لا تصل مراكب نقل البضائع الصناعية التي تعبر نهر الراين باتجاه الموانئ البحرية الأوروبية إلى سرعة عالية أبداً. ولكن مظهر شحنها بالبضائع المعدة للتصدير، وإلى ارتفاعات عالية، كان تعبيراً عن القوة الصناعية الألمانية حتى أواخر العام الماضي.
لاحظ إيريش ستاك، الرئيس التنفيذي لميناء دوسبيرغر هافن، وهو ميناء داخلي شاسع عند التقاء نهري الراين، والرور، في قلب منطقة الصناعة الألمانية، هذا التغير في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) ، حيث قال: "تراجع الشحن بالحاويات بصورة هائلة، بحيث تكاد تلاحظ ذلك من يوم ليوم".
يسلط الهدوء المخيف في ديوسبيرغ الأضواء على كيفية تحول ألمانيا، بصورة مفاجئة، إلى مصدر قلق عالمي. وكان الاقتصاد الألماني، الذي هو الأكبر في أوروبا، قد ظل لفترة طويلة اقتصاد شاحنين مصدرين، وليس متسوقين، قد علق بجانب الانزلاق في الطلب العالمي، حيث كان ذلك التراجع نقطة تركيز في قمة العشرين الدولية التي عقدت في لندن في مطلع الشهر الحالي. ووضع هذا التراجع في الطلب برلين تحت ضغوط غير عادية لتتحرك في سبيل تجنب وضع صعب يمكن أن تكون له مضامين وآثار كبرى على بقية العالم. ويتوقع ستاك المخضرم في صناعة الإمدادت، وهو يدخن سيجاره، تراجع النشاط العملي الألماني الخاص بالنقل بالحاويات بنسبة 25 في المائة، أو أعلى من ذلك، هذا العام، ولكنه يأمل أن يظل التراجع في ديوسبيرغ دون الـ 20 في المائة. ويقول: "كانت الحاويات توضع فوق بعضها البعض بمعدل ارتفاع يستوعب من 4 إلى 5 حاويات حين تصل السفن. وأما الآن، فيجري شحنها على السفن بطبقتين فقط، ولم نشهد أي وضع مشابهاً لهذا في زمن السلام".
بسبب اعتمادها على تجارة الصلب والفحم، فقد كانت ديوسبيرغ من أشد مناطق البلاد إصابة بالكساد الذي أعقب انهيار "وول ستريت" في عام 1929. وأما بعد الحرب العالمية الثانية ، فكانت إحدى المناطق الفائزة خلال المعجزة الاقتصادية . وإن التباطؤ الأحدث في ديوسبيرغ ما هو إلا جزء من الصورة الوطنية الكئيبة، حيث سوف يتراجع الناتج المحلي الإجمالي الألماني بنسبة 3.5 في المائة في هذا العام، وهو تراجع غير مسبوق في الزمن الحديث، حسب توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي نشرت في الأسبوع الماضي. ويقول يورغ كرامر، كبير الاقتصاديين في بنك كوميرزبانك في فرانكفورت، الذي يعتقد أن الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن يتراجع بنسبة 7 في المائة: "مصيرنا يعتمد على الصادرات". ومن المنتظر أن تصاب ألمانيا بأضرار تزيد بشدة على الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة، والمملكة المتحدة ، حيث تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يتراجع اقتصادهما بنسبة 4 في المائة، و 3.7 في المائة، على التوالي.
أما معدل البطالة في ألمانيا، فقد ارتفع من أدنى مستوى له خلال عام، حين كان 7.6 في المائة في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، إلى 8.1 في المائة في شهر آذار (مارس) من العام الحالي. وحذر أكسل ويبر ، رئيس البندزبانك (البنك المركزي)، الأسبوع الماضي، من أن شدة الانكماش كانت مقدرة، على الدوام، بأقل من حجمها ، ومن أن: "سوق العمل سوف تواجه ضربة شاملة قوية إذا ما استمر تكرار فشل الشركات في تحقيق أهدافها".
إن الخطر القائم هو أن ألمانيا، شأنها في ذلك شأن اليابان في التسعينيات تواجه "عقداً ضائعاً "، أو فترة مطولة من التعثر الاقتصادي، بينما تنتظر عودة المد الاقتصادي العالمي، وتصارع من أجل إيجاد مصادر نمو مولدة محلياً. ويضيف ستاك: "إنني مقتنع أنه سوف يكون تعافياً بطيئاً. فمن الذي سوف يشتري أي شيء؟"
إن هذا التراجع شديد ومؤذ بصفة خاصة لأن هذا البلد، حتى قبل عام مضى، كان يتوقع أن يتمكن من النجاة من العواصف الاقتصادية العالمية. ولم يكن هنالك خطر انهيار إسكاني، كما أن الأسعار استقرت لعقد كامل. واستطاع المستهلكون الادخار، ولم ترفع الشركات مديونياتها بحدة . ويقول كرامر من بنك كوميرزبانك: "من وجهة نظر هيكلية، فإنه كان من المفترض ألا يحدث الانكماش أبداً".
إذا ما تحدثنا بصورة لاحقة لما حدث، فإن ألمانيا كانت هدفاً بعد انهيار بنك ليمان براذرز الاستثماري في منتصف شهر أيلول (سبتمبر)، حيث كانت صادراتها تشكل 47 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في العام الماضي، بالمقارنة مع أقل من 20 في المائة في اليابان، وحوالي 13 في المائة في الولايات المتحدة. كما أن القاعدة الصناعية الألمانية تميل بشدة إلى إنتاج الآلات، والمعدات "البضائع الاستثمارية" التي تشكل أكثر من 40 في المائة من صادراتها. كما كانت صادراتها تميل نحو الاقتصادات الناشئة الأوروبية، والآسيوية.
بينما تركزت الأزمة على أسواق الإسكان، ورأس المال الأمريكية، فإن ألمانيا لم تتأثر. ولكن بعد أن أدى انهيار بنك ليمان براذرز إلى شل البنوك، وتراجعت الثقة بحدة عالمياً، فإن الشركات حول العالم أجلت خطط الاستثمار، الأمر الذي ترك المصانع الألمانية وهي تنتج بضائع لا يريد أحد أن يشتريها. وتراجع الإنتاج الصناعي الألماني في شهر كانون الثاني (يناير) بأكثر من 20 في المائة عن مستواه قبل عام مضى، كما أن طلبات الشراء الخارجية على البضائع الاستثمارية تراجعت بنحو النصف. ويتوقع اتحاد BGA للمصدرين تراجع الصادرات بنسبة تصل إلى 15 في المائة في العام الحالي.
يعود جانب كبير من تركيز ألمانيا على الصادرات إلى الظروف الاقتصادية في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وفي ظل ما كان لديها قبل الحرب من عيوب اقتصادية، ومن تضخم مرتقع ، فإنه لم تكن أمامها إلا خيارات قليلة سوى الفائض التجاري، كما يرى ألبرخت ريستشيل في كلية لندن للعلوم الاقتصادية.
شجعت العوامل ذاتها سياستين مالية ونقدية محافظتين، حيث لم يكن هنالك مجال للتجارب. وفي الوقت ذاته، فضل مبدأ اقتصاد المنافسة القائم على المبادئ، التدخل الحكومي لتعزيز البنى التحتية، ولكنه كان يمثل في الأساس أيديولوجية سوق حرة، وتجارة حرة. ونتيجة لذلك، أصبحت ألمانيا معتادة على الدورات التجارية العالمية، وبالتالي فإن اعتمادها على الصادرات "لم يكن ينظر إليه كمشكلة " كما يقول الأستاذ ريستسيل.
بعد سقوط جدار برلين في عام 1989، صارعت ألمانيا للحفاظ على انضباط مالي في مواجهة تكاليف إعادة التوحيد. ودخلت الاتحاد النقدي الأوروبي بعد عشر سنوات من ذلك في ظل ما يقول الاقتصاديون إنه كان معدل تبادل عملة مرتفعاً للغاية، كما أن النمو في السنوات الأولى من هذا العقد كان راكداً. غير أن ألمانيا بعد عمليات إعادة هيكلة مكثفة على مستوى الشركات، وكذلك إجراءات انضباط في الأجور، نجحت في استعادة تنافسيتها الدولية، وقطف ثمار أطول وأكثف فترة نمو للاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية.
مع ذلك ، فإن الأداء الاقتصادي لم يكن مذهلاً أبداً ، حيث بلغ ذروته بنسبة 3 في المائة في عام 2006، أي أعلى بقليل من معدل نمو منطقة اليورو الذي بلغ 2.9 في المائة، أو معدل نمو الولايات المتحدة الذي بلغ 2.8 في المائة. غير أن ذلك جاء بعد عشر سنوات كان النمو الألماني خلالها متخلفاً عن نمو كل من منطقة اليورو، والولايات المتحدة. وكان الاعتماد على الصادرات "مشكلة إلى حد ما، على الدوام، لأنه كان على حساب الطلب المحلي"، كما يقول جوستاف هورن من مؤسسة هانز- بوكلر للأبحاث المدعومة من جانب النقابات العمالية. ولم تستغل ألمانيا فرصة السنوات الجيدة لتعزيز الأجور الحقيقية. ويقول هورن: "إن كل ما يمكننا فعله الآن هو أن تكون لدينا سياسة مالية متوسعة للغاية لتحفيز الطلب المحلي للتعويض، على الأقل، عن بعض هذا التراجع في الصادرات". ويقول إنه من دون إجراءات حكومية إضافية، "فإنني أعتقد أنه بعد التراجع الكبير في الناتج المحلي الإجمالي، فإنه سوف يكون لدينا سيناريو من الركود في العام المقبل. وهذا يعني استمرار ارتفاع البطالة، حيث إنه نوع من السيناريو الياباني".
إن ما تجمع لدى برلين من حكمة مالية يمكن أن يمنحها مجالاً لشق طريقها خارج الركود، كما يعتقد كثيرون خارج البلاد أن عليها أن تفعل ذلك. وأبدى رئيس وزراء اليابان، تارو أسو، في مقابلة مع "فاينانشال تايمز"، الأسبوع الماضي، ملاحظة قال فيها: "هنالك بلدان تفهم أهمية التراكم المالي، بينما هنالك بعض البلدان التي لا تفهم ذلك".
كانت الديون الحكومية الألمانية، في العام الماضي، تعادل نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي، أي أقل من معدل دول منطقة اليورو، وكانت الميزانية متوازنة بصورة أو بأخرى. ولكن رغم الانتخابات الاتحادية في شهر أيلول (سبتمبر)، فإن ألمانيا وضعت حدوداً لما يمكنها إنفاقه، حيث قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، للـ"فاينانشال تايمز"، خلال الفترة الأخيرة، إن الإجراءات التي اتخذت لغاية الآن لتعزيز النمو كانت تتضمن مبالغ تعادل 4.7 في المائة من الناتج المحلي القومي تنفق على مدى عامين، الأمر الذي يجعل ألمانيا "ضمن المجموعة الرائدة" من الدول التي تسهم في استقرار الاقتصاد العالمي.
تبدو استراتيجيتها واضحة ومتمثلة بالخروج من الأزمة، والحفاظ على القوة الصناعية ما أمكن ذلك، وانتظار التحول الإيجابي النهائي. وقالت ميركل: "إنه لا يمكنك تغيير الاعتماد على الصادرات خلال عامين، بل إنه ليس بالأمر الذي نريد تغييره".
إن أحد أسباب حذر برلين هو أن الألمان لا يستجيبون لمحاولات الحكومة جعلهم ينفقون. ويشير البنك المركزي الأوروبي إلى ما يسمى بالآثار الريكاردية المسماة اقتداءً بديفيد ريكاردو، اقتصادي أوائل القرن التاسع عشر، حيث كان يقول إن المستهلكين يخشون من أن يتحول إنفاق الحكومة اليوم إلى ضرائب أعلى في المستقبل، ولذلك فإنهم يقلصون إنفاقهم.
تثير هذه الفكرة جدلاً بين الاقتصاديين، حيث يقول توليو جابللي، من جامعة نابولي: "إن قراءة عادلة لعشرات من الدراسات، خلال العقود الثلاثة الماضية، تفيد بأن العجوزات الحكومية تخفض الادخارات الوطنية بشدة، على الرغم من أن النسبة تظل أقل من واحد مقابل واحد". وتفيد الخبرات كذلك بأن الفكرة زائفة، حيث إن إعانة مالية قدمتها برلين لأولئك الذين يتاجرون بالسيارات القديمة كانت ناجحة للغاية في إنعاش المبيعات (على الرغم من المصنعين الألمان يمكن ألا يكونوا أكبر الرابحين، كما أن هنالك إشارات إلى أن موزعين آخرين يعانون نتيجة لذلك).
مع ذلك، فإن مخاوف برلين من العواقب التضخمية للسياسات المالية المخففة "ربما تكون أعلى من المخاوف في أمكنة أخرى، وذلك في ظل الخبرة التاريخية لألمانيا فيما يتعلق بالتضخم الشديد"، كما يقول الأستاذ جابللي. وإن ما يمكن أن يفشل من هم خارج ألمانيا في فهمه هو أن الألمان يشعرون بالفعل بأنهم يتحملون ديوناً ثقيلة، كما يقول الأستاذ ريستشيل في كلية لندن للعلوم الاقتصادية. وتقف على قمة الديون الحكومية الحالية التكاليف المتضمنة في تمويل نظام تقاعد يقوم على أن يدفع للمرء مباشرة حين يغادر، بينما يتسارع تقدم السكان في السن. ويقول الأستاذ ريسشيل: "إن ما يحدث في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، بخصوص السياستين المالية، والنقدية، يمكن أن يثير أعصاب أي ألماني، حيث إن الناس في الشارع يمكن أن يعودوا ثانية إلى الحديث عن التضخم الشديد" .
إن ذلك لا يدع سوى خيار قليل غير الأمل في عودة توازن اقتصادي أطول أجلاً. غير أن فان آرك، كبير الاقتصاديين في منظمة أبحاث النشاط العملي في نيويورك ، مجلس المؤتمر، يجادل بأن الاقتصاد الكبير لا يمكنه أن يتحرك "باستخدام وقود الصادرات وحده" في الأجل الطويل. وقد يكون المصنعون الألمان مرتفعي الكفاءة، ولكن تركيزهم على النشاط العملي الخارجي، يعني أن معظم منافع نجاحهم يتسرب إلى الخارج . "إذا كنت تعمل لدى مصنع ألماني، فإنك تحصل على أجور أعلى، وهو أمر عظيم ، ولكنك مجرد واحد من عدد قليل. وإن الأثر المهيمن لكفاءة التصنيع الألماني هو أن المستهلكين في الخارج يستفيدون من الأسعار الأدنى للبضائع التي ينتجها الألمان".
حتى يتم توفير طلب محلي، فإن التركيز يجب أن يكون على توفير وظائف منتجة في قطاعات الخدمات التي تبيع محلياً، كما يقول فان آرك. كما أن من شأن إزالة عوائق المنافسة في الخدمات تشجيع مزيد من الكفاءة، والإنتاجية الأعلى، والأسعار الأدنى التي أفادت المستهلكين، وأدت إلى أجور فعلية أعلى." وإن هذا هو نوع التحرك اللولبي إلى أعلى الذي يحتاج إليه الاقتصاد من أجل استمرار حركته".
أما في ديوسبيرغ، فيستمر العمل في توسيع مرافق الإمدادت قرب النهر على موقع لمصنع صلب سابق. والهدف هنا هو توسيع الخدمات التي يستطيع الميناء توفيرها في التخزين والتغليف، على سبيل المثال، مستفيداً من نقل المصانع إلى جهات خارجية من جانب المصنعين الألمان. غير أن مستقبل الميناء ما زال يعتمد على النشاط العملي الخاص بالتصدير، حيث لا يرى ستاك بديلاً آخر أمام ألمانيا. ويقول: "إذ أردنا بالفعل استعادة النمو الجيد، فإننا لا نستطيع ذلك إلا من خلال الصادرات. والأمر لا يتعلق فقط بالعقلية الألمانية، بل إن ذلك هو نقطة قوتنا، حيث إننا بلاد المهندسين التي تصنع أفضل السيارات، وأحسن الآلات، فشكراً لله على ذلك".

