الاحتجاجات الكبرى في شوارع مدينتي شيزيناو وتبليسي، عاصمتي مولدوفا وجورجيا، قدمت عامل تذكير قوي هذا الأسبوع بأن الأراضي الحدودية للاتحاد السوفياتي السابق مازالت في حالة من الجيشان. وتستدعي أزمة هذه الدول تساؤلات حول سلوك روسيا في مناطق تعتبرها "مناطق نفوذ مميزة لها"، كما تكشف عن مخاطر أن تصبح هذه البلدان رهائن ما بعد الفترة السوفياتية.
حطم المتظاهرون الشباب في شيزيناو البرلمان في ثورة احتجاج على فوز الحزب الشيوعي الحاكم. وفي تبليسي تظاهر آلاف من أنصار المعارضة بصورة سلمية ـ على الرغم من التحذيرات من ذلك ـ للمطالبة باستقالة الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي الذي خسر الحرب مع روسيا في العام الماضي.
إن هاتين الجمهوريتين، مولدوفا على الحدود الغربية البعيدة للإمبراطورية القديمة ـ بين أوكرانيا ورومانيا ـ وجورجيا على الحدود الجنوبية مع تركيا، تجمع بينهما الكثير من الأمور المشتركة. فهما معتمدتان تقليدياً على الزراعة، مع وجود كثير من مزارع العنب، كما أن لديهما حركات وطنية قوية، لكن مع وجود طبقات سياسية مستقطبة.
وبالأهمية ذاتها، وفيما يتعلق بالاحتجاجات الأخيرة، فإن البلدين يستضيفان، دون سعادة، "النزاعات المجمدة" سيئة السمعة، الموروثة عن انهيار الاتحاد السوفياتي: المناطق الانفصالية التي رفضت أن تكون جزءا من الجمهوريات الجديدة، لكنها تحافظ على استقلالها بفضل دعم عسكري روسي كبير. وبالتالي، تظل مصدراً للتوتر السياسي وإثارة العواطف القومية المتأججة.
لم تظهر روسيا أي ميل لسحب قواتها من ترانس دنستيريا، الإقليم الناطق بالروسية في مولدوفا. وتسامحت مولدوفا مع وجود نقطة إجرامية سوداء تعيش على مبيعات الأسلحة وترويج المخدرات. ومولودفا هي أفقر دولة في أوروبا، إذ تعتمد على التحويلات المالية لـ 700 ألف من أبنائها المهاجرين، بمن فيهم كثير من النساء اللواتي يتم بيعهن في سوق الجنس. وقد تم تجاهل أزمتهن، على نطاق واسع، من جانب كل من روسيا والاتحاد الأوروبي. لكن جورجيا أكثر رخاء، غير أن روسيا شجعت، بنشاط، الحركات الانفصالية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، حتى انفجر هذان النزاعان إلى حرب مكشوفة في العام الماضي.
حاول رئيس مولدوفا، فـلاديمير فورونن، الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع روسيا والاتحاد الأوروبي. غير أن ذلك لم يجلب له سوى القليل من الأمور الجيدة. ولا تزال بلاده متخلفة وكئيبة. وفي جورجيا ظل الرئيس ساكاشفيلي مؤيداً صريحاً لأمريكا والاتحاد الأوروبي. وساعده ذلك في جذب دفق من الاستثمارات إلى أن سقط في عثرته الكبرى ودخل في الصراع حول أوسيتيا الجنوبية.
إن دول الاتحاد السوفياتي السابق على حق في رفض وجود مجال نفوذ لروسيا. لكن تلك البلدان ليست بحاجة إلى منافسة على النفوذ كذلك. ولن يحل الاستقرار في مجال ما بعد السوفياتي إلا إذا تعاونت روسيا والاتحاد الأوروبي لإنشاء مؤسسات اقتصادية وسياسية راسخة في الدول المجاورة لهما. ولتحقيق ذلك، فإن روسيا بحاجة إلى تغيير عقليتها الإمبريالية.