أثبتت قمة مجموعة العشرين أن العالم يتسم بتعدد الأقطاب على نحو أكثر – غير أن نقل القوة الاقتصادية صوب الشرق سوف يثير التوترات
ربما يستغرق الأمر شهوراً للاكتشاف ما إذا كانت الإجراءات التي اتخذتها قمة مجموعة العشرين التي انعقدت مطلع الشهر الحالي في لندن، كافية لإنقاذ اقتصاد العالم من انكماش مطول، إن لم يكن كساداً. وسوف يتوجب على جوهر قراراتها النهائية أن تقنع أسواق رأس المال، والمؤسسات المالية العالمية، والمستثمرين، والمستهلكين المتواضعين، بأن عليهم البدء بالإنفاق، أو الاقتراض، أو الإقراض، من جديد.
غير أن رمزية الحدث يمكن أن تكون أكثر أهمية من جوهره. فحتى لو كانت بلدان مجموعة العشرين نخبة غريبة ومرتجلة، جمعتها بشكل مبدئي الأزمة المالية الآسيوية التي حصلت في عام 1997، إلا أنها تمثل عنصراً جديداً تماماً في النظام العالمي. فهي ليست مجموعة البلدان السبعة – نادي القوى الغربية واليابان – أو مجموعة البلدان الثمانية (مجموعة البلدان السبعة إضافة إلى روسيا). وإن استخدام مجموعة العشرين في هذه اللحظة تحديداً من الأزمة العالمية هو مؤشر واضح على أن النظام القديم عفى عليه الزمن.
جاء مؤشر آخر قبل أربعة أشهر، عندما قام مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي، وهو جزء من الجهاز الأمني في واشنطن، بنشر توقع مخيف. فالنظام الدولي كما تم بناؤه بعد الحرب العالمية الثانية سوف يكون، كما توقعت الوثيقة، "غير معترف به" بحلول عام 2025، وذلك بفضل العولمة، ونهضة القوى الناشئة، "ونقل تاريخي للثروة النسبية والقوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق".
وأعلنت الوثيقة أن "الأعوام العشرين المقبلة من الانتقال إلى نظام جديد سوف تكون محفوفة بالمخاطر. وسوف تتمحور المنافسات الإستراتيجية على الأرجح حول التجارة، والاستثمارات، والابتكار التقني، والاستحواذ، ولكننا لا نستطيع استبعاد مشهد القرن التاسع عشر المتمثل في سباقات التسلح، والتوسعات الإقليمية، والمنافسات العسكرية".
تمت كتابة التقرير إلى حد كبير قبل أن تصبح القوة الكاملة للأزمة المالية والاقتصادية واضحة تماماً. ورغم ذلك، كان كاتبو التقرير على قناعة بأن "لحظة الأحادية القطبية" للهيمنة الأمريكية غير القابلة للتحدي بعد سقوط جدار برلين كانت تقترب فعلياً من نهايتها. وسوف يكون النظام العالمي المستقبلي "متعدد الأقطاب".
إن الأمر الاستثنائي بشأن اللحظة الراهنة هو أن هناك عدة أحكام جوهرية تحدث في الوقت ذاته. وهذا ما يجعل النتيجة غير قابلة للتوقع للغاية.
إن نهاية الحرب الباردة، إلى جانب سقوط الجدار في عام 1989، فتحا الطريق أمام قوى جديدة للنهوض – الصين والهند تحديداً – وأزالا العوائق الإيديولوجية من أمام العولمة. وارتفعت الهجرة العابرة للحدود. وغيرت ثورة الإنترنت التقنية الاتصالات الدولية، وتدفق المعلومات، والتداول المالي، والوعي السياسي.
وتحول الانهيار في النظام المالي العالمي، الذي لم يكن سببه الوحيد الفقاعة التي انفجرت في سوق القروض العقارية المقدمة إلى ضعاف الملاءة في الولايات المتحدة، وإنما أيضاً انفجار المضاربات المالية في شتى أسواق العالم، إلى انكماش في الاقتصاد الفعلي على نحو سريع. ولم يتم استثناء أية جهة. وتجمد الائتمان في الأسواق، من إفريقيا إلى أوروبا الشرقية.
بدأت تحدث إعادة توازن هائلة في التدفقات التجارية في العالم بين العجز التجاري الأمريكي غير المستدام، والفوائض غير المستدامة بالمثل في الصين والدول المصدرة الكبيرة الأخرى. ولن يبقى المستهلكون الأمريكيون بعد الآن المحرك للنمو الصيني الذي تدفعه الصادرات، كما لم يعد بمقدور المدخرين الصينيين مواصلة تمويل الاقتراض الأمريكي.
في النهاية، هناك التعديل المهم – التعديل الذي سوف يستغرق في العادة عدة عقود لكي يتحقق – الأمر الذي يشير إليه تقرير مجلس الاستخبارات القومي، وهو انتقال القوة من الغرب إلى الشرق، وعلى الأخص نهضة الصين والهند إلى إعادة تولي المركز المهم الذي كانتا تحتلانه عندما كانت أوروبا في العصور المظلمة.
ثمة افتراض في العديد من مناطق العالم بأن "أزمة الرأسمالية" الممثلة بتجمد النظام المالي، سوف تعمل على تسارع التحول الجيوسياسي طويل الأجل، الأمر الذي يبشر بتراجع قوة الولايات المتحدة والنفوذ الأوروبي. وكان اختيار مجموعة العشرين في العام الماضي، كمنتدى لمعالجة الأزمة، بمثابة اعتراف متأخر بأن الصين، والهند، والبرازيل، على أقل تقدير، يجب أن تكون موجودة حول طاولة النقاش. ولكن هل ستوفر مجموعة العشرين قيادة دائمة؟ يبدو أنها تفوح بنكهة الحل الطارئ، وليس بناءً معتبراً.
بادئ ذي بدء، ليست لها أمانة عامة دائمة. وعمل جوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني، بصفته الرئيس الحالي، جاهداً لعدة أشهر مع فريق قليل العدد من الموظفين الحكوميين البريطانيين للخروج بإجماع ما. وكانت هناك انقسامات بين الولايات المتحدة وأوروبا. والأكثر أهمية، هو أنه كانت هناك أولويات مختلفة بالنسبة للبلدان الصناعية والاقتصادات الناشئة. وكان الأمر في غاية الروعة عندما استطاعوا جميعاً الموافقة على رسالة ما.
يقول تريفور مانويل، وزير مالية جنوب إفريقيا: "إنه اتفاق يصلح لكي يجتمع وزراء المالية، ومحافظو البنوك المركزية مرة في العام. وعندما يصل الأمر إلى رؤساء الدول والحكومات، فإن الاختلالات تبرز بشكل واضح".
لكن، على الأقل، كانت هناك مؤشرات قليلة على وجود الشماتة في لندن. فالتوقعات في عامي 2007، و 2008، "بالفصل" بين الاقتصادات التي ضربتها الأزمة في الغرب، والأسواق الناشئة الأقل تعرضها لها، تلاشت تماماً. فالألم عالمي، ويجب أن يكون الحل كذلك أيضاً.
ضربت الآثار الاقتصادية الفعلية للأزمة المالية الأسواق الناشئة بشكل أقسى من الاقتصادات المتقدمة، مع انهيار التدفقات التجارية، والانخفاض الحاد في أسعار السلع. ومن الواضح أن أولئك الذين سوف يتعرضون إلى الضربة الأسوأ هم الأكثر فقراً – على الأخص في إفريقيا – الذين لا يملكون الكثير للاعتماد عليه.
إن الذين تعرضوا إلى الضربة الأقسى في الدرجة الثانية هم منتجو السلع الذين واجهوا دائماً تحديات اجتماعية وديموغرافية كبيرة، مثل روسيا الغنية بالطاقة، وإيران، ونيجيريا، وفنزويلا. وحتى البلدان الخليجية المنتجة للنفط تأثرت أيضاً. وأصبح الجميع معتاداً على عوائد الصادرات والعوائد الضريبية المنتفخة، ويواجهون حتمية إعادة التأقلم.
أخيراً، فإن الاقتصادات الناشئة التي ما زالت في مرحلة انتقالية من الفقر إلى الازدهار – أو من الشيوعية إلى الديمقراطية – علقت في الأزمة الاقتصادية قبل أن تستطيع بناء أنظمة مستقرة من الإدارة، وتقتلع الفساد المنتشر. وتشتمل تلك على العديد من البلدان في وسط وشرق أوروبا التي انبثقت عن الإمبراطورية السوفياتية.
يشكك بعض المراقبين في الآثار الجيوسياسية الناتجة عن أية أزمة مالية. ويقول روبرت كوبر، المدير العالم للشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد الأوروبي ومؤلف كتاب "انفصال الدول: النظام والفوضى في القرن الحادي والعشرينThe Breaking of Nations: Order and Chaos in the 21st Century ": "إن الأحداث الجيوسياسية مثل اختفاء ماو في الصين، أو سقوط جدار برلين، لها عواقب أكبر بكثير من الصدمات المالية. وما عليك إلا أن تنظر إلى فقاعة التقنية في تسعينيات القرن الماضي، فلم تكن هناك عواقب واضحة، أو أزمة سبعينيات القرن الماضي المتعلقة بأسعار النفط. وقد اختفت سريعاً أية عواقب جيوسياسية".
مع ذلك، فإنه يعترف أن هناك أزمتين ماليتين في القرن العشرين – الكساد في الثلاثينيات، والانهيار الاقتصادي في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية – كان لهما نتائج مهمة. وأدت الأزمة الأولى إلى نهضة ألمانيا النازية، وانعزالية أمريكا، واندلاع الحرب. أما الأزمة الثانية، الأكثر إيجابية، فنتجت عنها خطة مارشال التي مولت "المعجزة الاقتصادية" في ألمانيا، والانتعاش الاقتصادي في شتى أرجاء القارة، والذي أدى بدوره إلى التأسيس الحتمي للاتحاد الأوروبي.
أدت الدروس من أعوام الثلاثينيات إلى قيام مؤسسات بريتون وودز – البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي – لإحداث النظام النقدي في الدول الصناعية الرئيسة، ونظام إدارة الأزمة الذي استطاع البقاء لأكثر من 60 عاماً. ولكن في يومنا هذا، فإن شرعيتها، ونطاق تمثيلها، موضع تشكيك.
إن الدولة المركزية في التحول الجيوسياسي الجاري هي الصين. وهي أيضاً الدولة الأصعب في فهمها. ويقول مسؤول رفيع المنصب في صندوق النقد الدولي: "إنهم يريدون كل شيء، ولا شيء. وإن ما يريدونه في واقع الأمر هو أن يكونوا من بين اللاعبين الكبار. وسوف تكون السنوات العشرين إلى الثلاثين المقبلة، حقبة الولايات المتحدة والصين، وهم يستعدون لهذه اللعبة".
تريد بكين حصة أكبر من الأصوات في صندوق النقد الدولي، لكي يعكس هذا اقتصادها المتنامي بسرعة. ولكن قبل مؤتمر مجموعة العشرين، لم تكن تريد أن تساهم بشيء من احتياطياتها الهائلة الأجنبية من أجل زيادة موارد الصندوق، لأن الصين ما زالت بلداً فقيراً قياساً إلى دخل الفرد. وفي نهاية الأمر، أعلن براون أن بكين سوف تساهم بمبلغ 40 مليار دولار، إلى جانب 100 مليار دولار من كل من الاتحاد الأوروبي، واليابان، كجزء من مبلغ 500 مليار دولار الإجمالي. ويقول بوبو لو، من مركز الإصلاح الأوروبي في لندن، ومؤلف كتاب "محور الملائمة Axis of Convenience ": "إن الأزمة تؤكد أن الصين لاعب عالمي مهم، وربما هي ليست قوة عظمى بعد، ولكنها سارعت في هذا الاتجاه".
إذا كانت الصين فائزاً حذراً، فإن روسيا هي الخاسر الأوضح من الجيشان. وألغى اختيار مجموعة العشرين كمنتدى للأزمة وليس مجموعة الثمانية، المركز المتميز لروسيا بصفتها الغريب الوحيد على الطاولة ذاتها التي تجلس عليها أغنى البلدان. وفي مجموعة العشرين، فإنها مجرد دولة واحدة من بين العديد من الاقتصادات متوسطة الحجم، مثل كوريا الجنوبية، وتركيا.
لكن ضعف روسيا أكثر جوهرية. فربما يرتفع أو ينخفض سعر النفط، ولكن الأزمة كشفت فشلها في التنويع خارج نطاق قطاع الطاقة. ومؤسساتها المالية لا تتسم بالكفاءة، ونظامها القضائي فاسد. وفي الأجل الأطول، فإنها تواجه أزمة ديموغرافية مزمنة، على الأرجح أن ينتج عنها نقص حاد في العمالة في العقدين المقبلين.
ماذا عن باقي أوروبا في النظام العالمي الجديد؟ مثل روسيا، فإن أعداد السكان في القارة تتقلص، إضافة إلى تقدمها في السن. والنمو البطيء أمر حتمي، على الرغم من أن معظم الاقتصادات الأوروبية الغربية لديها الاحتياطيات، وشبكة الأمان الاجتماعي لكي تتكيف مع الانكماش. ولا ينطبق هذا الأمر على بلدان أوروبا الشرقية.
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن الخطر يتمثل في أن ينهار التضامن داخل الاتحاد، حيث تقوض الحمائية الاقتصادية المتسللة السوق الموحدة، وتبدي الدول الأعضاء الأقدم في الاتحاد رفضها لإنقاذ الدول الأعضاء الجدد التي تواجه أزمات اجتماعية حادة، مع تجمد الائتمان البنكي والاستثمار.
إن النتيجة التي خرجت بها مجموعة العشرين – تعزيز المؤسسات المالية الدولية، وتأكيد كبير على التنظيم – هي ما تريده أوروبا. ولكنها ربما تكون نعمة مختلطة. فمن ناحية، يملك الأوروبيون صوتاً قوياً في المؤسسات، على الأخص صندوق النقد الدولي. ولكن سوف يتوجب عليها التنازل عن بعض من ذلك النفوذ مقابل مساهمة الصين، وتمثيل البلدان النامية الأخرى.
أما بالنسبة لمجموعة العشرين ذاتها، فإن انسجام المجموعة غير مستقر. ولكن الأمر الذي يبدو واضحاً هو أنه دون وجود توجه حازم من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة الخاصة بباراك أوباما، فإن النتيجة كانت ستكون أكثر ضعفاً. فواشنطن هي التي أرادت زيادة موارد صندوق النقد الدولي إلى ثلاثة أضعاف. وكان الاتحاد الأوروبي سعيداً لمضاعفتها فقط. ولعب أوباما دور الوسيط.
كان نيكولا ساركوزي، رئيس فرنسا، هو الوحيد الذي أصر في الأسبوع الماضي على أن الأزمة فرضت زوال "الرأسمالية الأنجلو – ساكسونية". ومع ذلك تشير الخبرة إلى أنه من بين جميع البلدان المتأثرة، فإن الولايات المتحدة هي الدولة التي لديها المرونة الأكبر، والقدرة على التعافي بسرعة. ويبدو الاتحاد الأوروبي واليابان، عالقين في نمو متباطئ، وديموغرافيات متراجعة.
أما بالنسبة للصين، فإن شرط التكيف، من نمو تدفعه الصادرات، إلى توسع جذري في الطلب المحلي، يمكن أن يمثل تحدياً سياسياً هائلاً. وعلى الحزب الشيوعي أن يؤيد وجود نمو أسرع للطبقات الوسطى، بأكثر مما استعد له.
ربما يكون هناك نظام عالمي جديد يحل محل القديم – ولكن الطريق سيكون وعراً للغاية.

