الأحد, 9 أغسطس 2026|24 صَفَر 1448
الاقتصادية

أوصى اقتصاديون ومصرفيو الصناديق السيادية الخليجية بتطبيق أعلى ‏درجات الإفصاح والشفافية في استثماراتها باعتبار أن هذا الأمر يجنبها ‏الضغوط التي تواجهها بين فترة وأخرى في الأسواق الغربية. وقال ‏الاقتصاديون الذي كانوا يتحدثون في الجلسة الخامسة من ملتقى "آفاق ‏الاستثمار" في الرياض تحت عنوان "دور الصناديق السيادية ومؤسسات ‏التمويل في ظل الأزمة"، إن الأزمة العالمية فتحت فرصا استثمارية ‏للصناديق السيادية بالفعل، لكن هذا الأمر لا يعفيها من دراسة استثماراتها ‏بدقة وخفض المخاطرة فيها، خاصة أن بعض الشركات الغربية معرضة ‏للانهيار في الفترة المقبلة.‏

#2#

وتشير تقديرات إلى أن الصناديق السيادية الخليجية نحو 400 مليار دولار من ‏جراء الأزمة المالية العالمية. وتشكل أصول الصناديق السيادية الخليجية ‏نصف قيمة أصول الصناديق السيادية العالمية مجتمعة، وهو الأمر الذي ‏جعل منها محط نظر كثيرين ليكون لها دور مهم في حل الأزمة المالية ‏الراهنة‎.‎ وأعلنت المفوضية الأوروبية في بروكسل الشهر الماضي أنها ستعرض ‏قريبا مشروع قانون أوروبي للتحكم في الصناديق السيادية ومراقبة ‏أنشطتها داخل المجال الاقتصادي والنقدي الأوروبي‎.‎

#3#

وتحدث في الجلسة الخامسة لمنتدى "آفاق الاستثمار" أمس، منصور ‏الميمان الأمين العام لصندوق الاستثمارات العامة، الدكتور محمد التويجري ‏الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في جامعة الدول العربية وعبد الله ‏الفوزان الشريك الرئيس في "كي. بي. إم. جي الفوزان والسدحان", ‏ورأسها الدكتور عبد الرحمن البراك مساعد رئيس مجلس الشورى.‏

نشأت الصناديق وأغراضها

بداية، أوضح منصور الميمان أمين عام صندوق الاستثمارات العامة، أن وجود فوائض واحتياطات مالية عالية لدى الدول المنتجة للنفط ساهم إلى نشوء الصناديق السيادية ‏كآلية مناسبة لاستثمار هذه الفوائض لتحقيق أفضل العوائد الممكنة لهذه الدول، مبينا أن الدافع الرئيسي لأن تتوجه هذه الصناديق نحو ‏الاستثمارات الخارجية كواحد من أولويات الاستثمار بالنسبة لبعض الدول المنتجة للنفط هو صغر حجم ‏اقتصادياتها في استيعاب هذه الفوائض.‏ كما أن النمو في الاقتصاد العالمي والانفتاح الاقتصادي لتلك الدول ساعد على جذب أكبر قد ممكن من ‏الاستثمارات سواء كانت هذه الاستثمارات في محافظ استثمارية أو ‏استثمارات مباشرة.‏

واستعرض الميمان في ورقة عمل حول دور الصناديق السيادية في المرحلة الحالية نبذة تاريخية عن هذه الصناديق ونشأتها، ثم ‏تحدث عن سياسة المملكة الاستثمارية، والدور المتوقع للصناديق السيادية،‏ معرفا هذه الصناديق بأنها تلك الصناديق التي تنشئها وتملكها الحكومات بغرض استثمارالمدخرات والفوائض المالية العامة ‏المحققة في الغالب من مصادر طبيعية وتحديداً النفط أو من فوائض الموازين التجارية.‏

