مناهج تعليم اللغة العربية في قفص الاتهام

|
لقد أضحى الاهتمام بالمناهج المدرسية وبمحتواها وصناعتها، وتطويرها، وتأثيرها، وانعكاساتها على الفرد والمجتمع والأمة، سمة بارزة من سمات التحول والتطور في القرن الحادي والعشرين. ومع أن الاهتمام بالمناهج المدرسية لم يكن وليد الساعة، فهو الشغل الشاغل للتربويين والعاملين في ميدان المناهج وطرق التدريس منذ بداية التعليم الرسمي، إلا أنه لم يبرز بمثل هذا الوضوح، أو على تلك المستويات، بمثل ما نشهده هذه الأيام، حتى أصبح حديث الساعة فعلا. وهذا الاهتمام الكبير من السياسيين والاقتصاديين والمثقفين وعلماء النفس والاجتماع، وقبل ذلك التربويون، مرده الشعور بأهمية المناهج المدرسية، وبدورها الكبير في حفظ هوية الأمم، ونقل تراثها، وإرساء قواعد الأمن فيها، وتعزيز جوانب النمو والتطور بين أفرادها، وتثبيت مكانتها بين الأمم. لذا، فلا غرابة أن يكون لمناهج تعليم اللغة العربية نصيب من النقد والاتهام لدورها في ضعف الطلاب والطالبات في فنون ومهارات اللغة العربية، ولقصورها عن تحقيق الأهداف اللغوية والتربوية والوطنية التي وضعت من أجلها. وقد أشرت في مقالي السابق في هذه الصفحة بعنوان: "الضعف في اللغة العربية .. ومزيد من صيحات التحذير"، أن هناك أسبابا تعود بصورة مباشرة إلى مناهج اللغة العربية بالمفهوم الواسع للمنهج المدرسي الذي يشمل الأهداف، ومحتوى الكتب المقررة، وطرق التدريس، وطرق التقويم المتبعة، والأنشطة غير الصفية. فمما يؤخذ على مناهج تعليم اللغة العربية عموماً عجزها عن بث الاعتزاز في نفوس الطلاب بلغتهم العربية والشعور بقوتها ومرونتها وجمالها وحيويتها وقدرتها على استيعاب التطورات العلمية والتقنية الحديثة. كما يؤخذ عليها أنها لا تولي اهتماماً كافياً بتنمية مهارات الطلاب اللغوية وتعويدهم ممارسة اللغة واستخدام مفرداتها وصيغها المكتسبة بشكل فعلي مباشر مما يساعد على تقويم ألسنتهم، وتصحيح أقلامهم، وتنمية قدراتهم ومواهبهم الكتابية والخطابية، وإثارة الحماسة فيهم لتعلم اللغة والبراعة فيها. وباعتبار كتب اللغة العربية أبرز عناصر منهج اللغة العربية، بل إن كثيرين يقصدونها عند الحديث عن مناهج اللغة العربية، فقد نالت عناية كثير من الباحثين والدارسين من جهة تحليلها وتقويمها وإبراز جوانب القوة والضعف فيها. ومن الملحوظات التي يثيرها الباحثون في هذا المجال: افتقار كتب اللغة العربية إلى عنصر التشويق، لعدم ارتباطها بواقع الطالب وحياته العملية وحاجاته ومتطلباته وظروف عصره. وافتقارها كذلك إلى الترابط، بحيث يسير تدريس كل مادة –أحياناً- بشكل مستقل عن المواد الأخرى، وهذا مما يبدد جهد الطالب ويفقده الإحساس بترابط جوانب اللغة وحيوية موضوعاتها. وأن بعض النصوص المختارة في هذه الكتب والمقررات لا تتلاءم مع المستوى العقلي واللغوي لناشئة هذا العصر. هذا إضافة إلى اتصاف كثير من مقررات النحو والصرف بشيء من الجفاف والتعقيد والرتابة وعدم التركيز على الوظيفة الأساسية لعلمي النحو والصرف وهي ضبط الكلمات وصيانة اللسان من الخطأ في النطق، وسلامة الكتابة مما يشينها. ومن منطلق النقد الموجه إلى مناهج تعليم اللغة العربية، فقد علت أصوات العلماء والتربويين مطالبة بعمليات شاملة من الإصلاح والتطوير لتلك المناهج، ليصبح أبناؤنا قادرين على التعامل مع الأسس الجديدة في هذا القرن التي تشتمل على مهارات اتصال وتواصل عالية. وفي هذا الصدد، أكدت ندوة "بناء المناهج .. الأسس والمنطلقات" التي عُقدت في جامعة الملك سعود (1424)، ضرورة الاهتمام باللغة العربية في التعليم، والعمل على أن تكون لغة مباشرة تتسم بالوضوح قراءة وفهما عند تأليف كتب اللغة العربية والمقررات المدرسية الأخرى لتتلاءم ومستوى الطلاب. هذا، إضافة إلى تأكيد المؤتمرين على ضرورة الاستفادة من الأسلوب التكاملي في تأليف الكتب المدرسية الذي لا يقتصر على المعلومة مجردة من معانيها ودلالاتها الفكرية والاجتماعية والعقدية وآثارها الوجدانية، وأن يتم بناء المحتوى بمراعاة القضايا والموضوعات المعاصرة في المجتمع. كما أكدت توصيات الملتقى الأول لحماية اللغة العربية (2001) ضرورة الاهتمام بالخطابة والتعبير والمسرح المدرسي لتدريب التلاميذ على ممارسة اللغة العربية، وإقامة الدورات التنشيطية في اللغة العربية للطلبة في العطل الصيفية. من جهة أخرى، يؤكد الباحثون في مجال اللغة انتهاء النظرة التي تساوي بين تعليم اللغة العربية للمتخصصين في الجامعات وتعليم اللغة العربية لأبناء المدارس في مرحلة ما قبل الجامعة، ففي الجامعة يتعلم المتخصصون (عن) اللغة العربية، وفي المدارس تعلّم اللغة العربية الوظيفية التي يحتاج إليها المتعلمون غير المتخصصين في سد مطالبهم اللغوية في الحياة اليومية. ومهما كانت محاولات تطوير مناهج اللغة العربية جادة فلن يكتب لها النجاح دون أن يكون لمعلم اللغة العربية دور فاعل في هذا التطوير، فهو المربي والموجه والقدوة، وهو الأقدر على إظهار جمال اللغة العربية، وبيان مصادر الإبداع فيها. ونظرا لدور معلم اللغة العربية في معالجة ضعف الطلاب في اللغة العربية فلا بد من إعداده إعداداً جيداً ليقوم بأداء رسالته على الوجه المرتجى، ويؤدي أدواره اللغوية المنوطة به على أكمل وجه، لأن تعثر معلم اللغة العربية في أداء أدواره اللغوية أو قصوره في الوفاء بها سيكون له الأثر السلبي في تحبيب اللغة العربية إلى الطلاب، وتنمية مهاراتهم فيها، وتقويم ألسنتهم وأقلامهم ليصبحوا مؤهلين للقيام بواجباتهم اللغوية في حياتهم العامة، وليحملوا لواء إصلاح اللغة العربية والمحافظة على هويتها.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها