هذه صناعة تحقق نحو نصف مبيعاتها في الولايات المتحدة، وتنظر بقلق إلى خطط أوباما الخاصة بالرعاية الصحية التي تأتي في وقت تواجه فيه هذه الصناعة عدداً كبيراً آخر من الضغوط
ربما يكون ديفيد برنان قد طار إلى ولاية تكساس التي ينتمي إليها الرئيس جورج بوش في نهاية الأسبوع الماضي لإلقاء خطابه الاستهلالي كرئيس لتجمع صناعة الأدوية في الولايات المتحدة، إلا أنه يلاحظ بقلق، أن بداية عطائه خلال سنة ستكون في شيكاغو، موطن الرئيس باراك أوباما.
إن الإشارة إلى النظام السياسي الجديد ستكون مناسبة، وسيكون على برنان في الفترة بين حدثين أن يجاري الكثير من الأمور في عمله اليومي في إدارة شركة أسترازانيكا ، هذه الشركة الكبرى المصنعة للأدوية ، بينما يستعد هو وأقرانه لتلقي أثر إصلاحات الرعاية الصحية المقرر أن تتم بينما يكون أوباما في البيت الأبيض.
يقول برنان " لم تعد مسألة "إذا"، وإنما هي مسألة "كيف" سيتم ذلك، حيث يعكس بذلك مشاعر غيره من رؤساء شركات صناعة الأدوية الذين يراقبون جميعاً، ويتتبعون التغييرات المخططة لأكبر سوق في العالم التي مازالت تستوعب نحو نصف مبيعات الدواء في العالم.
#2#
إنهم يواجهون في ظل إدارة الرئيس أوباما إصلاحات ذات مدى واسع للتنظيمات ، والتسعير، واستخدام الأدوية. ويأتي هذا الإصلاح الكبير في وقت تعيش فيه هذه الصناعة هزة أوسع نطاقاً، إذ إن منتجاتها تواجه ضغوطاً تنافسية أقوى في خضم شكوك حول قدرتها على تطوير أدوية بديلة مبتكرة. ونادراً ما مرت هذه الصناعة بتوترات كبيرة مثل هذه، أو بهذا التنوع الكبير من الاستجابات الاستراتيجية.
كانت الاستجابة المعلنة لهذه الصناعة على الإصلاحات المنوي إجراؤها إيجابية بصورة حذرة. وفي اليوم التالي لانتخاب أوباما في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) ، فإن منظمة PhRMA التي يترأسها برنان في الوقت الراهن، أطلقت حملة إعلانية استباقية تؤكد جهودها القائمة على جعل تكاليف الرعاية الصحية أمراً تتحمله جيوب الناس، وكذلك توفير الأدوية لغير المؤمنين صحياً . ويقول: "لدينا إمكانيات توفير نظام رعاية صحية أفضل". ويضيف أن على هذه الصناعة أن "تظهر القيمة الحقيقية من خلال أدوية متمايزة".
أثبتت الأسواق لغاية الآن، حماساً أقل. فبعد عدة أشهر تفوقت فيها هذه الصناعة على معظم القطاعات الأخرى بسبب القوة النسبية المضادة للانكماش في مبيعاتها، تحول المزاج، بينما أوضح أوباما أنه سيتابع تنفيذ تعهدات حملته الانتخابية فيما يتعلق بإصلاح الرعاية الصحية. ورأى البعض في ذلك ظلال تكرار لما يسمى "بهيلاري كير"، نسبة إلى الجهود الفاشلة من جانب هيلاري كلينتون لإصلاح النظام الصحي في منتصف التسعينيات.
أما في هذه المرة، فإن الواقع أشد ظلالاً، حيث إن بيت الاستثمار، "برنشتاين ريسيتش"، وصف الأثر قصير الأجل لهذا الإصلاح، خلال الفترة الأخيرة، بأنه من الصغر بحيث يقترب من "أثر خطأ تقريبي في العائد على السهم". وأما محللو بنك مورجان ستانلي، فيرون الأثر الملموس لذلك بعد عام 2011، وركزوا بدلاً من ذلك على الضغوط الأوسع نطاقاً التي تؤثر في هذه الصناعة.
