تقدمت المشاريع الاجتماعية في الهند بصورة كبيرة على مدار العقد الماضي. وإن مزيدا ومزيدا من الناس يستخدمون مهارات تنظيم المشاريع في تأسيس شركات مستدامة مقابل الربح، أو دونه، للتأثير في التغيّر في الهند، كما يقول ديفال سانجافي، وهو مصرفي استثماري سابق، والآن رئيس لداسرا. وتقع داسرا في مومباي، وهي منظمة غير ربحية تسد الفجوة بين أولئك الذين يستثمرون في التغيّر الاجتماعي، وأولئك الذين يقودون التغييرات.
"إن المشاريع الاجتماعية في الهند تبرز في المقام الأول بسبب ما عجزت الحكومة عن القيام به. وتتوق الحكومة إلى تطوير المشاريع الاجتماعية، ليس بالضرورة بتمويلها، أو بالوصاية عليها، أو تمكينها. ما تقوم به هو القيام بها، وليس إضعافها"، كما قال سانجهافي، الذي يدخل بالدقة والانضباط لمصرفي استثماري إلى القطاع الاجتماعي، لانسياد نولدج على هامش مؤتمر المشاريع الاجتماعية الدولية الذي عُقد هنا في الآونة الأخيرة.
على سبيل المثال، في مومباي وحدها، تعلّم المنظمات غير الربحية ما يزيد على 250 ألف طفل بشكل يومي. ولم تطلب الحكومة من تلك المنظمات عدم القيام بذلك، كما يقول. بينما في بعض البلاد، حين يتوّلى أحدهم أمر البدء بمرافق للتعليم، أو الرعاية الصحية، أو تمكين الناس من ذلك، فإنه غالباً ما تضع الحكومة العقبات لمنع ذلك من الحدوث. "في الهند، هنالك الدافع، والالتزام بتولي أمر التغيير بنفسك، ولا توجد عقبات متأصلة للبدء بذلك في الهند".
هدنة غير سهلة:
هنالك تحول آخر حدث على مدار الأعوام العشرة الماضية، وهو أن الحكومة الهندية والمنظمات غير الربحية أدركت جميعها أنه لا ينبغي عليها مجرد التعايش مع بعضها البعض، ولكن كذلك العمل معاً للتأثير في التغيّر، كما يقول سانجهافي.
وما يزال هنالك طريق طويل أمام الهند للمضي فيه مقارنة بالغرب، حيث تمول الحكومات المنظمات غير الربحية بتوكيل خدمات القطاع الاجتماعي إلى جهات خارجية. "لن يحدث ذلك في الهند"، كما يقول. "سيكون من الطموح المفرط بالنسبة لنا أن نعتقد بأنها ستعمل على تمويل كل تلك المبادرات، ولكن الحقيقة هي أنها تسمح لتلك المنظمات بالعمل ضمن هيكلة الحكومة، وإن كان ذلك بشيء من الصراع، كونها تعمل بيد مقيدة خلف ظهورها، حيث يُعد ذلك تقدماً".
وفي الوقت نفسه، هنالك القليل من المنظمات التي قررت لعب ذلك الدور، إذ أدركت أنه حتى بوجود أيديها مقيّدة خلف ظهورها، يمكنها أن تؤّثر بتغيير كبير لأن لديها مدخل يوصلها إلى مئات الملايين من الناس الذين لن يكون بإمكانهم تحقيقه بمفردهم".
"لذا، فهو تحوّل في عقلية المنظمات غير الحكومية، حيث لن نتمكن إطلاقاً من العمل على ما نريد حقاً بنسبة 100 في المائة، ولكن مع العمل مع الحكومات، إذا حصلنا على نسبة 70 في المائة من الفعالية، فإنه أفضل من 20 في المائة من الفعاليات التي تعمل مع الحكومة في الوقت الراهن"، كما يجادل.
ظاهرة جديدة:
رغم أن المشاريع الاجتماعية تُمارس في الهند منذ فترة الآن، ولكنها تُعتبر ظاهرة جديدة نسبياً في البلاد، كما يقول ديفاشري موخيرجي، مدير برنامج المشاريع في أشوكا، الواقعة في مومباي أيضاً.
