسكريين التركيز على التهديد الداخلي. وما زالوا يركزون على التهديد الخارجي (الهند). ولا يدركون خطورة التغييرات الداخلية".

يقول قادة المجتمع المدني إنه لم يعد بمقدور باكستان أن تلعب دور الضحية لحرب جهة أخرى. ويقول حينا جيلاني، وهو محام متخصص في قضايا حقوق الإنسان في لاهور: "إن الإرهاب هو القضية رقم واحد في هذه البلاد. ومع ذلك، هناك أولويات منافسة. وإن مشكلة باكستان ليس تجهيز جيش لحالة حرب، بل إن علينا تجهيز القوات الأمنية لصراع داخلي مسلح، وحرب عصابات".

لكن في أي شكل ينبغي على قوات باكستان أن تتخذ هذه الخطوة دون استنزاف مزيد من الولاء في الرتب الأدنى، أو الدفع بالبلاد إلى دكتاتورية عسكرية أخرى؟ تبدو بعض البشائر جيدة، إذ إن الجيش لم يتلق دعماً مالياً كبيراً فقط من جانب الولايات المتحدة منذ عام 2001، ولكن روابطه أيضاً مع الجيوش الغربية ووكالات الاستخبارات تعود إلى فترة أطول نوعاً ما. وشكلت واشنطن روابط أقوى مع باكستان في ثمانينيات القرن الماضي، وسط الاحتلال السوفياتي لأفغانستان المجاورة. ولم يبد الجنرال كياني لغاية الآن، أي رغبة في تولي حكم البلاد بنفسه.

لكن، على الرغم من حجمه، والدعم الأمريكي، فإن الجيش بعيد عن كونه لا يقهر. وأظهرت صفقة سوات بوضوح ضعفه. ويقول بعض المعلقين المحليين إن صفقة السلام مع طالبان كانت عملاً غير مسؤول لأنه وقع عليه من مركز ضعف بعد هزيمة عسكرية. ويقول آخرون إن الغرب يطلب من الجيش أن يتغير 180 درجة، وأضافوا قائلين إن استخبارات الخدمات المتبادلة، وكالة الاستخبارات العسكرية، على الرغم من روابطها مع المجموعات العسكرية التي يقودها زعيمان أفغانيان، جلال الدين حقاني، وقلب الدين حكمتيار، هي شريك أساسي لمعالجة الإرهاب. وفي الوقت ذاته، ثمة إدراك يتنامى بأن "المجموعات المتطرفة تحدث الضرر حالياً أكثر مما تفعل خيراً. وبدأت الآن بالتسبب بالأضرار لباكستان، وشعب باكستان".

يوافق على ذلك تيريسيتا سكافير من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن. ويقول: "إن الجيش وطني بشكل شغوف. ولا يريد أن يقاتل المسلمين، ولكنه لا يريد دون أدنى شك أن يستقوي عليه الأفغان".

يشير التهديد الداخلي إلى مقارنات تاريخية. فالمؤسسات الفاشلة، وعدم رؤية الخطر، تحدثان المقارنات مع كمبوديا، وحتى مع الاتحاد السوفياتي. ويقول مسؤول دفاع غربي في إسلام أباد: "إن الأمر أشبه إلى حد كبير بسحب البساط من تحت أرجل الجنرالات، إذ إن الاتحاد السوفياتي انهار بسبب التناقضات الداخلية، ولم تستطع ترسانة روسيا الكبيرة من الصواريخ النووية التي تستهدف العالم الغربي أن تنقذها من الدمار".

يدعي آخرون أن المخاوف مبالغ فيها. فعلى الرغم من عدم قدرة زرداري على تغيير صفقة سوات على الأرجح، إلا أن بعض المسؤولين يعتبرونها مجرد مسودة يمكن بسطها على نطاق أوسع لجلب الاستقرار، والمساعدة على فصل البنادق المستأجرة عن المتطرفين الملتزمين.

يقول أحد المسؤولين الباكستانيين: "إن الناس يبالغون ببساطة عندما يقولون إن طالبان سوف تستولي على دولة باكستان. فهل فكر أي شخص بأن البنجاب تأوي ست مؤسسات من أصل ثمان تابعة للجيش الباكستاني؟ إن قيادات الجيش في روالبندي، بينما قيادات القوات الجوية والبحرية في إسلام أباد. فهل تعتقد بشكل جاد أن طالبان تستطيع ببساطة أن تجتاز هذه المنطقة"؟ ويتوقع حدوث معركة دموية. ولكن في الوقت الحالي، فإن استراتيجية الحكومة هي تحييد طالبان من خلال المصالحة.

يلقي آخرون باللوم على الحكومة الضعيفة. وبالنسبة إليهم، فإن صفقة السلام في سوات كانت خطأ من جانب زرداري غير المحنك. ويقول شوكت قادر، وهو محلل عسكري، إن المشكلة هي عدم اتخاذ إجراء سياسي، وليس غياب القرار العسكري. ويقول: "إن مؤسستنا السياسية الحالية لا تميل إلى القيام بأي أمر كبير (إبعاد طالبان)... وقرر الجيش أن تأخذ الديمقراطية مجراها، وأن يبقى التفوق المدني دون مساس – ونحن ندفع ثمناً لقاء ذلك... ولكن يجب أن يكون في مكان ما من ذهن كياني السؤال التالي: إلى متى يمكننا أن نسمح باستمرار هذا الأمر؟".

يطرح هولبروك، وكلينتون السؤال ذاته، بإلحاح أشد. وليس منذ فترة طويلة، كان وادي سوات ومخيمات الإجازات على جانب البحيرة احتلالاً لا يمكن التفكير فيه بالنسبة للمتطرفين. والآن، هناك احتمالات أخرى تتفتح: بعد الهجمات على لاهور، انتهاكات في إسلام أباد، والأكثر مدعاة للقلق بالنسبة لدول الجوار والقوى الغربية، الاستيلاء على الترسانة النووية التي تملكها باكستان.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية