الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

ميزان القوى داخل المجتمع الأفغاني هو الذي يقرر ما إذا كانت مدارس البنات ستظل مفتوحة.

يعتبر قصر دار الأمان مبنى كلاسيكياً جديداً فيه مئات الغرف، وهو مشيد على خلفية الجبال المكسوة بالثلوج التي تحيط بمدينة كابل. وهو ذو منظر ساحر عن بعد. لكن مما يؤسف له، كما اكتشفت عندما زرت أفغانستان قبل أسبوعين، أنه أصبح أثراً بعد عين. فقد تسببت الحرب الأهلية الأفغانية في تسعينيات القرن الماضي بتدميره.

تم تشييد قصر دار الأمان في عشرينيات القرن الماضي على يد الملك الإصلاحي أمان الله خان الذي كان من أنصار المرأة والداعين إلى عدم ارتداء البرقع. وبعد 90 عاماً، حيث توفي الملك منذ زمن طويل، أصبح قصره حطاماً وارتداء البرقع منتشراً على نطاق واسع في كابل.

خطرت الإصلاحات التي قام بها الملك أمان الله على بالي هذا الأسبوع عندما ثار الجدل حول قانون سنه البرلمان الأفغاني أخيرا. يقضي هذا القانون الذي سيطبق على الأقلية الشيعية في البلاد بضرورة حصول المرأة على إذن زوجها إذا أرادت أن تخرج من البيت، ويعتبر أنه لا يجوز لها أن تخالف زوجها إذا طلبها في فراشه.

#2#

شكل خبر سن هذا القانون حرجاً كبيراً لتحالف الناتو في الوقت الذي كان يعلن فيه عن استراتيجية جديدة لمساندة الحكومة الأفغانية ولمقاتلة طالبان. كانت إحدى أهم الحجج التي ساقها حلف الناتو لتبرير الحرب هو أن طالبان أناس متوحشون ينتمون إلى العصور الوسطى ويكرهون النساء. ويركز المسؤولون الغربيون على عدد الفتيات اللواتي استطعن العودة إلى المدرسة منذ سقوط طالبان قبل سبع سنوات. وقالت لورا بوش، السيدة الأمريكية الأولى السابقة، مرة إن "الحرب على الإرهاب هي أيضاً حرب من أجل حقوق النساء وكرامتهن".

وتفيد الأنباء أن القانون الأفغاني الجديد "قيد المراجعة" الآن من قبل الرئيس حامد كرزاي. وتأكدت المخاطر التي يتعرض لها الناشطون المدافعون عن حقوق المرأة في عطلة نهاية هذا الأسبوع عبر مقتل سيتارا أخاكزاي في مدينة قندهار. وهناك مشاكل مشابهة بدأت تطفو على السطح في باكستان التي تنازلت حكومتها عن السيطرة على وادي سوات - الذي يبعد مسيرة ساعتين بالسيارة عن العاصمة إسلام أباد ـ لمليشيات طالبان باكستان.

ومنذ ذلك الوقت، تم توزيع فيديو مرعب يظهر ملالي ملتحين وهم يقومون بجلد فتاة شابة بزعم ارتكابها عملاً غير محتشم. وذكرت مفوضية حقوق الإسان في باكستان الأسبوع الماضي أن أفراد المليشيات في سوات هدموا131 مدرسة بنات منذ أن سيطروا على منطقة الوادي في وقت سابق من هذا العام.

ومعلوم أن حكومتي باكستان وأفغانستان حليفتان رئيسيتان للغرب في الصراع الذي كان يعرف في السابق بـ "الحرب على الإرهاب". لكن من واجبنا أيضاً أن نمنع الأفغان والباكستانيين من شن "حرب على النساء".

ويبدو القادة الغربيون في وضع مضطرب. ذلك أن سكرتير عام حلف الناتو المنتهية ولايته، جاب دي هوب شيفر، شجب القانون الجديد وتحدث عن الحرب الأفغانية قائلاً: "إننا هناك للدفاع عن القيم العالمية". واتخذ الرئيس باراك أوباما خطاً يختلف قليلاً. فقد وصف القانون الجديد بـ "البغيض". لكنه قال أيضاً إن على الناس أن يتذكروا أن القوات الأمريكية موجودة في أفغانستان لتحارب من أجل الأمن الوطني الأمريكي. وإن "لدينا هدفاً واضحاً ومحدداً: وهو تعطيل القاعدة وفكفكتها وإلحاق الهزيمة بها".

عليه، ما هو الأهم؛ القيم العالمية أم الأمن الوطني؟ الطريق السهل لتفادي هذه الجدلية هو القول بأنه لا يوجد تعارض بين هذين الهدفين. ذلك أن طالبان والقاعدة تضطهدان النساء وتشكلان تهديداً للغرب. وإذا ألحقت الهزيمة بهما، فإنك تخدم أمن الغرب وحقوق المرأة.

في حالة باكستان، ربما كان هذا صحيحاً. إذ إن القرار القاضي بالتنازل عن وادي سوات يعتبر كارثة أمنية. ذلك أنه يعطي المليشيات الإسلامية والإرهابيين الأجانب موارد جديدة وملاذات آمنة. ويشكل هذا خطورة على باكستان وعلى الغرب.

لذلك، كلما سارعت الحكومة الباكستانية في إعادة تأكيد سيطرتها على المنطقة كان ذلك أفضل. وينبغي على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أن تستخدما كل ما أوتيتا من قدرة على الاقناع – بما في ذلك المساعدات المالية والعسكرية – لإقناع الباكستانيين بأن يكونوا أقل فتوراً في وادي سوات.

أما الحالة الأفغانية فهي أكثر تعقيداً. إن حلف الناتو يبحث صراحة عن استراتيجية لخروج القوات الغربية من هناك. وربما تشتمل هذه الاستراتيجية على التعامل مع قيم عناصر طالبان التي لا تلتزم بالجهاد العالمي - وبالتالي التعايش مع بعض قيمهم الاجتماعية الموغلة في التخلف. ومن المحزن أن هذه القيم متجذرة في المجتمع الأفغاني. وكانت الأمور ستكون أسهل بكثير لو أن الآراء الغربية حول حقوق المرأة كانت بالفعل "قيماً عالمية" – لكنها ليست كذلك، على الأقل في أوساط رجال القبائل من البشتون. وإنه لأمر ذو دلالة أن يعتقد أن كرزاي وافق في البداية على هذا القانون الجديد كمناورة انتخابية قبيل الانتخابات الرئاسية التي في آب (أغسطس) المقبل.

وبعد سبع سنوات من القتال، من حق الجمهور الأمريكي والأوروبي أن توضح له أهداف الحرب على أفغانستان. إننا لا نحارب من أجل حقوق المرأة. بل نحارب لمنع البلد من أن يصبح مرة أخرى قاعدة لشن الهجمات على الغرب.

وهذا لا يعني ألا تهتم الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية التي أرسلت قوات إلى أفغانستان بحماية المرأة. فعبر غزو البلاد اضطلعنا ببعض المسؤولية عن الحكومة التي سنتركها وراءنا. وعليه، فبينما لا زال الغرب يمول ويحمي إدارة كرزاي، ينبغي أن نعول على عدم قبول الحكومة الأفغانية بقوانين تحط من قدر النساء – بشكل يثير الحنق.

لكن ينبغي علينا أيضاً أن نكون واقعيين بشأن ما يستطيع حلف الناتو أن يحققه. إن تعبير "استراتيجية الخروج" يعترف بأننا في طريقنا إلى الخروج. وبعد أن تغادر القوات الغربية، فإن ميزان القوى داخل المجتمع الأفغاني هو الذي يقرر ما إذا كانت مدارس البنات ستظل مفتوحة وما إذا كانت النساء يستطعن السير في الشوارع بحرية.

هناك أناس يعملون على تحديث البلاد، وهناك أفراد شجعان في المجتمع الأفغاني ممن سيناضلون من أجل حقوق المرأة حتى زمن طويل بعد خروج حلف الناتو. لكن كما يتبين من المصير الذي آلت اليه إصلاحات الملك أمان الله، ليس هناك من ضمان في أن يفوز دعاة التحديث.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية