كما في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، تلوِّث الشكاوى بشأن سياسات "إفقار الجار" (التنافس في التجارة الدولية بحيث يتم تحقيق مكاسب على حساب الآخرين من خلال تخفيض قيمة العملة أو إقامة الحواجز التجارية)، وسياسات تبادل الصرف الأجنبي، أجواء العالم: تشتكي دول منطقة اليورو من تراجع سعر الجنيه الاسترليني، ويشتكي الأمريكيون من "تلاعب" الصين بسعر الرينمنبي، وتشتكي دول العجز من العرض الفائض في دول الفائض، وتشتكي دول الفائض من الحمائية في دول العجز.
إذن، من الذي على حق؟ الجميع، ولا أحد. إننا نسمع نتائج الصراع المدمّر المتبادل على شرائح من كعكة الطلب العالمي المتضائلة. وبهذه الطريقة تنشأ تخفيضات قيمة العملات والحروب التجارية. والحل هو توسيع حجم الطلب، وأن تقوم دول الفائض بعمل أكثر من دول العجز.
في الربع الرابع من عام 2008 تراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بمعدل سنوي 4 في المائة في المملكة المتحدة، و4.2 في المائة في منطقة اليورو، 4.6 في المائة في ألمانيا، 5.8 في المائة في الولايات المتحدة، و6.4 في المائة في اليابان. هذا إذن عالم من الطلب المتراجع بصورة فادحة.
إنه كذلك عالم من الفوائض الضخمة والعجوزات في الحسابات الجارية. ومن وجهة نظر دول العجز، فإن دول الفائض تسرق "طلبها المحلي". لكن الدول ذات العملات القوية تعتبر تخفيض سعر العملة من قبل الدول الأخرى بمثابة غش، طالما أن هذا يؤذي الصادرات التي تعتمد عليها بشدة.
إن خوف منطقة اليورو من تراجع سعر الجنيه الاسترليني مفهوم، لكنه غير منطقي. والجنيه الاسترليني عملة معومة تراجعت بحدة مع نهاية العام الماضي، حين أصبح واضحاً مدى الضرر الذي سيلحق بالقطاع المالي البريطاني والاقتصاد بفعل الأزمة. وطالما أن الطلب المحلي البريطاني ضعيف والعجز التجاري العام الماضي بلغ 6.5 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي، فإن تخفيض سعر العملة هو ما سينصح به أي طبيب اقتصادي. إن ارتفاعاً في صافي الصادرات أمر مهم من أجل تحقيق انتعاش مستمر. وليس خطأ المملكة المتحدة أن الدول الأعضاء في منطقة اليورو التي تعيش الحالة نفسها اختارت أن تقيّد نفسها بسارية اليورو.
إن الأمر الأشد رفضاً سيكون محاولات من جانب دول ذات فائض تجاري كبير من أجل حماية نفسها ضد أي تعديل من جانب دول العجز المثقلة بالديون الكبيرة. وعلى الرغم من ذلك، فإن عملات عدد من الدول ذات الوضع الخارجي القوي شهدت تخفيضاً كبيراً وفعلياً على سعر عملاتها منذ أن أصبحت الأزمة حادة في آونة مبكرة من الخريف الماضي. وتوجد على القائمة عدة دول من شرقي آسيا، لكن ليس الصين.
إن الأمر الأكثر جوهرية هو الشكاوى بشأن سياسات إفقار الجار التي يتعذر تحاشيها طالما أن اقتصاد العالم يعاني نقص الطلب. والحل هو اتباع سياسات مالية، ونقدية، وهيكلية، إذا لزم الأمر، وهي سياسات من المرجح أن تؤدي إلى توسيع الطلب على المدى المتوسط. لكن دول الفائض بحاجة إلى أن تفهم أنها هي من يعيش في حالٍ أفضل من أجل توسعة حجم الطلب بسلامة، وليست تلك الدول التي تعيش عجزاً هيكلياً ضخماً.
إن بديل نزاع العملة والحروب التجارية هو زيادة حجم الطلب. والشكوى من مرارة نتيجة رفض فهم ذلك أمر سخيف مثلما هو بلا معنى.