من الواضح أن الأزمة المالية والاقتصادية الحالية تعمل على تنحية كثير من الأفكار الراسخة حول الكيفية التي يفترض بالمجتمعات أن تعالج بها اقتصاداتها. فقد انتفخت الأزمة في ألمانيا لتتحول إلى أسوأ انكماش في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويقول البعض من باب التشخيص، إننا نشهد نهاية العالم المالي كما نعرفه. ولم يمض وقت طويل على نظر البعض إلى فترة ألان جرينسبان، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي، على أساس أنها تحقيق لبرنامج اقتصادي جديد. وعلى سبيل العلاج، دعا البعض إلى إعادة إحياء رأسمالية احتكار الدولة، التي أطلق عليها في بعض الأحيان وصف "الرأسمالية الجديدة". ولابد أن يكون للأزمة أثر مُسْهِل على القطاع المالي، لكن هناك خطر أن تتم المبالغة الشديدة في الاستجابات.
لدينا بالفعل النهج المفاهيمي الذي نحتاج إليه لوضع قواعد ذكية يجب على كل المشاركين في السوق التقيد بها. فمن شأن ذلك تعزيز الشفافية، والصدقية، والثقة. ونعرف كيفية اتباع سياسات نقدية تستهدف تحقيق الاستقرار. ونحن بحاجة إلى إحياء ثقافة الاستقرار والمسؤولية في الشركات. ولابد للحوافز الفردية من مكافأة النجاح في الأجل الطويل، والحؤول دون تجاوزات الأجل القصير، ومعاقبة التهور في الإقدام على المخاطر. ونعرف أن الالتزام بقواعد المنافسة، ودعم الدول، والتجارة، تحمي مكاسب الأجل الطويل من المنافسة، وتحمي التجارة من الحمائية قصيرة الأجل، والانعكاسات الناجمة عن التدخل. وعلى أنظمتنا الاجتماعية حماية المشاركين في الأسواق من عواقب جيشان الأسواق، لكن ليس على حساب مرونة الأسواق. هذه المبادئ هي الأفكار الراسخة لأنموذج اقتصاد السوق الاجتماعي التي بنيت عليه النهضة الاقتصادية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية.
وبالنسبة لإدارة الأزمة في الأجل القصير، وكذلك بالنسبة للقرارات في الأجل الطويل، من الضروري للغاية أن يفهم صانعو السياسة، والمصرفيون، والمستثمرون، والناخبون، بوضوح، ما الذي سار بصورة خاطئة فيما يتعلق بالاقتصاد العالمي. وقد تم تحديد واضح لبعض العناصر التي ساهمت في نشوء الفقاعات الإسكانية والمالية، تمثلت في السياسة النقدية، والنوع الخاطئ من الحوافز في أسواق الإسكان، وانعدام تنظيم المؤسسات المالية، الأمر الذي سمح بظهور النشاط المصرفي في الظل، وكذلك الحوافز غير الملائمة، وأنظمة إدارة المخاطر داخل البنوك، وإخفاق وكالات التصنيف، وكذلك مراقبة الأسواق المالية.
أشار البعض كذلك إلى السعي اللاهث وراء الأرباح، وفورة عالم مالي جديد "خال من المخاطر"، وعدم فهم الأدوات المالية الجديدة. والحؤول دون تكرار المخاطر الخطيرة على مستوى النظام ككل، التي تنتج عن هذه الظاهرة المتأصلة في بني البشر، تتطلب قواعد تحدد حوافز قوية وواضحة.
وبما أن الفقاعات انفجرت وانتشرت آثار أزمة الأسواق المالية إلى الاقتصاد الفعلي، كان لا بد للبنوك المركزية والحكومات، عبر العالم، أن تتبنى إجراءات لاستعادة الثقة في الأسواق المالية وتخفيف آثار الانكماش. وأرى أن من الضروري التركيز على الإجراءات التي تعزز النمو في الأجل الطويل وتحافظ على المسؤولية المالية. وهكذا، فإن صفقة التحفيز الألمانية التي هي الأكبر في الاتحاد الأوروبي، مزجت إنفاقاً حكومياً إضافياً على البنية التحتية، مع تخفيضات ضريبية، ومساهمات في الضمان الاجتماعي. ووافقت الحكومة الاتحادية، في الوقت ذاته، على تشديد قواعد عجزها، وهو أمر المتأصل في الدستور، بهدف ضمان الاستدامة طويلة الأجل للأموال العامة.
ومن الحيوي ألا تصبح الأزمة غطاءً للحمائية الفورية والتدخل، أو أن تؤدي إلى ما هو أسوأ من ذلك، بأن تقود إلى تصاعد لولبي للتدخلات، أو إلى إحياء شامل للسياسة الصناعية. ولذلك، يجب أن تكون كل إجراءات التحفيز غير تمييزية إلى أقصي قدر ممكن، وكذلك أن تستند إلى قواعد. واستطاعت قواعد المنافسة الأوروبية، كجزء متكامل من الدستور الاقتصادي الأوروبي، خدمة أوروبا وألمانيا جيداً لمدة 50 عاماً. ومن المهم للغاية في الوقت الراهن تحديد التوازن الصحيح بين الالتزام بالقواعد والمرونة الضرورية. ولابد من أن يقتصر التدخل كملاذ أخير من منطلق المخاطر على النظام كله، والسيطرة العامة على القطاع المالي. ولأن الحكومة تفتقر في العادة إلى الخبرة الضرورية، والموظفين اللازمين لإدارة الشركات على نطاق واسع، علينا العمل على استراتيجيات الخروج قبل التدخل.
إن دورات الطفرة والتراجع متأصلة في اقتصادات السوق، بحيث لا يمكن منعها بصورة كاملة. والحكومات في الوقت الراهن بحاجة إلى تخفيض مخاطر النظام ككل، دون التقييد غير الضروري للابتكار المالي. ولعل إحدى وسائل ذلك أن نضع في الحسبان البعد الاقتصادي العالمي للأزمة الذي يضرب القطاع المالي. والوسيلة الأخرى هي إصلاح القواعد ووضع قواعد جديدة لهذا القطاع.
ولابد أن لهذا الإصلاح أن يسترشد بثلاثة مبادئ. أولها، ضرورة تعزيز إدارة المخاطر في البنوك، وكذلك دعم وكالات التصنيف والسلطات المالية على المستوى العالمي، للحؤول دون نمو مخاطر النظام ككل. الثاني، حتى يتم الحؤول دون زيادة الخطر الأخلاقي يجب أن تكون هذه الإجراءات النسخة ما قبل النهائية لمعالجة الإخفاق الشامل للبنوك ذات العلاقة، بما يضمن أن تكون الإدارة وحملة الأسهم الطرف الأبرز في التعرض للمساءلة. الثالث، أن القواعد التي يتم تحديدها في المستقبل يجب أن تحاول تغطية كل المشمولين بالنظام في القطاع المالي وأن تتجنب الفجوات التنظيمية.
تعمل الأزمات المالية في العادة على استقطاب النقاش السياسي. واستخدام أموال دافعي الضرائب لإنقاذ المؤسسات المالية التي يحصل مصرفيوها على العلاوات، بينما يتم ترك ضحايا الأزمة للفشل، يمثل تحدياً لقدرة السياسيين على تفسيره. إن شرح السياسة الاقتصادية، وإنجاز حلول طويلة الأجل وذات صدقية، وتقديم فرص اقتصادية متساوية للمواطنين، هي الشروط المسبقة لمستقبل جيد للاقتصادات على اختلافها، أوروبية قارية، أو أنجلو- ساكسونية.
ـــــــــــ
الكاتب وزير الاقتصاد الألماني.