إن أصحاب المشاريع الاجتماعية في البلاد، على أية حال، حققوا نجاحاً جوهرياً في التعامل مع المشاكل الاجتماعية. وسبب نجاحهم، ونجاح النشاطات العملية الاجتماعية، وفقاً لما جاء موخرجي، هي أن تلك الحلول واقعية. "إنها تعالج فجوات قائمة في المجتمع هي في الحقيقة بحاجة إلى حلول عملية. والأهم من ذلك هو أن مبادرات الحلول يدفعها أشخاص يغلب عليهم الطابع الحالم، والعنيد، والطموح، وهم مستعدون للنضال من أجل التأكيد على أن تصبح أحلامهم حقيقة".
التأثير في المجتمع، ولكن ما يزال هنالك الكثير للقيام به:
إن الشركات الاجتماعية بالفعل تحقق تأثيراً في المجتمع الهندي، كما يقول سانجهافي، ولكن بوجود كثافة سكانية يبلغ عددها 1,1 مليار نسمة، فإن من الصعب للغاية رؤية الأثر في المستوى الكلي. "على أية حال، ففي المنظمات التي عملنا معها بصورة مباشرة، شهدنا نمواً راوح تضاعفه بين 15 و100 مرة من حيث الاستفادة في غضون فترة تراوحت بين 5 و7 أعوام. ومن الواضح أن النمو أمر ممكن. إنها تصل إلى عشرات الآلاف من الناس، وهي تدرك أنها بحاجة للوصول إلى مئات الآلاف، إن لم يكونوا مئات الملايين. ولكن ذلك يستغرق وقتاً. وإنها العقلية التي هي الآن بحاجة أكثر من أي وقتٍ مضى إلى عامل توازن، والمنظمات هي القادرة على القيام بذلك".
ويتفق موخرجي على أن التأثير كبير لدرجة أن يكون ذا مغزى. "لا يوجد في بلادنا أشخاص أو جغرافيا متجانسة، ولذا يبقى التأثير إقليمياً إلى حدٍ كبير".
العناصر الضرورية لازدهار المشاريع الاجتماعية في الهند:
أولاً لابد أن يكون هنالك وعي بالمشاكل الاجتماعية، والاهتمام بها، وكذلك بالقضايا التي لابد من معالجتها، ومنظمي المشاريع الملتزمين بها والمهتمين بمعالجتها، كما يقول هانز وال، الرئيس التنفيذي لمبادرة المشاريع الاجتماعية لانسياد. ومن المهم أيضاً وجود إطار عمل سياسي، وتشريعي، يمكن من خلاله للناشطين الاجتماعيين أن يحصلوا على المكانة، دون المساومة على أهدافهم.
"من الجيد أن نحظى بـشبكة تعاونية لاستخدمها بين المنظمين الاجتماعيين، بحيث تمكنهم من مشاركة الأفكار، ونشر الابتكارات، وتكون مربوطة بصورة مثالية بمؤسسة أكاديمية مهتمة وملتزمة بتطوير الوعي، وتوليد المعرفة والأفكار النيرة حول أفضل تشغيل للشركات الاجتماعية"، كما أضاف.
وفي الواقع العملي، يقول موخرجي، إن المساعدة المالية، والشرعية الاجتماعية، والتقدير، هي أهم العوامل الضرورية لتعزيز نمو المشاريع الاجتماعية في الهند. "إن العملية بدأت، ولكن هنالك الكثير من الأمور بحاجة إلى أن يتم تطويرها، خاصة من قبل مؤسسات اجتماعية، وتعليمية، وحكومية".
المجال المتاح في غضون 5 إلى 10 أعوام من الزمن:
وفقاً لما جاء عن وال، وفي الظروف الاقتصادية الحالية، فمن المرجح أن ترتفع الحاجات الاجتماعية. وتبعاً لذلك، ستزداد أعداد الناس الملتزمين بمعالجتها. وهو يرى تزايد في الابتكارات، خاصة في مجال فحص وتطبيق التكنولوجيا على الحاجات الاجتماعية.
وبالنسبة لموخرجي، فإن العمل في مجال حقوق الإنسان سيستمر طالما أنه من غير المرجح أن تتلاشى الانتهاكات. وستكتسب إدارة الموارد الطبيعية، ومبادرات الطاقة البديلة هيمنة، وكذلك سبل العيش، والهجرة. "إن المشاريع الاجتماعية، والنشاطات العملية الاجتماعية ستصبح توجهاً سائداً بصورة جذرية، وبالتالي سيكون هنالك ذلك العدد الكبير ممن يتبعون هذا النهج أو غيره، الأمر الذي نأمل أن يؤثر في المجتمع إيجابياً".
عُقد مؤتمر المشاريع الاجتماعية الدولية في الفترة ما بين الرابع إلى الخامس كانون الأول (ديسمبر)، في شيناي، الهند.

