الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 10 يونيو 2026 | 24 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ساركوزي يعمل على إزالة الإرث الديغولي لتغيير فرنسا جذرياً

بين هول
بين هول
الاثنين 13 أبريل 2009 4:11
ساركوزي يعمل على إزالة الإرث الديغولي لتغيير فرنسا جذرياً

عندما أعلن الرئيس نيكولا ساركوزي رسمياً عودة فرنسا إلى قيادة حلف الناتو العسكرية في قمة حلف الأطلسي الأخيرة، فإنه لم يقم بإلغاء قرار شارل ديغول الذي يعود تاريخه إلى 43 عاماً مضت فحسب، وإنما سعى أيضاً من ناحية ما إلى تسليم الجنرال إلى كتب التاريخ.

كان ديغول، القامة الشامخة في فرنسا القرن العشرين، منقذ الشرف الفرنسي في عام 1940، والرجل الذي عمل على جعل بلاده مستقرة في عام 1958، وانتزعها من حرب الجزائر. وكتب دستور الجمهورية الخامسة لنفسه ولجميع خلفائه. ولكن، على الرغم من انشغاله بالسلطة، إلا أن النهضة الوطنية، والتحديث التقني شكلاًّ فرنسا ما بعد الحرب، وفقدت الديغولية كمبدأ سياسي تدريجياً، الأساس والمعنى.

على نحو مثير للجدل، أنعش ساركوزي بعضاً من ممارسات ديغول، مثل سيطرة الدولة على الاقتصاد، وأبطال الصناعة الوطنيين، والتأرجح أحياناً نحو الرأسمالية. ولكن في العديد من النواحي الأخرى، عمل الرئيس النشط على إلغاء الإرث الديغولي في خضم اندفاعه لتغيير فرنسا جذرياً.

لا يبدو أن هذا ينطبق في أي مكان آخر أكثر مما في السياسة الخارجية. وبإعادة فرنسا إلى هيكل القيادة الدائم لحلف حلف الناتو، فإن ساركوزي يحطم الشعار الديغولي الأكثر استدامة – ولا يحبذ العديد من أعضاء النخبة السياسية والدبلوماسية في فرنسا هذا الأمر. وفي حين أن العودة ستعزز بشكل متواضع التوافق العملي للحلف، إلا أن من شأنها أن تزرع بذور ثورة بين سياسيي وسط – اليمين، إذا سعى الرئيس – كما يتوقع الكثيرون – إلى إعادة ترشيح نفسه لولاية ثانية في عام 2012.

سحب ديغول بلاده من قيادة حلف الناتو في تأكيد جريء على استقلالها عن هيمنة الولايات المتحدة. ولمدة أربعة عقود، كان شبه انفصال فرنسا عن حلف الأطلسي ما يطلق عليه هيوبرت فيدرين، وزير الخارجية الاشتراكي السابق، "وسيلة اختبار قوة دفاع فرنسا وسياساتها الخارجية". وتم احترام قرار ديغول كضمانة للسيادة، وعنصر للفخار الوطني. وكان يمثل نقطة إجماع وطني، وأيضاً المنظار الذي كان الأجانب ينظرون عبره إلى البلاد طوال الأربعين عاماً الماضية، ويشكل المفاهيم بشأن فرنسا كحليف.

إن تأرجح فرنسا باتجاه حلف الناتو، وبشكل ضمني باتجاه الولايات المتحدة، يشابه الشكوك البريطانية في الاتحاد الأوروبي. وفي الحالتين، فإنه تعبير عن الدور المفترض أن يكون فريداً، ولكنه سيئ التحديد، في العالم. وهو أيضاً مصدر للشكوك من جانب الأصدقاء وحلف الناتو. أما ساركوزي، الرئيس الأكثر تأييداً لأمريكا منذ عهد ديغول، فإنه مصمم على إنهاء هذا الغموض. وكانت العلاقة المتأرجحة توفر أوهام الاستقلال والأمن فقط، حسبما قال هذا الشهر في خطاب أثار جدلاً قوياً في المدرسة العسكرية في باريس، "مثل خط ماجنو جديد ضد تحديات العالم".

إن الأهمية العسكرية لهذه الخطوة في قمة حلف الأطلسي الأخيرة محدودة للغاية. وانضمت فرنسا إلى مجتمعين من أصل 36 مجتمعاً لا تنتمي إليها في الوقت الحالي. وسوف تلعب فرنسا دوراً كاملاً في تخطيط العمليات، ورسم المذهب الاستراتيجي الجديد للحلف. وسوف تحصل على مركزين قياديين رئيسين، ولكنهما ليسا بالأهمية الكبرى، تحتلهما حالياً أمريكا. وسوف ترسل 800 ضابط إضافي إلى مؤسسات حلف الناتو. وسوف تبلغ تكلفة كل ذلك 80 مليون يورو (109 مليون دولار، 75 مليون جنيه استرليني) سنوياً، من ميزانية الدفاع الإجمالية البالغة نحو 30 مليار يورو.

إن عودة فرنسا تشكل ذروة عملية تدريجية بدأت إبان حكم أسلاف ساركوزي، كل من الاشتراكي فرانسوا ميتران، واليميني جاك شيراك. واقترب شيراك قيد أنملة من إعادة الاندماج في عام 1995، لكن عرضه للسيطرة على القيادة الجنوبية لحلف الناتو، ومقرها في نيبال، لم يوافق عليه رئيس هيئة الأركان المشتركة للولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، شاركت فرنسا رغم ذلك في جميع الحروب القتالية لحلف الناتو. وهي مساهم مؤسس في قوة الرد السريع الخاصة بحلف الناتو. وبدأ الضباط الفرنسيون بتولي مناصب في القيادة العسكرية في عام 2004.

مع ذلك، فإن الخطوة النهائية بالمعنى الرمزي تمثل قفزة عظيمة. وهي خطوة محفوفة بالمخاطر أيضاً. وبمهاجمة الديغولية بشكل بالغ الوضوح، على الأقل في بيانها للسياسة الخارجية، فإن ساركوزي أحدث رد فعل معادية من جانب أولئك الذين يرغبون في المحافظة على هذا "الاستثناء" الفرنسي غير الاعتيادي، من داخل حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية UMP، وعبر أرجاء الطيف السياسي.

كانت نخبة السياسة الخارجية في البلاد ساخطة تحديداً. ويقول فيدرين: "لا جدوى من إثارة الجدل. واستنكر دومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء السابق، خطوة العودة إلى حلف الناتو، واصفاً إياها بأنها "خطأ" من حيث "الصورة والاستراتيجية" لفرنسا بأن تربط نفسها بكتلة غربية. وتساءل ألان جوبيه، وهو رئيس وزراء سابق آخر، وشغل منصباً وزارياً لمرة واحدة في حكومة ساركوزي، "بشأن المنفعة التي تجنيها فرنسا" من ذلك التغيير.

كلا الرجلين هما أيضاً وزيران للخارجية، ومنافسان لساركوزي. ولكن في حين ينظر إلى المسار المهني السياسي لدو فيلبان على أنه انتهى، إلا أن جوبيه يمكن أن يصبح تهديداً. وينظر بعض المراقبين إلى إدانته الهادئة كمؤشر لتحدي القيادة في المستقبل.

إن الأمر أكثر صعوبة لقياس حجم المعارضة بين أعضاء البرلمان من حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية. ويقول البعض إن دافعها الجهل أو الانتهازية السياسية. ويستهزئ أحد المسؤولين الكبار قائلاً: "احذر من أن تعلق في جنون هذه الديغولية الجديدة. وإن هؤلاء الأشخاص لا يفقهون شيئاً حول التحالف". ولكن فرانسوا فيلون، رئيس الوزراء، كان قلقاً للغاية بشأن الانشقاق داخل الحزب، بحيث إنه حول تصويتاً برلمانياً حول المسألة في الشهر الماضي إلى تصويت على الثقة ليقضي على أي تمرد. وتم الفوز بالتصويت بسهولة.

إن حقيقة احتواء رد الفعل المعادي يمكن أن تشير إلى أن الديغولية هي بالفعل قوة سياسية متلاشية، بوجود عدد قليل من مشجعي الوزن الثقيل. ويصر أكسل بونياتوفسكي، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان وهو من حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية، على أنه انبثق "إجماع كبير" من أجل إعادة الاندماج في حلف الناتو بعد تفوق الحجج على النزاعات تدريجياً. ويقول في هذا الصدد: "كنت أعارض ذلك نوعاً ما قبل تسعة أشهر. وكان هذا بمثابة رمز ديغولي مهم. ولكن عندما تدخل في التفاصيل، فمن الواضح أنه لمصلحتنا."

يشكك في نطاق هذا الإجماع على أية حال، جان دومينيك جيلاني، رئيس مؤسسة روبرت شومان، وهي مؤسسة فكرية قريبة من حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية. ويقول، لو كان هناك اقتراع سري، فإن واحداً من بين كل ثلاثة نواب في حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية سوف يعارض التغيير – ما يكفي للقضاء على الأغلبية الحكومية. ويضيف هجوم الرئيس ساركوزي على الديغولية عامل انقسام آخر إلى الحزب الذي انقسم حديثاً بشأن مجموعة من القضايا الأخرى، مثل تحرير قطاع التجزئة، أو تخفيف قوانين العمل ليوم الأحد.

لكن في غياب التمرد من جانب حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية، فإن الأحزاب الاشتراكية والوسيطة المعارضة هي التي اندفعت إلى الدفاع عن الإرث الديغولي.

سعى فرانسوا بايرو، وهو مرشح سابق للرئاسة، وقائد حزب الحركة الديمقراطية الوسطي، إلى إحداث صلة بين مسألة حلف الناتو، ومعالجة ساركوزي للسياسة الاقتصادية والاجتماعية. وسوف يماثل الانضمام من جديد إلى القيادة العسكرية إظهار الولاء لنموذج "المعارضة الأمريكي" في المجتمع، حسبما يجادل بالقول: "بوجود نيكولا ساركوزي، فإن تمسك فرنسا بالنموذج الأمريكي، وبالليبرالية الجديدة، هي الجديدة في الاسم فقط، لأنها أقدم إيديولوجية في العالم: هيمنة بني البشر على بني البشر، وتراكم المزايا لبعض الأشخاص".

إن وصف باريو مذهل للغاية لأنه يأتي من جناح وسط اليمين الأطلسي القديم. ويقول فرانسوا هيسبورغ، وهو محلل مؤثر، ومستشار لمؤسسة الأبحاث الاستراتيجية: "إذا كان على استعداد للتخلي عن كل شيء كانت تمثله عائلته السياسية لنحو 50 عاماً، لأنه يشعر أن هناك منافع سوف يحصل عليها في عرض القوة- للانتخابات الرئاسية في عام 2012- فإن ذلك يشير إلى أن الأمور يمكن أن تصبح صعبة بالنسبة لساركوزي".

أشار استطلاع للرأي أجري في الشهر الماضي إلى أن 52 في المائة من الشعب الفرنسي دعم استئناف الدور الكامل في حلف الناتو. ولكن جاك ميارد، وهو نائب من حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية، ومعارض لحلف الناتو، إلى أن ساركوزي ربما يدفع ثمناً باهظاً لصورته "ساركو الأمريكي"، مضيفاً: "إن الفرنسيين لا يفضلون ذلك".

يقول جيلاني، إن الفرنسيين يحبون أن يكونوا مختلفين، والتأرجح باتجاه حلف الناتو يساهم في صياغة ذلك الاختلاف. ويضيف: "إنك تذهب إلى الحانة ويقول الناس هناك إنهم يحبون حقيقة كوننا مميزين".

بناءً على ذلك، لماذا يأخذ ساركوزي هذه المخاطرة؟ يقول المسؤولون إن السبب الرئيس هو إضافة الزخم إلى الجهود لبناء سياسة دفاع أوروبية مستقلة، بإزالة الشكوك عن الدوافع الفرنسية. وبصفتها عضوا كاملا في حلف الناتو، فسوف يكون من الأسهل إقناع بريطانيا، وألمانيا، وبلدان وسط وشرق أوروبا، والولايات المتحدة، بأن فرنسا لا تريد أن يكون دفاع الاتحاد الأوروبي منافساً لحلف الناتو.

من جانبها، فإن القوات العسكرية الفرنسية فضلت على نحو تقليدي الانضمام من جديد إلى هيكل قيادة حلف الناتو، وتنظر إليه على أنه الطريقة المثلى للمحافظة على معرفتها التشغيلية بشكل مكافئ لحلفائها. كما أن توفر المئات من المناصب الإضافية ذات الراتب الجيد داخل حلف الناتو تمثل أيضاً إغراء حتمياً لضباط الخدمة.

يقول النقاد إنه لدى انضمام البلاد إلى الكتلة الغربية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، فإن الرئيس يعرض الدور الفريد لفرنسا كجسر بين الغرب والعالم النامي إلى الخطر. غير أن ساركوزي نفسه يصف الخطوة بأنها جزء من التغيير الأوسع نطاقاً في السياسة الخارجية الذي أحدث فعلياً، ليس التقارب بين باريس وواشنطن فحسب، وإنما أيضاً علاقات أفضل مع إسرائيل، وهذا بمثابة دور أكثر تأثيراً في الشرق الأوسط، وإعادة تقييم المصالح الاستراتيجية لفرنسا في إفريقيا. وعلى فرنسا أن تتولى مكانتها الرئيسة في عائلة البلدان الغربية، حسبما يقول.

عندما اتبع خطوات ديغول إلى الإليزيه في عام 2007، وعد ساركوزي "بالابتعاد" عن العادات القديمة، والسياسات التي عفا عليها الزمن. وفي أغلب الأحيان لا يحظى ادعاؤه بالمصداقية. ولكن في هذه المناسبة، حظي فعلياً. وإذا كان انتهاك الحظر الديغولي يزعج المؤسسة، فربما للأفضل. وبصفته ابن مهاجر هنغاري بنى مستقبلاً سياسياً كسر كل القواعد، حسبما يقول جيلاني، "بالنسبة له، فإن كل ما من شأنه أن يهز النخبة الفرنسية هو أمر إيجابي".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية