هكذا إذن، باراك حسين أوباما زار أوروبا. في لندن أنقذ اقتصاد العالم. وفي ستراسبورج عالج حلف الناتو. وفي براغ حرر العالم من الأسلحة النووية. وفي أنقرة صالح الإسلام مع الغرب. وفي اليوم السابع عاد على متن الطائرة الرئاسية واختفى في السماء الصافية.
هل كان ذلك كله حلماً؟ أخشى أن يكون الأمر كذلك.
على عدة أصعدة، الجولة الأولى للرئيس الأمريكي الجديد في أوروبا كانت نصراً في واقع الأمر، إذ كان أوباما بليغاً، وطموحاً، وفاتناً. ويتميز أسلوبه الشخصي بلمسات من سمات الإمبراطور، ومن نجم الروك، لكن بتواضع جذاب ليس شائعاً في أي من المهنتين.
في حين كانت طريقته مسترخية، أظهر أوباما أيضاً على نحو ثابت ميلاً غريزياً نحو العمل الجريء، الذي بدا أنه خارج نطاق القادة الأوروبيين الذين اختلط معهم. فهو يريد إلغاء الأسلحة النووية، ويهز اقتصاد العالم ليعود إلى التعافي، ويضاعف الجهود من أجل كسب الحرب في أفغانستان.
وهكذا، أبلى أوباما بلاءً حسناً للغاية فيما يتعلق بالأسلوب والطموح في جولته الأوروبية. لكن هل يمكن أن يحقق الجوهر؟ هنا يجب أن يكون القرار موضع شك أكبر – لأسباب تتعلق أكثر بالصعوبة البالغة للوضع الذي ورثه، وليس بسبب أية أخفاقات محددة من جانب الرئيس الجديد.
#2#
كانت هذه الفجوة بين الطموح والواقع واضحة في كل مرحلة من مراحل الجولة الأوروبية لأوباما. وتم الترحيب بنتيجة قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في لندن بقفزة كبيرة في الأسواق. فالجميع يريد أن يصدق أن زعماء العالم، بحثٍ من أوباما، يمكنهم معالجة اقتصاد العالم.
غير أن رسالة مجموعة العشرين تستحق أن تعامل بتشكيك معتبر، إذ إنها لا تفعل الكثير لمعالجة الأزمة المهمة في النظام المصرفي وأسواق الائتمان. ويشير التاريخ إلى أن نتائج هذه القمم العالمية الكبيرة يتم تجاهلها في الغالب. ووعد الزعماء أنفسهم بالابتعاد عن الحمائية التجارية في القمة الأولى لمجموعة العشرين التي انعقدت في واشنطن في العام الماضي، لكن منذ ذلك الحين معظم البلدان المعنية أقرت تدابير حمائية.
تم أيضاً، وبهدوء تام، التخلي عن وعود كبيرة بزيادة مساعدات التنمية التي أبدتها مجموعة الثماني قبل ثلاث سنوات. إن الرسائل التي خرجت بها القمم العالمية لا تملك قوة قانونية – ولا الكثير من النفوذ السياسي أيضاً.
كانت نتائج قمة الناتو في ستراسبورج مخيبة للآمال أيضاً. وأبدى الأعضاء الأوروبيون في الحلف استعدادهم معاً لإرسال نحو خمسة آلاف جندي آخر للحرب الأفغانية. لكن سيتم إرسال ثلاثة آلاف من هؤلاء بشكل مؤقت فقط لتوفير الأمن خلال الانتخابات الأفغانية التي تجري في آب (أغسطس). وفي المقابل، ترسل الولايات المتحدة نحو 21 ألف جندي آخر لمقاتلة طالبان والقاعدة. والنتيجة أن الحرب في أفغانستان يقودها ويخوضها الأمريكيون بشكل متزايد.
لم يكن أوباما راغباً في التأكيد على هذه النقطة في ملاحظاته الختامية بعد قمة ستراسبورج. وكما هي الحال فيما يتعلق بالحرب في أفغانستان ذاتها، يبدو أن استراتيجية أوباما للناتو تعلن النصر وتمضي قدماً. لكن من الصعب المجادلة بالقول إن التحالف الغربي في حالة أفضل بعد اجتماع قمة الأسبوع الماضي.
أنعشت خطة الرئيس في براغ الرؤية الملهمة لعالم خالٍ من الأسلحة النووية. وتم إلقاؤها على خلفية الاختبار الصاروخي لكوريا الشمالية – وهو حدث أكد وقوض، في الوقت ذاته، النقاط التي كان أوباما يحاول توضيحها.
فمن ناحية كان إطلاق كوريا الشمالية الصاروخ بمثابة توضيح دقيق لضرورة نزع الأسلحة النووية – وهو موضوع أصبح غير تقليدي منذ نهاية الحرب الباردة. ومن ناحية أخرى أثبت الاختبار أن هناك لاعبين مهمين في هذه الدراما، ممن هم حصينين أمام الأسلوب الهادئ، والعقلاني، والمسالم الذي جعله أوباما سمته الخاصة.
برزت المشكلة ذاتها أثناء المسار التركي من الجولة. فمنذ أن فاز بالانتخابات، كان أوباما يفكر في إلقاء خطاب كبير موجها للعالم الإسلامي. وكان مساعدوه يفكرون في الحد الذي يمكن أن يمضي إليه، كي يعتذر عن التصرفات الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط – مثلا، دور الولايات المتحدة في الانقلاب الذي حدث عام 1953 وأدى إلى عزل حكومة منتخبة على نحو ديمقراطي في إيران.
خلال الحدث، تضمن خطاب أوباما في البرلمان التركي فقرة مختصرة، لكن بليغة، عن الإسلام والغرب. وكانت معظم ملاحظاته موجهة مباشرة إلى الأتراك أنفسهم، في الوقت الذي حاول فيه دعم تحالف أمريكي رئيسي كان في حالة سيئة للغاية.
وبدا أن الخطاب مضى على نحو جيد. لكن حدث دمار بالغ بسبب الحرب العراقية، وسنوات بوش، وعلاقة تركيا المتردية مع الاتحاد الأوروبي، بحيث إن أوباما يواجه مهمة كبيرة. وأظهر استطلاع للرأي أجري لصندوق مارشال الألماني في الشهر الماضي أن نسبة 8 في المائة فقط من الأتراك كانوا يفضلون وجود قيادة أمريكية في الشؤون العالمية.
عندما فاز أوباما بالرئاسة، رحبت مجلة "أونيون" Onion وهي مجلة ساخرة، بنصره بعنوان رئيسي يقول: "رجل أسود أُعطي أسوأ وظيفة في البلاد". وبمراقبة تقدم أوباما في شتى أرجاء أوروبا خلال الأسبوع الماضي، بدا هذا تلخيصاً معقولاً للحالة.
إن الرئيس الأمريكي الجديد يواجه كارثة اقتصادية في وطنه، ومأزق حرب في أفغانستان، وأعداء لا يمكن توقعهم في أماكن مثل كوريا الشمالية، وحلفاء لا يمكنهم المساعدة إلى حد كبير في أوروبا. وفي الأسبوع الماضي رسّخ أوباما الانطباع بأنه موهوب بشكل غير عادي، وسياسي ذكي. لكن هذا لا يعني أنه سينجح. وربما أنه الرجل المناسب في الوقت الخطأ.