إن عدداً من إجراءات الرئيس سيكون إيجابياً إلى حد كبير بالنسبة إلى المنتجين ، وكذلك إلى المرضى. وإذا مضت خطته قدماً لتوسيع الرعاية الصحية لتشمل الـ 47 مليون أمريكي غير الخاضعين للتأمين، فإنها ستؤدي إلى مزيد من الاستشارات الطبية، وبالتالي إلى مزيد من الوصفات الطبية لهذه الصناعة. واتخذ أوباما، بالفعل، بعض الخطوات الأولية لتوسيع الحماية الصحية، وذلك بتنبي توسيع برنامج التأمين الصحي للأطفال الذي ترعاه الدولة، مضيفاً بذلك أربعة ملايين طفل إلى سبعة ملايين طفل مشمولين به، ومنتمين إلى أسر ذات دخول متواضعة، حيث يحصلون على الرعاية الصحية.
وبصورة منفصلة، وكجزء من صفقته التحفيزية المالية الحديثة، فإن الرئيس خصص عشرة مليارات دولار (6.8 مليار جنيه استرليني، أو 7.5 مليار يورو) ، سنوياً، وذلك كتمويل إضافي للمؤسسات الأمريكية القومية الصحية، وذلك لإطلاق المزيد من الجهد الأكاديمي الذي سيساعد على تحريك جهود التعاون والأفكار من أجل المزيد من تطوير الصناعات الدوائية في المستقبل.
وإذا جمعنا ذلك مع مطالبة أوباما بإلغاء سريع للحظر الذي فرضه الرئيس بوش على التمويل الاتحادي لتطوير مشاريع الخلايا الجذعية، وتأكيده الخاص على إيجاد علاج للسرطان، فإن البيئة السائدة في أبحاث الطب الحيوي في الولايات المتحدة قد حصلت على قوة تعزيز معتبرة. وبالقدر ذاته من الأهمية، على نطاق البحث التطبيقي ، فإن خطة حوافز أوباما تخصص 17 مليار دولار لتحويل سجلات المرضى إلى صيغة إلكترونية، الأمر الذي يسمح بمزيد من التحليل التفصيلي للأحوال الطبية، وكذلك للدخول. كما أن من شأن زيادة قدرها 1.5 مليار دولار فيما يتعلق بأبحاث "الفعالية المقارنة" المساعدة على تحديد أفضل للأدوية المستخدمة بالفعل.
غير أن التغطية الطبية المتزايدة من خلال برامج مثل ميديكير لكبار السن، وميديكيد للفقراء، ستعمل على المزيد من توسيع دور القطاع العام الذي تشكل مشترياته معظم مشتريات الأدوية في الولايات المتحدة.
وستكون النتيجة هي تعزيز قوة المساومة الحكومية. وتعمل مقترحات أوباما على زيادة الحسم المقرر الذي يحصل بموجبه مرضى برنامج ميديكيد على ما يتراوح بين 15.1- 22.1 في المائة من أسعار الأدوية من جانب شركات تصنيع الدواء. وهنالك على قائمة المتابعة الجديدة الاتفاقية التي تم التوصل إليها ضمن برنامج إصلاح طبي من جانب الجمهوريين كانت تقضي بألا تصبح واشنطن مشاركة مباشرة في مفاوضات أسعار الدواء.
ستتكثف ضغوط الأسعار كذلك بوسائل أخرى. وقد عملت الإجراءات موضوع النقاش لدى إدارة الأغذية والدواء على إثارة شبح استيراد أدوية إلى الولايات المتحدة تباع في الخارج بأسعار أقل للغاية، بما في ذلك لدى كندا المجاورة. ويبدو أن بعض أغلى الأدوية في السوق الأمريكية، أي الأدوية البيولوجية، مثل الأجسام المضادة للسرطان، ستواجه منافسة سعرية بعد فترة طويلة، حيث إن صعوبات إيجاد بدائل شبيهة لها بصورة آمنة ضمنت لصانعيها احتكاراً فعلياً لها، حتى بعد انتهاء فترة حماية الحقوق الإنتاجية.
واتباعا منه للإجراءات الرائدة التي اتخذتها الجهات التنظيمية الأوروبية قبل عامين، التي تجادل بأن العقبات العلمية يمكن تخطيها، تعهد أوباما بدعم تشريع "شبيه الدواء الحيوي". ومن شأن ذلك توفير إطار لدى جهات التنظيم، للمرة الأولى، للموافقة على الأدوية المعادلة ذات التكلفة الأدنى التي تنتجها الجهات المنافسة. وستواجه شركات مثل "أمجن" التي تعتمد بشدة على الأدوية البيولوجية، ضغوطاً سعرية غير مسبوقة.
من المحتمل كذلك أن تسحب بحوث الفعالية المقارنة، الولايات المتحدة صوب اتجاه دولي نحو "تقييم التقنية الصحية"، كتلك التي يمارسها معهد المملكة المتحدة للصحة والتميز العيادي، الذي يقدم المشورة القائمة على الكفاءة والتكلفة حول ما إذا كان على الخدمات الصحية الوطنية الموافقة على دواء معين. وسيضيف ذلك ضغوطاً على الأدوية التي تفشل في إظهار ميزة معالجة واضحة على الأدوية البديلة. والأمر الأكثر من ذلك هو أنه أيا كان الشكل الذي تتخذه المشتريات الحكومية، فإن شركات التأمين الصحي الخاصة في الولايات المتحدة تفرض كذلك شروطاً أقسى، حيث تبعد الأدوية التي تعتبرها أقل فعالية من كتب وصفاتها الطبية، أو مطالبة المرضى بالمساهمة المباشرة في تكاليفهم .
جادلت شركات صناعة الأدوية منذ فترة طويلة بأن الأسعار المتراجعة تهدد قدرتها على الاستثمار وتطوير أدوية جديدة. ويمضي هذا الادعاء إلى أن الأسعار الأعلى في الولايات المتحدة، تعكس عدم رغبة دول أخرى في تحمل نصيبها من تكاليف البحث والتطوير.
غير أن ذلك التوجه يتعرض للأسئلة. وتقول دراسة حديثة لشركة الاستشارات الإدارية، "ماكنزي" ، إن الأدوية في الولايات المتحدة تزيد أسعارها ب 50 في المائة عن معدلاتها في الدول المتقدمة الأخرى. وتجادل بأن الأسعار تضم زيادة رئيسة حتى بعد تعديلها وفقاً للثروة الأمريكية المقارنة الأعلى، وتكاليف التسويق الأعلى، وحتى بافتراض أن على الولايات المتحدة أن تستوعب كل تكاليف البحث والتطوير في صناعة الأدوية العالمية.
تستجيب الشركات للضغوط بطرق مختلفة. وتعمل جميعاً على تقليص التكاليف، ونقل مهام الإنتاج إلى جهات خارجية، وتقليل أعداد الموظفين. ويمكن أن يتم إلغاء ما يصل إلى 50000 وظيفة في هذا القطاع خلال السنوات الثلاثة المقبلة، كما يقول برنان. وكما حدث في منتصف التسعينيات، فإن اتجاهات الإصلاح السياسي أثبتت أنها عامل تحفيز للاندماجات. ويقول فرد حسان، رئيس شركة شيرنغ بلوف التي وافقت أخيراً على عرض شراء بقيمة 48 مليار دولار من جانب شركة ميريك "كنا منسجمين مع خطتنا الاستراتيجية، وكنا نعمل جيداً في ظل نمو جيد، ولكن التغييرات في البيئة الكلية غيرّت كل شيء، حيث هنالك عقبات تزداد ارتفاعاً للحصول على الموافقة على أدوية جديدة، إضافة إلى وجود المزيد والمزيد من التجارب الاختبارية للأدوية. ولابد من أن يكون لديك المزيد من قوة البقاء، حيث إن الحجم يساعد بهذا الخصوص".
أكد أندرو ويتي، الرئيس التنفيذي لشركة جلاكسوسميثكلاين، على أهمية التنوع من حيث المنتجات، والجغرافيا، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من أساليب التسعير المتطورة للتمكن من عكس البيئة الجديدة. وقد أطلقت هذه الشركة دواء بروماكتا الذي يعزز الصفائح الدموية بتكلفة شهرية تبلغ ثلاثة آلاف دولار في الولايات المتحدة، بينما تجادل بأنه يمثل تحسيناً علاجياً يتفوق على المنتجات المنافسة الموجودة فعلياً في الأسواق. وهو يقول "لقد طفح الكيل، وعليك الموازنة بين القدرة على تحمل التكاليف، ووجهة النظر الشاملة".
إنه يمثل جيلاً جديداً من قادة شركات تصنيع الأدوية الذين لدى الكثير منهم خبرات عملية خارج الولايات المتحدة، والذين يدركون أهمية النماذج الجديدة، والمزيد من التنوع، كسر لبقائهم. وبدلاً من الصفقات على نطاق واسع، فإنه أشرف على عمليات استحواذ خاصة لشراء علامات تجارية أخرى تتراوح بين أدوية محمية إنتاجياً، ومنتجات استهلاكية صحية، في أماكن من العالم يعتقد أن بإمكانه جعلها تعمل بصورة أفضل فيها.
أما شركة نوفارتيس، فقد اختارت التنويع لتقليص عدم اليقين في تطوير الأدوية المحمية إنتاجياً، حيث تصنيف قسم "ألكون"، الخاص بطب العيون، إلى محفظتها المنوعة، بعد أن أصبحت قبل أربع سنوات ثاني أكبر شركة دواء في العالم لإنتاج الأدوية العامة بعد شرائها لشركة هيسكال الألمانية. ويبدو أن شركة سانوفي أفينتيس ستتبع هذا النهج.
تفضل شركات أخرى استمرار الالتزام بالأدوية المحمية إنتاجياً، وإن كان ذلك مع تأكيد متزايد على توسيع أسواقها خارج الولايات المتحدة، والتنويع من الأدوية القائمة على العناصر الكيماوية باتجاه الأدوية الحيوية، والمطاعيم. ويقول برنان: "إن أولويتنا الرئيسة هي تعزيز ما لدينا من إضافات إلى عدد الأدوية". ويضيف أنه يفضل صفقات الترخيص، إضافة إلى استحواذات على نطاق ضيق، ويقول: "إننا أشد توجهاً نحو التعاون، والاندماج". وتشاركه في نهجه هذا شركة إيلي ليلي، غير أن الشركات الأخرى متوسطة الحجم، بما فيها "بريستول مايرز سكويب"، و"بيوجن إيديك"، وحتى "أمجن"، لا تزال قابلة للانجذاب نحو الاندماج .
في وسط كل ذلك شركات مثل "فايزر"، أكبر شركة لتصنيع الدواء في العالم، التي عكست خلال الفترة الأخيرة استراتيجيتها التي تركز على الأدوية المبتكرة باستيلائها الشرائي بقيمة 68 مليار دولار على شركة وايث. وبذلك كسبت لنفسها وقتاً إضافياً من تواريخ انتهاء حقوق الإنتاج لبعض أعلى أدويتها مبيعاً، وكذلك احتمال تحقيق توفير سريع ناجم عن تخفيض التكاليف. ويقول جيفري كندلر، الرئيس التنفيذي لشركة فايزر: "هنالك فرصة هائلة ماثلة في الوقت الراهن. ومن المؤكد أن إصلاح الرعاية الصحية في الولايات المتحدة سيكلفنا أموالاً في البداية، ولكننا بحاجة إلى الثقة لتكوين وجهة نظر طويلة الأجل".
إن المشكلة هي أن شركات قليلة، شأنها في ذلك مرضى الاكتئاب ، تبدو أنها وجدت معادلة يمكن أن تعمل على مدى زمني طويل. وهنالك كثير من الحديث حول تقديم الحوافز للباحثين، ومحاكاة البيئة المندفعة لدى شركات التقنية الحيوية الأصغر حجماً التي عملت معها شركات كثيرة من هذه في الماضي.
يوسع معظم الشركات شراكاته مع باحثين خارجيين، ويتحدث بعضها عن العمل بصورة أوثق مع شركات أخرى، وكذلك أكاديميين، وجهات تنظيمية. ويقول برنان إن أولويته في الأشهر المقبلة هي ضمان أن هذه الصناعة: "منخرطة في أجندة تشكيل إصلاح الرعاية الصحية". ولكن بينما تمضي العملية، وجهود تحفيز البحث والتطوير، قدماً، فإن الضغوط على التسعير تمضي بصورة أشد.


