هلّ فصل الربيع وأخذ صانعو السياسات يروْن براعم خضراء. يقول لورانس سمرز، مستشار باراك أوباما الاقتصادي، ينبغي أن ينتهي "السقوط الحر" في الاقتصاد الأمريكي خلال بضعة أشهر. والرئيس نفسه يرى "بارقة أمل". وفي الأسبوع الماضي، قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، بن بيرنانكي: "رأينا أخيرا علامات خجولة على تباطؤ التراجع الحاد في النشاط الاقتصادي، مثلا، في البيانات الخاصة بمبيعات المنازل، وفي بناء المنازل وفي الإنفاق الاستهلاكي، بما في ذلك مبيعات السيارات الجديدة".
هل أصبح الأسوأ وراءنا؟ باختصار، لا. صحيح أن معدل التراجع الاقتصادي يشهد تباطؤاً. لكن من المبكر جداً أن نجزم بحدوث انعطافة، ناهيك عن العودة إلى النمو السريع. بيد أن التخلص من الطاقة الفائضة أمر مستبعد أكثر. والأمر الأكثر استبعاداً هو نهاية التخلص من المديونية. من هنا، الرضا عما تحقق أمر خطير. فما زال الوقت مبكراً على ذلك.
وكما لاحظت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها الأخير عن الآفاق الاقتصادية المؤقتة "الاقتصاد العالمي في منتصف أعمق ركود متزامن له في حياتنا، ونتج هذا الركود عن أزمة مالية عالمية وتعمقَ جراء انهيار التجارة العالمية". ومن المتوقع أن ينكمش الناتج في البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ككل بنسبة 4.3 في المائة هذا العام وبنسبة 0.1 في المائة عام 2010، ويتوقع أن يرتفع معدل البطالة في العام المقبل إلى 9.9 في المائة من القوة العاملة. وفي نهاية عام 2010 يتوقع أن تكون "فجوة الناتج"، وهي إحدى وسائل قياس الطاقة الفائضة، بنسبة 8 في المائة، أي ضعفي النسبة التي كانت في الركود الذي حدث في أوائل ثمانينيات القرن الماضي.
#2#
وفي الولايات المتحدة معدل انخفاض الناتج التصنيعي يساوي معدل انخفاضه أثناء الكساد العظيم. وانخفض الناتج التصنيعي الياباني فعلاً بما يعادل نسبة انخفاضه في الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي. والنظام المالي نفسه أسوأ الآن مما كان عليه في تلك الحقبة، وهذا موضع جدل.
وإذا عانى العالم من "ركود عظيم" وليس من "كساد عظيم"، فإننا سنجد تفسيراً لذلك في الدعم الذي قدمته السياسات. فثلاثة من أهم البنوك المركزية في العالم ـ بنك الاحتياطي الفيدرالي، وبنك اليابان المركزي، وبنك إنجلترا – تعمل بأسعار فائدة قريبة من الصفر، وتبنت سياسات غير تقليدية. ويتوقع أن يكون العجز المالي الحقيقي في سائر البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عند نسبة 8.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام المقبل، في حين يتوقع أن يكون العجز الهيكلي بنسبة 5.2 في المائة. وفي الولايات المتحدة، فإن الرقمين الموازيين هما 11.9 و8.2 في المائة. كما أن حكومات البلدان الغنية وضعت تصنيفاتها الائتمانية الصحية تحت تصرف أنظمتها المالية التي أساءت السلوك، ما أدى إلى تعميم خطر السوق على أوسع نطاق في تاريخ العالم.
وكان من المستحيل ألا يخلف هذا النشاط أي أثر. وبإمكاننا فعلاً أن نرى عودة جزئية من جانب الأسواق المالية إلى الوضع الطبيعي، وانخفاضاً ملحوظاً في الفروقات بين الموجودات الأخطر والموجودات الأقل خطورة. فقد قفز مؤشر بورصة فاينانشيال تايمز العالمي بنسبة 24 في المائة، وقفز مؤشر ستاندار آند بورز ـ 500 بنسبة 23 في المائة منذ التاسع من آذار (مارس) 2009، وبدأت مؤشرات مديري المشتريات بالتحسن. وبصورة أعم، فرص حدوث انعطافة في المجال التصنيعي عالية، لأن التراجع الكبير في الطلب يولد تراكماً في المخزون ويولد انهياراً في الناتج. ومن المؤكد أن يحدث تحول عكسي في انهيار الناتج. كما أن نمو الصين أخذ ينهض من عثرته.
ونستطيع القول ببعض الثقة، إن النظام المالي آخذ في الاستقرار وإن معدل تراجع الطلب في تباطؤ. لكن هذا الركود العالمي يختلف عن أي ركود آخر منذ الحرب العالمية الثانية. فالسمة البارزة له هي عدم اليقين.
فكروا في المخاطر الواضحة: في ضوء ضخامة الطاقة الفائضة، يظل خطر حدوث انكماش قائماً، مع احتمال أن تكون له نتائج مؤلمة على المقرضين المثقلين بالمديونية، وفي ضوء ارتفاع معدل البطالة والخسائر الضخمة في الثروة، ربما تعمد الأسر المدينة في البلدان ذات نسبة الادخار المتدنية إلى زيادة معدلات ادخارها إلى مستويات غير معهودة. وفي ضوء انهيار الطلب والأرباح، ربما يستمر تقليص الاستثمار إلى مدة طويلة وبصورة شديدة بشكل غير معهود، وفي ضوء العجوزات المالية الهائلة والمستمرة وارتفاع المديونية إلى مستويات عالية جداً، ربما يؤدي النفور من المخاطرة إلى ارتفاع أسعار الفائدة على القروض الحكومية. وفي ضوء الهروب من المقترضين الخطرين، ربما يجد عدد من الاقتصادات الناشئة نفسه في دورة لولبية شريرة ذات اتجاه نزولي على صعيد تراجع التدفقات المالية الداخلة إليها، وعلى صعيد انخفاض الناتج وتراجع جودة الموجودات.
باختصار، وكما لاحظ ستيفن كنغ وستوارت جرين، من بنك HSBC في تقرير حديث لهما، تبين من الديناميكيات الاستثنائية لهذه الأزمة إن الشك في توقيت الانتعاش وسرعة حدوثه هو أمر في محله. وزيادة على ذلك، الأمر الأكثر إزعاجاً هو حجم الإجراء المطلوبة على صعيد السياسات لوقف هذه الحلقة اللولبية ذات الاتجاه النزولي. وهذا يثير السؤال الكبير: كيف ومتى يمكن أن يعود العالم إلى وضعه الطبيعي الذي يتسم بالمراكز المالية المستدامة، وبأسعار الفائدة الرسمية الإيجابية على القروض قصيرة الأجل، وبالأنظمة المالية القادرة على الوفاء بالتزاماتها؟ والمفزع على هذا الصعيد أن اليابان فشلت في تحقيق ذلك طيلة 20 عاماً.
والشيء الذي وجدتُه أكثر إزعاجاً من كل ذلك هو عدم الاعتراف بطبيعة هذا التحدي. ففي المشورة التي قدمتها فيما يتعلق بالسياسات، يبدو أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حتى تعتقد أن هذه الأزمة هي أزمة مالية إلى حد كبير وأنها أزمة يمكن التغلب عليها في وقت قصير جداً. وحتى هذا يبدو أمراً بعيد الاحتمال: في تقريره الأخير حول الاستقرار المالي العالمي، يقدر صندوق النقد الدولي الآن إجمالي خسائر القطاع المالي بمبلغ 4100 مليار دولار. ومن المفترض أن يكون التقدير التالي لهذه الخسائر أعلى.
وفوق كل ذلك، الأزمة المالية هي إحدى أعراض اضطراب الميزانيات العمومية. ويعتبر هذا بدوره إحدى التبعات المترتبة على الاختلالات الهيكلية للحسابات الجارية. وعليه، لا التحفيز قصير الأجل للاقتصاد الكلي، ولا إعادة هيكلة الميزانيات العمومية للمؤسسات المالية سيولد نمواً عالمياً مستداماً وصحياً.
فكروا في المثال البارز للولايات المتحدة التي يعتمد الكثير على الطلب النهائي منها. فقد ارتفعت المديونية الإجمالية للقطاع الخاص من 112 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 1976 إلى 295 في المائة في نهاية عام 2008. وقفزت مديونية القطاع المالي وحده من 16 في المائة إلى 121 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال هذه الفترة. فما مقدار التخفيض الذي حدث في مبالغ الدين هذه في أزمة عام 2008؟ لا شيء. بل على العكس، ارتفعت المديونية أكثر.
ويتمثل الخطر في أن يقتنع العالم جراء انعطافة، مهما كانت ضئيلة، بأن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه في المستقبل القريب جداً. لن تعود الأمور إلى سابق عهدها. ولن تفعل الانعطافة أكثر من أن تبين أن الانهيار لن يدوم بفضل تطبيق حزم الحوافز الكبيرة. والحقيقة المرة هي أن النظام المالي ما زال بعيداً عن أن يكون في صحة جيدة، وأن تخلص القطاعات الخاصة في البلدان ذات المديونية العالية من ديونها لم يبدأ بعد، وأن إعادة التوازن اللازم للطلب العالمي بالكاد بدأت، ولهذه الأسباب مجتمعة، ما زال أمام العودة إلى نمو مستدام يقوده القطاع الخاص مشوار طويل.
إن الاقتصاد العالمي لا يمكنه العودة إلى ما كان عليه قبل حدوث الأزمة، لأنه ثبت أن ذلك الوضع لم يكن قابلاً للدوام. إن الاقتصاد العالمي في المراحل الأولى من عملية مؤلمة على صعيد التخلص من المديونية وعلى صعيد إعادة الهيكلة. ومن حسن الحظ أن صانعي السياسات قضوا على أسوأ النتائج المحتملة، لكن ما زال هناك الكثير مما يتعين عمله قبل أن تصبح البراعم الضعيفة نباتات تتمتع بصحة جيدة.


