أدت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى إفلاس مؤسسات عمرها قرن من الزمن، والإطاحة بعلامات صناعية جبارة، وتفتيت ما تجمع على مدى جيل كامل من فرضيات الكيفية التي يجب على الرأسمالية المالية أن تعمل بها. وحان الوقت الآن للإعلان عن ضحية أخرى لهذه الانهيار: الأسلوب الاستبدادي للإدارة.
جرت العادة أن تؤدي الأوقات الصعبة إلى جرنا نحو القادة الأقوياء. ولنتذكر قوة خطابات ونستون تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية، أو المرأة الحديدية، مارغريت تاتشر، وموقفها القوي خلال أزمة فوكلاند، أو دعوات هتلر العنيفة لتخليص ألمانيا من حالة التضخم الهائل والانتفاضة ضد الإهانات التي تعرضت لها بين الحربين.
لكن باراك أوباما أدخل نهجاً جديداً، أولاً إلى البيت الأبيض، والآن إلى العالم. وحرص خلال أول جولة خارجية له رئيسا للولايات المتحدة، على أن يكون مستمعاً أكثر منه محاضرا، وأن يكون مصالحاً أكثر منه قائدا آمرا، وأن يكون متعاطفاً أكثر منه أيديولوجيا.
وكان بذلك متناقضاً تماماً مع سلفه في الرئاسة، جورج بوش، ذلك الرئيس الأمريكي الثالث والأربعين الذي أعلن "إما أن تكونوا معنا، وإما أن تكونوا مع الإرهابيين" وحدد "محوراً جديداً للشر". وما عليك سوى أن تقارنه بالرئيس الحالي، الرابع والأربعين، الذي حث طلاباً في إحدى قاعات مدينة اسطنبول على تقدير واحترام "أن لكل قضية على الدوام جانبين".
خلال الحملة الانتخابية، أحد إعلانات الجمهوريين وصف أوباما بأنه "ذلك الواحد"، وسخر منه على أساس أنه يظهر نفسه بشخصية أشبه بالمسيح. غير أن أوباما، رئيسا، سعى إلى استبدال إلى صورة أكثر اعتدالاً، وتواضعاً، ومشاركة بصورة أمريكا الفردية ودورها في العالم.
لم يكن كل الأمريكيين مرتاحين لانتهاء زمن البطولة. ففي خضم المعركة الأولية للترشيحات الرئاسية للحزب الديمقراطي، وصفت كاتبة العمود في "نيويورك تايمز"، مورين داود، سيناتور إلينوي بضعف الخبرة المهنية. وابتعد مستشار كلينتون، جيمس كارفيل، بهذه الفكرة أكثر فأكثر، حين قال مفاخراً إن لدى هيلاري كلينتون ضعف ما لدى منافسها من "مكونات الشجاعة".
لاحق هذا الانتقاد أوباما إلى البيت الأبيض، حين اتهم بأنه يبالغ في العودة إلى الكونغرس فيما يتعلق بتفاصيل صفقة التحفيز، وأنه سعى بسذاجة إلى تحقيق توافق بين الحزبين مع الجمهوريين الذين "يكتفون" بقول لا، كما انتقد بأنه لين للغاية في التعامل مع وول ستريت. وبينما اعتبرت جولته نجاحاً بصورة عامة، حرك أوباما انتقادات تتعلق بالانحناء الناجم عن الاحترام، إذ أبدى معلقو اليمين امتعاضاً من الانحناء المزعوم للرئيس أمام الملك عبد الله بن عبد العزيز، ملك المملكة العربية السعودية (يصر البيت الأبيض على أن ذلك لم يحدث في المقام الأول).
ومن المفاجئ، رغم ذلك، أن الحنين لوجود زعيم مستلط لايبدو أنه منتشر بين الجمهور بصورة واسعة، إذ أبدى ثلثا المشاركين في استفتاء لـ "نيويورك تايمز" ومحطة CBS، موافقتهم على الأداء العملي للرئيس أوباما. وأعرب ثلثا المشاركين كذلك عن اعتقادهم أن زعماء الدول الأخرى يحترمون الرئيس الأمريكي، أي أكثر من ضعف عدد من اعتقدوا ذلك في حزيران (يونيو) 2006، حين كان بوش لايزال في البيت الأبيض.
يمكن أن يكون أحد أسباب شعبية قيادة أوباما هو أن حامل البندقية التقليدي تم تحقيره وفشل على جبهتين رئيسيتين، هما العراق "وول ستريت". وينظر الناس الآن إلى حرب أمريكا الأحادية القائمة على القيادة والسيطرة، كما يصورها أولئك الذين يختالون بصورة رئيس أركان العملية المنجزة، على أنها إخفاق كامل في الوقت الراهن. وينطبق الأمر ذاته على محاربي أمريكا المدنيين الأعلى في نيل الجوائز، والأشد فخراً، أي أولئك المسؤولون الماليون الشرهون الذين ظنوا أنهم سادة الكون.
قبل أقل من 18 شهراً كان رموز المال المفضلون يتصرفون كالعسكريين، وكان رؤساء المؤسسات المالية الذين يحظون بأشد الإعجاب، رجالاً أشداء يتقنون توجيه الأوامر. وما عليك سوى أن تتذكر ديك فولد، من ليمان براذرز، والسير فرد جودوين "الممزق" من رويال بانك أوف اسكوتلاند. غير أن الإهانة حلت محل الإعجاب بالذات في أيامنا هذه، وأصبحت هي الزي السائد في وول ستريت.
كالعادة، استنتج جولدمان ساكس هذا الأمر أولاً، وبينه بالتفصيل بأفضل صورة. وما عليك سوى مشاهدة الاعتراف النادم للرئيس التنفيذي، لويد بلانكفين، في خطاب له في واشنطن هذا الأسبوع، بأن "العام الماضي كان مذلاً للغاية، وكثير من التصرفات في الصناعة كانت تبدو محققة للمصالح الذاتية، إضافة إلى أنها شرهة".
الحقيقة هي أن الأنموذج الذكوري المتسلط لقيادة الشركات أصبح خارج الموضة، حتى أنه أصبح يهاجم على مستوى الهرمونات. فقد أفادت الدراسات الأكاديمية أن الرجال من ذوي مستويات التستسترون المرتفعة لديهم ميل أشد لتنفيذ صفقات المخاطرة العالية، وهو أمر ليس جيداً بالضرورة حين يلقى باللائمة على مخاطرة سوء التسعير باعتبارها سببا للانكماش العالمي.
على مؤيدي الحركات النسائية التعامل مع هذه الحجج بدرجة عالية من الحذر. فالنظريات البيولوجية المحابية للنساء في ظل التراجع الاقتصادي يمكن أن تصبح خلال فترة قريبة مبرراً فكرياً للتمييز خلال الطفرة المقبلة. غير أن حقيقة أن كميات زائدة للغاية من التستسترون تعتبر في بعض الأوساط عبئاً مهنياً، تمثل بالتأكيد إشارة إلى تحول ثقافي عميق.
هنالك دليل على مدى تأرجح البندول. فالرئيس السابق لشركة جنرال إلكتريك، جاك ويلش، الذي يجسد أنموذج الإدارة المتسلط القديم، منح أوباما درجة "A" على أسلوبه القيادي (على الرغم من عدم موافقته على كثير من سياساته). وبإمكانك أن تفهم السبب وراء ذلك. ففي عالمنا المعولم، والمتشابك، المتعدد الأقطاب الذي يفتقر إلى انقسام حرب باردة واضح وصريح، أصبح الوضع من التعقيد بحيث لا يمكن إدارته بأسلوب القيادة والسيطرة. فلتنس الأمل. الواقع هو أن القرار السياسي الجريء للرئيس أوباما كان تبني واعتناق هذا التعقيد. والأمر الأكثر أهمية في ذلك حتى الآن، هو موافقة الأمريكيين على ذلك.
