إذا كان الاقتصاد العالمي في أزمة، فإن اقتصاد السوق في أزمة أشد. فهو ينظر إليه على أنه غير عادل لأنه ولد حالات عدم مساواة غير مقبولة، وغير فاعل لأنه استقطب موارد هائلة إلى أنشطة تحوم الشكوك حول إسهاماتها في الاقتصاد. لكن العالم في حاجة إلى اقتصاد سوق متكامل، الأمر الذي يعتبر شرطاً ضرورياً رغم أنه ليس كافياً لتحقيق النمو والرخاء.
لقد ركزت مجموعة البلدان العشرين على خطط الانتعاش وعلى تنظيم القطاع المالي، لكن هذه لا تزيد على كونها خطوة أولى نحو استعادة صدقية اقتصاد السوق، ونحو ترويض الوطنية الاقتصادية التي تعد بذرة عدم التكامل.
سيكون الاختبار الرئيسي لاقتصادات السوق، وربما للديمقراطيات، هو ما إذا كانت قادرة على السيطرة على تنامي عدم المساواة، بما في ذلك داخل البلدان، الناجم عن عدم الخضوع للأنظمة، وكذلك عن العولمة، والذي تزيده الأزمة تفاقماً. وهذا يتطلب تطورين: الحصول على أفضل النتائج من النماذج الاقتصادية المتنافسة، وتقوية تكامل السوق عبر تخفيف حدة التنافس الضريبي. وبينما بدأ التطور الأول، فإن الثاني ليس حتى على جدول الأعمال.
لقد أدت الأزمة إلى قيام البلدان التي تتبنى الأنموذج الأنجلو ـ سكسوني، كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإيرلندا، بإعادة النظر في بعض جوانب هذا الأنموذج. فلعلها اعتمدت أكثر من اللازم على آليات السواق وأقل من اللازم على التنظيم والضوابط، وتوسعت أكثر من اللازم في صناعتها المالية، بينما أهملت التصنيع ولم تول عناية كافية لعدم المساواة ولأنظمة الرخاء.
وهي تنظر الآن بمزيد من الاحترام، وكذلك تفعل الصين، إلى بلدان أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا، تتبع منذ وقت طويل نماذج اقتصاد السوق الاشتراكية. ولا ينبغي للأنجلو ـ سكسون أن يشعروا بالحرج من تحولهم الجزئي لهذا الأنموذج. ولا ينبغي للبلدان التي تتبع أنموذج السوق الاشتراكية أن تتمادى في أنموذجها بسبب هذا الإطراء. فقد ترتب عليها في العقد الماضي أن تسير باتجاه الأنموذج الأنجلو ـ سكسوني، عبر إدخال إصلاحات اقتصادية كي تزيد من قدرتها التنافسية. وعليها أن تواصل القيام بذلك.
إن التقاء النماذج المحلية بعضها بعضا في منتصف الطريق يتيح للمجتمع الدولي فرصة سياسية غير متوقعة. ورغم أن هذه الفرصة لم تحظ فيما يبدو باهتمام صانعي السياسات، إلا أن من شأنها أن تمكن الاتحاد الأوروبي ومجموعة العشرين من مواجهة التحديات الاجتماعية المتزايدة وحماية التكامل في الوقت نفسه.
ففي الاتحاد الأوروبي يوجد لكل مجموعة من البلدان مصدر قلقها الرئيسي. فالبلدان الأنجلو ـ سكسونية والدول الأعضاء الجديدة في الاتحاد الأوروبي غاضبة، وهي على حق في ذلك، من بلدان السوق الاشتراكية ـ خاصة فرنسا، ومعها ألمانيا وبلدان أخرى أيضاً – لأنها تتخذ بصورة متزايدة موقفاً يتسم بعدم التسامح مع اللوائح الحالية للسوق الواحدة (بما فيها لوائح المنافسة والمساعدات التي تقدمها الدولة) ناهيك عن تطويرها.
وتشكو بلدان السوق الاشتراكية، وهي على حق كذلك، من أن المعارضة القائمة منذ عهد طويل من جانب البلدان الأنجلو ـ سكسونية لأي شكل من أشكال التنسيق الضريبي تجعل من الصعب عليها أن تحقق الأهداف الاجتماعية من خلال ميزانياتها. فالعائدات الضريبية التي تقلصها المنافسة الضريبية لا تسمح في كثير من الأحيان بتمويل البرامج الاجتماعية. إلى ذلك، فإن القواعد الضريبية المتنقلة - رأس المال، الشركات، والمهنيين المهرة - عرضة للانتقال إلى البلدان ذات أنظمة ضريبية أفضل، ما يدفع المعدلات الضريبية إلى أدنى مستوياتها بسبب هذه المنافسة. أما العمالة فتتحمل عبئاً متزايداً لأنها أقل قدرة على التنقل.
ولتجنب الاحباط في كلا مجموعتي البلدان، ما يؤدي إلى الاستياء من أوروبا بشكل عام ومن السوق الواحدة بشكل خاص، ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن ينتهز هذه الفرصة لإيجاد حل وسط. وينبغي على المفوضية أولاً أن تواجه المجلس، والبرلمان الأوروبي، والرأي العام بتقييم واقعي ـ مقلق بعض الشيء ـ لمستقبل التكامل الأوروبي في ظل تنامي الوطنية الاقتصادية. ويتعين عليها بعد ذلك أن تقترح إبرام اتفاقية استراتيجية تتألف من عنصرين.
الأول، تحديد الالتزام بالسوق الواحدة، بما في ذلك تعزيز آليات ومبادرات التنفيذ، مع تحديد مواعيد نهائية لتنفيذ السوق الواحدة في المجالات التي ما زالت تفتقر إليها.
والثاني، اتخاذ تدابير محدودة للتنسيق الضريبي لا تهدف إلى الانسجام الضريبي الكامل (كونه غير ممكن ولا ضروري) لكنها تهدف إلى تمكين الدول الأعضاء من الاحتفاظ بسيادتها الضريبية عبر العمل معاً على بعض نواحيها. أما إذا فضلت هذه الدول أن تدافع بصورة فردية عن مبدأ السيادة الضريبية، فستواجه الحقيقة الواقعة المتمثلة في تبخر سيادتها الاسمية جراء التنافس الضريبي الذي لا يحكمه أي قيد.
يمكن أن تبدأ البلدان الأنجلو ـ سكسونية والدول الأعضاء الجديدة بالتنسيق الضريبي (الذي ربما تحتاجه على أية حال مع اعتزامها زيادة الاهتمام بالرخاء) لكن عليها أيضاً أن تؤمن مستقبل السوق الواحدة. ستشعر بلدان السوق الاشتراكية بوطأة السوق الواحدة الفاعلة، لكنها ستكسب هوامش أكثر تمكنها من متابعة الأهداف الاجتماعية دون أن تضطر لتمزيق لوائح السوق. وستقترب كلا المجموعتين بشكل كبير من البلدان الاسكندنافية التي تجمع بين أبعاد السوق والأبعاد الاجتماعية بصورة أكثر فاعلية. وأخيراً، وليس آخراً، هذه المعاهدة ستعطي قوة دفع جديدة للمشروع الأوروبي المتعثر.
وينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف العمل على موضوع التنسيق الضريبي داخل مجموعة الثماني ومجموعة العشرين. وقرار مجموعة العشرين القاضي باتخاذ إجراءات صارمة بحق بعض الملاذات الضريبية يعد قرارا مهما. لكن القرار يعالج مشكلة التهرب الضريبي فقط وليس مشكلة تجنب دفع الضرائب بالطرق القانونية التي تتواصل على نطاق واسع مع انهماك معظم الدول في التنافس الضريبي غير المحدود مع بعضها بعضا. ولا يمكن أن تتحقق العولمة المحكومة التي تقوم على الأسواق إذا أمعنت السوق في التسبب في تآكل السيادة الضريبية للحكومات. وكي تحقق الحكومات أهدافها الاجتماعية، يجب أن تكون قادرة على استخدام ميزانياتها بفاعلية، وإلا ستسيء استخدام السوق.
ــــــــــ
الكاتب رئيس جامعة Bocconi الإيطالية وكان مفوضاً أوروبياً لشؤون السوق الواحدة، والسياسة الضريبية، والمنافسة. للمشاركة في النقاش اذهب www.ft.com/capitalismblog
