كانت بضعة أشهر صعبة بالنسبة للمؤسسة الدبلوماسية الإسرائيلية. ففي بداية العام، كان الدبلوماسيون يدرأون الاتهامات القائلة بأن إسرائيل أفرطت في استخدام القوة في هجومها على قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس. وفي أعقاب ذلك الصراع، واجهوا سيلاً من المزاعم التي تقول إن أعمالهم ترقى إلى جرائم حرب، وهي مزاعم ينفونها.
وعندما اعتقد الدبلوماسيون أن الأمور لا يمكن أن تكون أسوأ مما هي عليه، جاء أفيجدور ليبرمان ليكون على رأس وزارة الخارجية. وقد أوضح زعيم حزب إسرائيل بيتنا اليميني المتطرف بجلاء أنه ليست لديه نية في التعامل مع الوضع بليونة. وعندما تسلم منصبه هذا الشهر في حفل الاستلام والتسليم الذي أقيم في القدس، وجه نقداً لاذعاً للجهود التي بذلتها الحكومة السابقة من أجل عقد اتفاقية سلام مع الفلسطينيين وإعطائهم دولة مستقلة.
ورغم أن حل الدولتين يهيمن على الجهود الدبلوماسية الهادفة لحل الصراع العربي - الإسرائيلي، تساءل ليبرمان ابن الستين عاماً: "هل يعتقد أي شخص أن التنازلات والقول باستمرار إنني مستعد لتقديم التنازلات، واستخدام كلمة السلام سيؤدي إلى أي شيء؟ لا، إن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الضغط ومزيد من الحروب." وكان لذلك وقع الصدمة على المسؤولين والدبلوماسيين. وقال أحد المسؤولين الحاضرين: "لقد شعرنا جميعاً بأننا نسير في الطريق إلى جهنم. ذلك أن ليبرمان كان يقول في حقيقة الأمر: إنني تماماً الشخص الذي كنتم تعتقدون أنني هو".
لقد بددت ملاحظات الوزير الجديد أية شكوك في أن العالم سيواجه واقعاً سياسياً جديداً في إسرائيل. صحيح أن الحكومة السابقة بزعامة إيهود أولمرت شنت حربين منذ عام 2006- واحدة على لبنان والثانية على غزة. ولكنها كانت تتمتع بالرضا على الصعيد الخارجي لأن سياستها المعلنة تمثلت في إيجاد دولة فلسطينية لأنها تعتبرها بالغة الأهمية لمستقبل إسرائيل في المدى الطويل. وفي المقابل، فإن الحكومة الجديدة تعتبر أن التنازل عن الأراضي ضرب من ضروب الزيغ والضلال.
بالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فهو يرفض الآن الموافقة على حل الدولتين. وهو يفضل عليه "سلاماً اقتصادياً" يحسن مستوى معيشة الفلسطينيين من دون إعطائهم دولة مستقلة.
ولكن إسرائيل وحكومتها تواجهان أيضاً واقعاً جديداً. ففي عهد جورج دبليو. بوش كانت تتمتع بدعم البيت الأبيض الثابت لها. وبينما لا يتوقع أحد أن تنتهج إدارة الرئيس باراك أوباما رأساً خطاً يقوم على التصادم مع إسرائيل، يتوقع العديد من المسؤولين والمحللين أن تتوتر العلاقات بين البلدين.
وبالنسبة لإسرائيل، يأتي الواقع الجديد في واشنطن في وقت أحدثت فيه الحرب على غزة وتداعياتها موجة واسعة النطاق من الإدانة العلنية، الأمر الذي أضر بصورة إسرائيل على الصعيد الدولي وتسبب في تراجع علاقاتها مع البلدان العربية الصديقة كمصر والأردن، ومع تركيا التي تعتبر حليفاً مهماً لها.
إن هذه الحركة الارتجاعية لها تداعيات عملية: فبعد الحملة القانونية العالمية القوية التي تطالب بمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين بتهمة ارتكابهم جرائم الحرب، أصبحت بلدان مثل إسبانيا وبريطانيا، أماكن خطرة بالنسبة لبعض المسؤولين الإسرائيليين الذين شاركوا في الحرب. وحذرت الشركات الإسرائيلية في الشهر الماضي من أن المواقف العدائية تجاه بلدها تضر بالصادرات.
وبينما يتفق معظم المحللين على أن إسرائيل ليست منبوذة على الصعيد الدولي في هذه المرحلة، فإن مسألة كيف ستتعامل الحكومة الجديدة مع هذه الحركة الارتجاعية – وكيف ستؤثر هذه الحركة الارتجاعية في صنع السياسة والدبلوماسية في السنوات المقبلة – هي مسألة حقيقية وملحة. ويتوقع دبلوماسي أوروبي أنه إذا رفض نتنياهو وليبرمان دعم حل الدولتين، فعندها، على الأقل في أوروبا، " لن يكون بمقدورنا أن نتعامل معهما كالمعتاد ".
يقول دانيال ليفي، مدير المهمات الخاصة بالشرق الأوسط في مؤسسة أمريكا الجديدة بواشنطن عن تراجع سمعة إسرائيل: "إن جزءاً من هذا منطق متأصل هيكلياً لاحتلال يزداد عدوانية للحفاظ على نفسه وعلى سمعة المستوطنين التي تتجه إلى التطرف بصورة متزايدة".
ويضيف ليفي: "إن هذين الأمرين يجعلان إسرائيل تتخذ إجراءات أكثر قسوة، وبدوره يصبح المجتمع الإسرائيلي أقل إنسانية وأقل تحرراً، ولكي يبرر نفسه، فإنه يصبح على الدوام أكثر مناعة للانتقاد الدولي".
وبدلاً من أن يعمل هذا النقد على إقناع البلد بإعادة النظر في سياساته، فإنه يحدث العكس. إذ يقول داني أيالون، نائب وزير الخارجية الجديد: "هناك حملة لاعتبارنا خارجين على القانون، ولكننا بلد ديمقراطي ولدينا حلفاء استراتيجيون كبار".
وفي شوارع القدس الغربية هناك ارتداد على هذه الحركة الارتجاعية. إذ يقول الإسرائيليون إنه يجري التركيز عليهم دون غيرهم بصورة غير عادلة، ويدعي البعض منهم أن المشاعر العدائية الأخيرة ليست إلا شكلاً مقنعاً من أشكال معاداة السامية. ويتوقع المحللون في هذه الأثناء أنه رغم أن الجيش سيكون أكثر حذراً وحرصاً في جولة القتال المقبلة سواء أكانت في غزة أو في أي مكان آخر، إلا أن النقد الخارجي لن يردعه عن شن ما يصر على أنه حروب عادلة.
إذ يقول الجنرال المتقاعد شلومو بروم، كبير المحللين في معهد دراسات الأمن الوطني في إسرائيل: "لا أحد يرغب في أن يوصف بالوحشية وانتهاك حقوق الإنسان. ولكن السؤال هو: التداعيات؟ من المؤكد أنه ستكون هناك قيود على قرار بتكرار عملية غزة – ولكنها لن تكون قيوداً قوية."
في هذه المرحلة، سوف تتركز الأضواء أكثر ما تتركز في علاقات إسرائيل مع العالم الخارجي على عملية السلام في الشرق الأوسط. إن نتنياهو يستخدم كلمة السلام، ووعد بمواصلة المحادثات مع السلطة الفلسطينية دون أن يحدد ما الذي ستدور حوله. والسؤال هو ما إذا كانت هذه المحادثات ستتناول قضايا "الوضع النهائي" بما فيها حدود الدولة الفلسطينية ومصير القدس الشرقية العربية التي يريد الفلسطينيون أن تكون عاصمة لهم.
ومن أجل تخفيف الضغط عليه لإبرام اتفاقية مع الفلسطينيين، يرى المحللون أن نتنياهو قد يلجأ إلى التفاوض مع سورية. فلطالما كانت مؤسسة الدفاع والأمن في إسرائيل تفضل إبرام اتفاقية تعيد هضبة الجولان المحتلة إلى دمشق مقابل السلام، لأن ذلك من شأنه أن يضعف النفوذ الإيراني في المنطقة. وتجدر الإشارة إلى أن سورية حليف مقرب من إيران وتعتبر الدولتان الداعمين الرئيسين للمجموعات المسلحة الفلسطينية واللبنانية المناهضة لإسرائيل.
ولكن أي تحرك باتجاه سورية سوف يواجه بمعارضة قوية، ليس أقلها من حلفاء ائتلاف نتنياهو، بمن فيهم ليبرمان الذين تعهد عندما تولى منصبه بعدم الانسحاب من الجولان . يقول الجنرال بروم: "أعتقد أن ما يرغب نتنياهو في عمله هو التركيز على الاقتصاد والأمن من دون القيام بأي شيء فيما يتعلق بالفلسطينيين أو سورية".
وإذا ثبت أن هذا هو نهج الحكومة فيما يتعلق بالدبلوماسية الإقليمية، فقد يجد نتنياهو وليبرمان أنهما سيدفعان الثمن في مكان آخر: في الضفة الغربية المحتلة التي ما زالت تتوسع فيها المستوطنات اليهودية في تحد للنقد الخارجي. لقد نجحت الحكومة الإسرائيلية السابقة في تجنب الضغوط الداعية إلى اتخاذ إجراءات متشددة بشأن المستوطنات – أو على الأقل وقف توسعها – عبر الإشارة إلى الجهود التي تبذلها مع السلطة الفلسطينية. وقال أولمرت مراراً وتكراراً بأنه لا فائدة من إنفاق رأسمال سياسي على مواجهة ضغوط المستوطنين القوية في وقت كان يعمل فيه على إبرام اتفاقية سلام شاملة.
لن يكون لدى نتنياهو هذا العذر. فكما يقول دبلوماسي غربي: "أعتقد أن هذه الحكومة لن تقوم بالأشياء التي لم تقم بها الحكومة السابقة".
وإذا كان نتنياهو يتعرض لقوى سياسية متعارضة في الداخل وفي الخارج، فإنه أسير تحالف يميني متشدد يعارض التنازل عن الأراضي واجتثاث المستوطنين. وإذا نحينا هواجسه جانباً، فإنه قد يجازف بنسف حكومته إذا ما أراد أن يبذل جهداً جاداً في سبيل التوصل إلى سلام. وفي الوقت نفسه، يجب عليه أن يتجنب تصدع علاقته مع الولايات المتحدة – من أجل هدفه الواسع المتمثل في احتواء إيران ولغرض بقائه السياسي.
يقول يوسي ألفر، المحلل الأمني والمستشار السابق لوزير الدفاع إيهود باراك: "إذا لم يحاول جاداً إحياء المسار الدبلوماسي مع سورية ولم يوقف حصار الضفة الغربية، فسيقع في مشكلة خطيرة. إن الجمهور الإسرائيلي يرغب أن يكون رئيس وزرائه شخصاً مرغوباً فيه في واشنطن".
إن الكثير يعتمد على إدارة أوباما. فبعبارات سياسية واستراتيجية، ربما كانت الولايات المتحدة هي الجهة الوحيدة القادرة على إجبار إسرائيل على مراجعة سياستها. ولكن هل أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون على استعداد لمواجهة أهم حليف لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط؟
لقد أعطى أوباما إشارة على تبدل في التأكيد على العلاقة مع إسرائيل عبر تعيين جورج ميتشيل مبعوثاً له في الشرق الأوسط. يعتبر ميتشيل وسيطاً متمرساً في حل المشكلات وأصدقاؤه قليلون في اليمين الإسرائيلي الذي يتذكر اللغة القاسية التي استخدمها في معرض حديثه عن المستوطنات في تقريره لعام 2001.
من المقرر أن يصل ميتشيل إلى إسرائيل هذا الأسبوع ليعقد أول اجتماعاته مع الحكومة الجديدة، تلك الاجتماعات التي يرقبها الفلسطينيون والعرب عن كثب. لقد سبق لأوباما أن عبر عن رغبته فيما ينبغي أن تسفر عنه هذه المحادثات. فقد قال في الخطاب الذي ألقاه في تركيا هذا الشهر: "دعوني أكون واضحاً. إن الولايات المتحدة تدعم بقوة هدف الدولتين : إسرائيل وفلسطين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمان. هذا هو الهدف الذي سوف أسعى لتحقيقه كرئيس".
وباعتباره سياسياً متمرساً وداهية، فإن نتنياهو خبير في التأثير في الدوائر السياسية في واشنطن، وبالتالي قد يجد طريقة للحد من الضغط الأمريكي.وزيادة على ذلك، فإن إسرائيل تستطيع التعويل على دعم الكونجرس لها.
يقول إفرايم هاليفي، الرئيس الأسبق لجهاز الموساد (الاستخبارات) الإسرائيلي والذي عمل عن قرب مع نتنياهو في تسعينيات القرن الماضي: "سيكون من الضروري أن يتوصل رئيس الوزراء والإدارة الأمريكية إلى تفاهم حول الخطوات التي ينبغي اتخاذها وحول استمرار المفاوضات- علماً بأن ماهية المفاوضات غير واضحة ولكن الناحية الاقتصادية سوف تعطى أولوية قوية".
يمكن أن تعطي رحلة ميتشيل الإشارات الأولى حول الاتجاه الذي ترغب واشنطن في السير فيه. يقول أحد الدبلوماسيين الغربيين: "إن الولايات المتحدة لم ترم بثقلها بعد".