وأشار إلى أن أغراض إنشاء هذه الصناديق تركزت في المحافظة على آليات العوائد من المصادر الطبيعية "النفط مثلاً" وتغطية العجز في ‏الموازنات العامة لتكل الدول عند انخفاض أسعار المصادر الطبيعية لغرض استقرار العوائد ‏والإيرادات الحكومية ‏STABLIZATION FUND، وأيضا لإدخار الثروات للأجيال القادمة ‏FUTUR GENERATION FUND‏، ولعل أقدم صندوق ‏أنشأ لهذا الغرض هو "صندوق الأجيال الكويتي"، وكذلك لضمان توفر سيولة مالية وتنمية الاحتياطات للدولة.‏

وقال الميمان إن أهمية هذه الصناديق وتأثيرها في الاقتصاد العالمي تزايدت مع ارتفاع الأسعار ‏العالمية للنفط والذي يعتبر المصدر الطبيعي الرئيسي لفوائض هذه الصناديق، وقد بلغت قيمة ‏أصور هذه الصناديق التقديرية في نهاية عام 2007 نحو ثلاثة تريليونات دولار، وتوقع لها أن ‏تصل إلى نحو خمسة تريليونات دولار عام 2010، ونحو 12 تريليونا في 2015، طبقاً ‏لتقديرات "مورجان ستانلي" في أيار (مايو) 2007.‏

ونظراً لأن القدرات الاستيعابية لاقتصاديات دول تلك الصناديق أقل من حجم أصول الصناديق ‏فقد ركزت هذه الصناديق معظم استثماراتها خارج دولها، وتمثلت تلك الاستثمارات في معظمها في ‏الاستثمار في الأسواق المالية الدولية (الأسهم والسندات وغيرها من أدوات الاستثمار) أو شراء ‏حصص مباشرة في شركات كبيرة عالمية أو في مشاريع في أسواق الدول النامية.‏ وعندما أدركت الدول الغربية تنامي دور هذه الصناديق وتخوفت من قوتها الاقتصادية، تحركت ‏في إجراءات حمائية ليست مبررة لتضع قيوداً على استثمارات هذه الصناديق بحجة أن هذه ‏الصناديق أصبحت تهدد أمنها القومي (شركة موانئ دبي، ورفض طلبها لإدارة موانئ أمريكية) ‏أو أن تلك الصناديق لا تتوافر بها الشفافية المطلوبة، وشكل صندوق النقد الدولي مجموعة عمل ‏لمراجعة أساليب عمل هذه الصناديق، إلا أن ظهور أزمة الرهن العقاري، ومن ثم أزمة ‏الائتمان العالمي والحاجة إلى الفوائض النقدية لهذه الصناديق، أجل اتخاذ الإجرارات الحمائية ضد ‏هذه الصناديق .‏

السياسات الاستثمارية

وحول السياسة الاستثمارية للمملكة خلال العقود الماضية، أفاد أمين عام صندوق الاستثمارات العامة بأنها تميزت باستثمار الفوائض المالية لديها من خلال ‏آليتين، أولها عن طريق مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما " والتي قامت باستثمار تلك الفوائض المالية وفقاً ‏لسياسة محافظة تراعي الحصول على أفضل العوائد مع التعرض لأقل المخاطر الممكنة.‏ فيما تمثلت الآلية الثانية بتوجيه جزء من الفوائض النقدية للاستثمار داخل المملكة عن طريق صناديق التنمية المختلفة "‏البنك الزراعي، صندوق الاستثمارات العامة، صندوق التنمية الصناعية السعودي، صندوق ‏التنمية العقارية، بنك التسليف والادخار السعودي"، لافتا إلى أن هذه المؤسسات التمويلية تمكنت من صرف ‏قروض خلال السنوات العشر الماضية تجاوزت قيمتها 80 مليار ريال، وحققت إنجازات كبيرة في ‏القطاعات التي ساهمت في تمويلها.‏

إسهامات الصندوق

وبالنسبة لصندوق الاستثمارات العامة، أوجز الميمان مساهماته في قيام دعم الصناعات ‏الاستراتيجية في المملكة، حيث تمكنت شركات النفط (أرامكو السعودية والشركات المتفرعة عنها) من إنشاء مصافي تكرير محلية، ومصافي للتصدير وخطوط أنابيب للنفط ومنتجاته جميعها ‏ساهمت في زيادة القيمة المضافة لهذا القطاع.‏ فيما تمكنت الشركات البتروكيماوية (سابك، التصنيع الوطنية، وغيرها) من إنشاء صناعات ‏لإنتاج البتروكيماويات الأساسية والثانوية نافست الصناعات العالمية وحققت عوائد مالية عالية ‏مكنت هذه الشركات من تقوية مراكزها المالية والتوسع في مجالها. كما ساعدت قروض الصندوق ‏صناعة التعدين على القيام بمشاريع تعدينية استراتيجية ستحقق عوائد إضافية للمملكة وستنمي الدور ‏الذي يلعبه هذا القطاع في الاقتصاد الوطني.

وبحسب الميمان فإن الصدنوق ساهم في تأسيس وإنشاء بنية تحتية كبيرة ‏من خلال تمويله لمشاريع المياه والكهرباء والخطوط الحديدية والنقل البحري وغيره من القطاعات ‏الحيوية للاقتصاد، حيث صرف منذ إنشائه وحتى نهاية عام 2008 قروضا وتسهيلات ائتمانية بلغت قيمتها ‏أكثر من 87 مليار ريال.‏ ولغرض تنشيط وتحفيز قيام المشاريع خلال الفترة الحالية، عمد الصندوق إلى مراجعة سياسته الإقراضية ‏وزاد من حجم تمويله للقروض التي يقدمها للمشاريع من 30 في المائة إلى 40 في المائة من تكلفة المشروع، كما ‏زاد مدة سداد القروض لتصبح 20 سنة بدلاً من 15 سنة شاملة فترة أعفاء مدتها خمس سنوات.‏

في المقابل، لعب الصندوق دوراً مهماً في تأسيس وقيام الشركات المساهمة في المملكة حيث ‏تمكنت هذه الشركات من دعم وتقوية القطاعات التي أسست لأجلها (سواء كانت قطاعات خدمية أو ‏صناعية أو تمويلية أو غيرها)‏، كما ساهم وبشكل فاعل في تخصيص بعض القطاعات الحيوية لعل أهمها قطاع ‏الاتصالات وقطاع التأمين، وسيستمر الصندوق في هذا التوجه، وفقاً للسياسات التي يضعها المجلس ‏الاقتصادي الأعلى.‏

وقد بلغ عدد الشركات التي يسهم بها صندوق الاستثمارات العامة والمدرجة في سوق الأسهم السعودية ‏‏22 شركة مساهمة، أما الشركات غير المدرجة فهي نحو 15 شركة، تجري تهيئتها للإدراج في ‏سوق الأسهم حال اكتمال شروط الإدراج لها.‏ وتابع "وهكذا يلاحظ أن المملكة ركزت على الاستثمارات المحلية داخل المملكة، ولم تكن هناك حاجة آنذاك ‏إلى الاستثمارات الخارجية، نظراً لما يتمتع به اقتصادنا الوطني من طاقة استيعابية جيدة وحجم ملائم ‏من الأسواق التي تحقق العوائد المجزية اجتماعياً واقتصادياً.‏ كما أن التنويع الجغرافي للاستثمارات السعودية في الاقتصادات المختلفة يتم بشكل غير مباشر من ‏خلال ما تقوم به الشركات المملوكة كلياً أو جزئياً للحكومة".‏

دور الصناديق في المرحلة الحالية

وحول الدور المطلوب من هذه الصناديق في المرحلة الحالية، يرى الميمان أن الخبرة التي توافرت خلال السنوات الماضية لهذه الصناديق أصبحت كافية لاتخاذ ‏قرارات عقلانية بعيدة عن العاطفة، وتراعي مصالح دول هذه الصناديق، ملخصا وجهة نظره في الدور الحالي والدور القادم لهذه الصناديق في أن الدور الحالي يؤمل أن تساهم هذه الصناديق بتحفيز النمو الاقتصادي ‏وتوفير التمويل اللازم للمشاريع الاستراتيجية الاستثمارية ولا سيما تلك التي لها علاقة ‏بالبنية الأساسية لدول المنطقة.‏ كما أنه يمكن لهذه الصناديق أن تنشئ صناديق مشتركة بينها لاقتسام التمويل والتقليل من المخاطر.‏ كذلك أثبتت التجارب أن التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة هو الذي يجب أن يعطى ‏الأولوية الأولى وبالتالي فإن توجيه الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة إلى داخل ‏دول مجلس التعاون هو البديل الأفضل، مع التأكيد على ضرورة إزالة القيود والعوائق ‏التي تعترض تدفق الاستثمارات بين دول مجلس التعاون.‏

‏ووفقا للميمان فإن الدول العربية أيضا تتوافر فيها فرص استثمارية كبيرة، وإذا استطاعت هذه الدول ‏أن تزيل العوائق والقيود الاستثمارية، فإنها ستكون مجالاً خصباً لهذه الصناديق ‏للاستثمار في مختلف القطاعات (صناعية، عقارية، وزراعية).‏ كما نجد أن دول شرق آسيا استطاعت خلال السنوات الماضية أن تنافس الدول الغربية في جذب ‏الاستثمارات الأجنبية وأن تقدم تسهيلات كبيرة للمستثمرين، وهناك مجالات متعددة ‏للتعاون مع هذه الدول، ولعل أهمها (ماليزيا والهند وإندونيسيا)‏. كما أوضح أن الاستثمار الأفضل هو الذي يركز على الثروة الحقيقية الوطنية، وذلك عن طريق ‏تنمية وتطوير الكفاءات الوطنية والمؤهلة وتدريب هذه الكوادر ليكون لها الدور ‏الأساسي في تنمية وتطوير اقتصاديات هذه الدول ورفع كفاءتها الإنتاجية، ولن تتحقق ‏التنمية المستدامة مالم يكن هناك اهتمام بالكوادر البشرية وتأهيلها التأهيل العلمي الذي ‏نحتاج إليه وتوجيهها الوجهة العلمية والعملية المطلوبة.‏

الوضوح والإفصاح

من جانبه، أوضح الدكتور محمد التويجري الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية ‏في جامعة الدول العربية أن مشكلة الصناديق السيادية تتمثل في الغموض وعدم الوضوح والشفافية، إضافة إلى عدم وجود ‏تقارير مفصلة حول موجوداتها وتفصايل أخرى، مطالبا في هذا الصدد بضرورة رفع درجة ‏الوضوح والإفصاح فيما يتعلق بهذه الصناديق.

كما أوضح أن نسبة الصناديق السلعية خلال العام الماضي 2008 بلغت نحو ثلثي إجمالي الصناديق في العالم، مشيرا إلى أن عدد الصناديق السيادية على مستوى العالم يبغ حاليا 44 صندوقا يقدر ‏إجمالي حجم ثرواتها بنحو أربعة تريليون دولار، منها 1.8 تريليون دولار ‏تمثل حجم الصناديق المملوكة للدول العربية، أي أن دول الشرق الأوسط تملك ما ‏نسبته 54 في المائة من حجم الثروات في الصناديق السياسة‏. وبين أن حجم صناديق السيادية والتي تمثل دور المستثمر الصامت طويل الأمد لدولها يعتبر أكبر من صناديق التحوط وأقل من صناديق ‏التأمينات والتقاعد في الدول العربية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية