الحرب الأفغانية تكشف عيوب افتراض وحدة حلف الناتو
بينما هدأ غبار الزيارة الزوبعية لباراك أوباما إلى أوروبا، من الواضح أن الرئيس الأمريكي ترك انطباعاً إيجابياً للغاية. ولقد كان أكثر من مجرد أنه ليس جورج دبليو بوش، حيث بدا مهتماً بصورة خالصة بالاستماع إلى ما لدى الناس من أقوال.
وبالطبع في هذه المرحلة للحكومة الأمريكية الجديدة، فإن العديد من السياسات لم تستقر بعد بصورة نهائية. ولا يزال نحو نصف اللاعبين بحاجة إلى تثبيتهم في وظائفهم. واتخذ أوباما خيارات استراتيجية كبيرة للغاية، بالتفاوض مع إيران، و"إعادة ضبط" العلاقة مع روسيا، ولكن لا تزال هنالك حاجة إلى إعطاء المضمون لأغلب التفاصيل. وإنها لحظة ممتازة لشركاء أمريكا للخروج بأفكار جيدة فيما يتعلق بما يريدونه من واشنطن.
لذا، ماذا يمكن أن يكون أوباما قد حقق من الرد الأوروبي على زيارته؟ إن أفغانستان هي البند الأكثر إلحاحاً على أجندته.
كشف أوباما عن مراجعة لسياسته قبل أسبوع من هبوطه في لندن، وكانت تدور بالضبط حول كل ما كانت أوروبا تسعى إليه.
تخلى أوباما عن وجهة النظر الأيديولوجية المتطرفة لتحويل أفغانستان إلى دولة ديمقراطية ليبرالية بين ليلةٍ وضحاها. ووافق على أن باكستان كانت جزءا من المشكلة. ووضع المزيد من التوكيد على التنمية الاقتصادية، بالإضافة إلى التدريب، وبناء مؤسسات أفغانية. وسيستخدم تقنيات أكثر تطوراً في مكافحة التمرد، ويسعى إلى استمالة المسلحين من حركة طالبان. وسيقوم بكل شيء من أجل تجنب الإصابات المدنية. وسيسعى إلى بناء توافق في الآراء مع الدول المجاورة، وهي تشمل إيران، في مجرى العملية.
والأكثر من ذلك: ففي قمة الناتو في ستراسبورغ، تجنّب أوباما متعمداً الطلب من الحلفاء الأوروبيين إرسال المزيد من الجنود إلى الجبهة، برغم أنه سيرسل 21 ألفا من جنوده، ويشمل ذلك العدد أربعة آلاف جندي من أجل تدريب الجيش الوطني الأفغاني. ولكنه لا يزال مصراً: "إن هذه الجهود لا يمكن أن تكون أمريكية فقط". كانت رسالته واضحة: إذا لم تكن أوروبا قادرة على توفير تعزيز عسكري على الأرض، فيمكنها أن تقوم بالمزيد من التدريب، وتوفير المزيد من الأمن الناعم المدني.
كان الرد الأوروبي مخيباً: نحو خمسة آلاف جندي إضافي، وألفي جندي كمدربين، أما الباقي فسيغادرون مجدداً بعد الانتخابات في شهر آب (أغسطس). وسيكون هنالك بعض المدنيين، ونحو 400 شرطي، ومراقب انتخابات. وقد تكون هنالك بعض المساهمات في صندوق دعم الانتخابات، ولكن لا يوجد هنالك حماس لصندوق بقيمة 500 مليون دولار (أي 376 مليون يورو، أو 339 مليون جنيه استرليني) من أجل تدريب الجيش الأفغاني.
وعد الاتحاد الأوروبي في شهر أيار (مايو) 2008 بإرسال 400 مدرّب شرطة. ولم يتمكن من إيجاد سوى 200 متطوع، ليس على الأقل لأن الأجر هزيل للغاية.
ما مشكلة الأوروبيين؟ إنهم يعلمون أن الحرب في أفغانستان هي الاختبار النهائي لأهمية، وفاعلية تحالف الناتو. وهم يعلمون أنه تمت خسارتها الآن.
لكن الحكومات الأوروبية مرعوبة من الإساءة إلى الرأي العام المعادي، غير القادر على فهم، حيث لم يتم توضيح الأمر له إطلاقاً، السبب الدافع إلى وفاة جنودهم في مثل تلك البلاد البعيدة.
أظهر استفتاء للآراء أجرته هاريس – Harris، لصالح الـ"فاينانشيال تايمز"، أن نسبة 60 في المائة من الألمان، و57 في المائة من البريطانيين، و53 في المائة من كلا الفرنسيين، والإيطاليين، رفضوا إرسال المزيد من الجنود إذا ما طلب ذلك أوباما منهم. ولذلك لم يطلب.
إن جزءاً من المشكلة هو أن حلف الناتو توجه إلى الحرب في عام 2003، دون وجود استراتيجية مشتركة، أو رواية مشتركة. وإن دولاً مثل ألمانيا، وهولندا، أقنعتا برلمانيهما بأن المهمة كانت تتعلق بالحفاظ على السلام، وليس محاربة متمردي طالبان. وأرسلت كل من ألمانيا، وفرنسا قوات خاصة كذلك للانضمام إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عملية الحرية الدائمة، بمحاربة طالبان، ومطاردة القاعدة، ولكنهما أبقتا الأمر طي الكتمان.
ولكن البريطانيين، والهولنديين، والدنماركيين صريحون أكثر بخصوص أنها حرب حقيقية، وأن نجاة جنود حلف الناتو على المحك. وآخرون، وهم يشملون الألمان، ليسوا كذلك. وهنالك سبب منطقي لذلك.
"كلما عبّر الأوروبيون عن الأمر بأنه "إما نجاح باهر، أو فشل ذريع" بالنسبة لحلف الناتو، أو قالوا إن "أمننا على المحك"، زادت تهيئة وضعيتهم للفشل"، كما يقول دبلوماسي أوروبي. "وبالإبقاء على الهدوء في التحدث عن الأمر، تظل هنالك استراتيجية للنجاة".
إن الخطر الذي يتعرض له حلف الناتو ذو حدين. فدون التزام أوروبي كبير، ستبقى الحرب "أمريكية الطابع"، ويخاطر الحلف بشعبيته في أوروبا. وأما بالنسبة للتحالف، فإنه يتحول إلى "ائتلاف من الراغبين" بصورة افتراضية. إن الافتراض الأساسي بتماسك حلف الناتو أصبح عرضة للتساؤل، وذلك أخطر من خسارة الحرب.







لا يوجد تعليقات