عندما وضعت الكويت الخطط الرامية لتحويل اقتصادها، استعانت بخدمات بعض الجهات البارزة – من البنك الدولي وماكينزي الاستشارية العالمية، إلى توني بلير رئيس، الوزراء البريطاني السابق، الذي تم تعيينه مستشاراً للحكومة.
ومثلها مثل الدول الخليجية الغنية بالنفط، توجد لدى الكويت أحلام كبيرة تتطلع عبرها لإنفاق عشرات مليارات الدولارات النفطية كي تحول نفسها إلى مركز إقليمي للتجارة والتمويل. ومنذ أكثر من عام، تعمل إحدى الهيئات الحكومية على خطة مدتها 25 عاماً لتنفيذ ما يزيد على ألف مشروع مصممة لبناء اقتصاد منوع قادر على الاعتماد على نفسه عندما تجف الموارد النفطية.
لكن بينما مضى جيرانها قدماً بمنظومة من البرامج الضخمة، فإن الحديث عن "رؤى استراتيجية" وعن مشاريع عملاقة في الكويت يقابل بالتعجب وهز الأكتاف، في إشارة إلى عدم الاكتراث. وتبرهن ردود الأفعال هذه على أن الكويتيين يعتقدون اعتقاداً راسخاً أن هذه الخطط لن تترجم إلى واقع.
إن البلاد لديها القدرة المالية على تنفيذ هذه الخطط – فهي تملك نحو 8 في المائة من الاحتياطيات النفطية العالمية الثابتة ووتحدث عن صندوق للثروة السيادية برأسمال 200 مليار دولار لعدد سكان لا يتجاوز ثلاثة ملايين نسمة. بيد أن المواجهة السياسية القائمة منذ زمن طويل بين الحكومة ومجلس الأمة ولدت اعتقاداً على نطاق واسع بأن البلاد غير قادرة على توحيد صفوفها والتحرك إلى الأمام.
وسجلت الأزمة السياسية تطوراً آخر في الشهر الماضي عندما أقدم أمير البلاد على حل مجلس الأمة للمرة الثانية خلال عام، بسبب خلاف بين النواب ومجلس الوزراء، وبخاصة مع رئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد الصباح.
يتسم النظام في الكويت بطبيعته التي تقوم على الخصومات، لكن إعادة تعيين الشيخ ناصر بعد الاستقالات الحكومية السابقة أجج الأزمة.
وأدى صراع القوى في الآونة الأخيرة إلى إلغاء مشروع مشترك قيمته 17.4 مليار دولار مع شركة داو كيميكال، وأخر تنفيذ رزمة لدعم القطاع المالي في البلاد بمبلغ خمسة مليارات دولار. وأجازت الحكومة هذه الرزمة في غياب مجلس الأمة، لكن من المتوقع أن يكون أثرها محدوداً في إزالة الحالة المزاجية الكئيبة.
وازدادت شدة الأزمة المحلية في وقت تبين فيه أن الكويت من أكثر الدول الخليجية تأثراً بالأزمة الاقتصادية العالمية. فقد منيت الشركات الاستثمارية الكويتية بخسائر ضخمة، واضطرت الحكومة إلى إنقاذ أحد البنوك وضخ الأموال في سوق الأسهم التي شهدت تراجعاً حاداً في العام الماضي.
وأصدر مجلس الوزراء الكويتي الأسبوع الماضي مرسوماً يقضي بإجراء الانتخابات في أيار (مايو)، وبعدها سيقوم مجلس الأمة باعتماد الرزمة. لكن قليلين يراهنون على أن الانتخابات ستحل أزمة أدت إلى استقالة الحكومة خمس مرات في الأعوام الثلاثة الماضية.
ومن الأمور المعرضة للخطر قدرة البلاد على تنويع اقتصادها الذي يعتمد على النفط، والذي تسيطر عليه الحكومة، وعلى استقطاب الاستثمار الخاص والأجنبي لجلب المهارات وخلق الوظائف، مع الإشارة إلى أن 93 في المائة من القوة العاملة تعمل لدى الدولة، الأمر الذي يعتبر غير قابل للدوام.
وتم الانتهاء أخيرا من إعداد خطة استراتيجية طموحة تمتد حتى عام 2035، لكن لن تتم المباشرة بها إلا بعد حصولها على موافقة الحكومة ومجلس الأمة، وهذه عملية وأدت العديد من المشاريع في الماضي.
ويحذر الكويتيون من أنه من دون التنمية، فإن البلاد تغامر بأن تظل متخلفة عن البلدان الأخرى، رغم أنا واحدة من أغنى دول المنطقة.
ومما يقلق أنصار الديمقراطية أن حالة الفوضى تلطخ صورة البلاد. ويقول محلل يوجد مقره في الكويت: "إذا واجه شيء جيد كهذا القانون (الخاص بالرزمة) معارضة، فإنه سيجعلك تحك رأسك وتتساءل: هل يعرف الناس ما الذي يتعلق به هذا القانون، أم أنهم يعارضون لمجرد المعارضة؟ هذه هي مشكلتنا الحقيقية، إنها ليست قانون الاستقرار المالي، بل القدرة على التحرك بأي برنامج".
ويُنحى باللائمة حول عدم الاستقرار على عدم الكفاءة، وعلى أعضاء مجلس الأمة الذين كثيراً ما يتهمون بالتركيز على القضايا الصغيرة على حساب التقدم. وهناك خشية من أنه ما لم يوجد حل للفوضى في البلاد، فإن الجيل الحالي سيتسبب في كثير من المشاكل في المستقبل.
ويقول مسؤول حكومي له علاقة بالخطة التي تمتد إلى عام 2035: "كل شخص يلقي باللائمة على الطرف الآخر بسبب عدم السير في طريق التنمية، لكن في نهاية المطاف، سيشعر كل كويتي بالعواقب المترتبة على ذلك. وإذا فقدنا الأمل وواصلنا الأسلوب القديم الذي يتمثل في الاعتماد على النفط (...) سنجعل أبناءنا وأحفادنا يواجهون المشاكل التي نصنعها لهم. ينبغي أن تكون لدينا استراتيجية محسوبة، وإلا فسنعرض مستقبل الكويت للخطر".
