بعد عملية هذا الشهر لإنقاذ ريتشارد فيليب، وهو قبطان سفينة تجارية احتجز لأيام على يد قراصنة صوماليين، ظهر الأميرال البحري وليم جورني في مؤتمر صحافي. أحد الصحافيين شدد على آن القراصنة الذين قتل منهم ثلاثة على يد قناصة سلاح البحرية "لم يكونوا عنيفين جداً تجاه طاقم السفينة". ولاحظ أن "عددا قليلا جدا من الناس ماتوا في السابق". هذا أمر غير صحيح، فإذا كان القراصنة غير عنيفين حقا، لما تسنى لهم تحصيل أي فدية. لكن الرغبة في إضفاء نظام أخلاقي عليهم رغبة قوية. وقال موظف في جمعية خيرية لصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور": "كان لدى القراصنة الصوماليين مبادئ ثابتة، مع أن الأمر يبدو شيئاً مضحكاً حين يسمع الناس خارج الصومال عن ذلك". فما هي تلك المبادئ الثابتة؟
ربما نجد الإجابة لدى بيتر تي. ليسون، وهو اقتصادي في جامعة جورج ماسون، نشر هذا الأسبوع كتاباً قصيراً عن تنظيم سفن القرصنة في أوائل القرن الثامن عشر.* وبينما يعتبر الكتاب تفسيراً لـ "اقتصاد القراصنة الخفي" ـ وجاء بقائمة من الأسرار الإدارية ـ إلا أنه في معظمه دراسة في السياسة البدائية. ويورد البروفيسور ليسون في كتابه أن قراصنة الأطلسي والكاريبي الذين تجمعوا في مجتمع عائم من المجرمين، قاموا بتجارب في الديمقراطية لمنافسة ديمقراطيتنا. ودون أي هدف سوى الحفاظ على البقاء والتوزيع المتكافئ للدخل، وضعوا دساتير (مبادئ القراصنة) وقواعد تنظيمية (حظر التدخين حول أماكن البارود)، وشبكة أمان اجتماعي (600 قطعة فضية إسبانية تعويضاً عن كل ذراع مقطوعة)، ونظام للفصل بين الصلاحيات (مسؤولو التموين وليس القباطنة هم الذين يفرضون العقوبات ويقسمون الغنائم).
ويتحدث البروفيسور ليسون عن مزايا مبالغ بها للقراصنة. لكنه يسيئ التقدير عندم يصف مجموعة من القواعد الموضوعة لتوزيع السلع المسروقة بأنها بمثابة دستور. وادعاؤه أن القراصنة أوجدوا نظام "تصويت شامل" شيء لا معنى له في مثل هذا "الكلية الانتخابية" المختارة بشكل مسبق. وشبيهاً بذلك، يرى ما يبشر بالديمقراطية في قدرة البحارة على خلع قباطنتهم، وهو أقل إدراكاً للتبعات الدستورية للحقيقة الماثلة في أن "مواطني" هذه الديمقراطية الذين صدف أنهم يدعمون القبطان سيئ الحظ يمكن خلعهم أيضا.
ومع أن البروفيسور ليسون يحب أن يتحدث عن "مجتمع القراصنة" وهي سفينة ليست مجتمعاً بالمعنى الإنجليزي ـ مع أنها يمكن أن تكون مجتمعاً بالمعنى الفرنسي ـ فإنها تمثل شركة، وليس بلداً. فقد تكون حياة القراصنة "منظمة ونزيهة" – لكنها منظمة ونزيهة وفق بعد واحد فقط: توزيع الممتلكات المسروقة. ومن المؤكد أن نوع النظام الذي وصفته هذه الحياة يمكن أن يكون مثيراً للإعجاب. ويقول ليسون إن سفن القراصنة أنتجت مساواة مفرطة، وليس الغبن الذي نربطه بسياسة عدم التدخل. فالقبطان وهو أكثر من يحصل على المكافآت على السفينة، لم يكن يحصل عموماً إلا على ضعفي نصيب البحار. والمنطق وراء هذا جدير بالتفكير فيه: القراصنة الذين أصبحوا أغنياء جداً يمكن أن يشعروا بإغراء التخلي عن رحلات بحرية مستقبلية ويتقاعدوا مكتفين بما حققوا من مكاسب.
وفيما يناقض من الناحية العملية أي فكرة مبتذلة في عصرنا الراهن، الإنتاجية جرى تشجيعها بانعدام حوافز الرواتب. وربما يكون ذلك درساً، كما أنه يمكن أن يكون إشارة إلى أن مستوى الحرية في مجتمع القرصنة كان صفراً، إذ إن سفينة القراصنة كانت عبارة عن معتقل أشغال شاقة مع دار لليانصيب.
وشأنهم شأن تنفيذيي الشركات في العصر الحديث، اعتمد القراصنة على العلامات التجارية. وقد واجهوا حالة من التناقض، كما يكتب ليسون "كان عليهم عدم الاكتفاء فقط بمحاربة القراصنة الناشئين، لكنهم كانوا كذلك عرضة لتهديد العوائد الناجمة عن القرصنة. وكان تبادل إطلاق النار يدمر الحمولات ويغرق الكنوز".
يصف ليسون نظام القراصنة بأنه "قانون ونظام ذاتي المنشأ" ويشبهه بمجالس الحكم المشترك في الولايات المتحدة. وهو يميز بين الحكومة (القائمة على القوة)، والحكم الرشيد غير القائم على ذلك، معتقدا أن الأخير يمكن أن يوجد في مكان الأول. غير أنه مخطئ في ذلك. وحكم سفن القراصنة في الكاريبي لم يكن استثناءً لذلك. وكان قائماً على القوة بطريقتين: التهديد بالعنف الغوغائي لأولئك الذين دعوا إلى قانون القرصنة، والتهديد بالاعتقال والإعدام، من جانب الحكومات، إذا ما فشل المشروع. وانضبط القراصنة وحفزوا طواقمهم البحرية من خلال "اقتراض" عنف الدولة.
وفي اللحظة التي تسحب فيها الحكومات وشركات الملاحة موافقتها على أن تكون فريسة، فإن أنموذج النشاط العملي الكامل للقرصنة سينهار، ومعه كذلك أنموذجها في "الحكم". والقراصنة المستقلين الذين هم موضوع ليسون كانوا قادرين على العمل لعقد واحد فقط بعد عام 1716، واختفوا بعد ذلك لعدة قرون. والهراء الخاص بـ "ميثاق المبادئ" بين قراصنة المحيط الهندي سيكون قصير الأجل بصورة مشابهة لذلك. ولم يتمكن القراصنة من الاستيلاء على أي سفينة هندية منذ أن دمرت البحرية الهندية "سفينة رئيسية" للقراصنة في الخريف الماضي. وستظل القرصنة، بصفتها شكلاً من اللصوصية موجودة بصورة ما، كما ستظل شكلا من أشكال الحرب. أما القرصنة كشكل من أشكال "الحكم"، فإنها تستمر فترات قصيرة يسود فيها عدم مبالاة الحكومات، وسرعان ما تنتهي إلى أن تصبح إلى خزنة على طريقة دافي جونز.
ـــــــــ

