الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

إذا كان هنالك شيء واحد على الجميع أن يتعلمه عن "وول ستريت" الآن، فهو أن أهم عقد مالي يحرص يحرص المتداول بشدة على التحوط له بصورة ملائمة، وضمان كونه رابحاً في الأجل الطويل، وكذلك في الأجل القصير، هو عقد توظيفه.

نسي تيم جايثنر، وزير الخزانة بجهل، هذه النقطة حين وافق على مبلغ 30 مليار دولار أمريكي إضافي كدعم حكومي للمجموعة الأمريكية الدولية في الشهر الماضي. ولذلك فإنه يصارع الآن لكي يتمكن من الصمود والاستمرار أمام اضطراب واشنطن العظيم.

لدى جايثنر مبرراته لهذا السهو، نظراً لأنه كان يحاول إنقاذ بقية النظام المالي في الوقت ذاته، كما أن لديه عدداً قليلاً من كبار المسؤولين لكي يساعدوه في ذلك.

مع ذلك، فبصفته شخصية من "وول ستريت"، فإنني أنظر إليه بهذا المنظار لأنه اعتاد أن يعمل على مرمى حجر من شارع الخزي في الاحتياطي الفيدرالي لمدينة نيويورك. وعليه، فإنه كان من المفروض أن يعرف أكثر من مجرد غض النظر عن 165 مليون دولار دفعتها المجموعة الأمريكية الدولية "كمكافآت نهاية خدمة" لأولئك الذين تسببوا في إخفاقها.

من خلال الرسائل التي كتبها جايثنر، وإدوارد ليدي، الرئيس التنفيذي للمجموعة الأمريكية الدولية، منذ أن أصبح هذا الأمر فضيحة عامة، يمكن للمرء أن يتخيل نبرة المناقشة التي دارت بين الرجلين في الأسبوع الماضي حين أخبر ليدي، جايثنر بأنه كان يرسل الشيكات.

كان على أحد طرفي خط الهاتف جايثنر الذي ذهل من كيفية التمكن من تغطية الأمر عليه، مرة أخرى، من جانب المتداولين المخادعين . وأما على الطرف الآخر، فكان ليدي الذي أزعجه أن يتمكن السياسيون، والمنظمون، وأندرو كيومو، مدعي عام نيويورك، من قراءة تفكيره مسبقاً.

إنني أتعاطف مع ليدي الذي لا يحصل على راتب كبير، كما أنه غير مسؤول عن الإخفاق الكامل للمجموعة الأمريكية الدولية . وهو يفعل كل ما يستطيعه للتخلص من كل الفوضى ، بينما يجأر الموظفون العاملون بأصوات هواتفهم في أذنه، ويقترح تشك جراسلي، السيناتور الجمهوري، بكل غباء، أن على متداولي المجموعة الأمريكية التكفير عن ذنوبهم بالانتحار. وبعد أن قلنا ذلك، فإن أسبابه الخاصة بدفع العلاوات تشاطر خاصية الأمور التي تعد منطقية داخلياً، ولكنها مضحكة حين يعود المرء خطوة إلى الوراء ليتدارس الإطار العام لذلك. وإن السبب الأول هو أنه كان على المجموعة الأمريكية الدولية دفع العلاوات لـ 370 موظفاً في قسمها الخاص بالمنتجات المالية (التي يطلق عليها كذلك وصف المشتقات والمواد المضحكة)، لأنها وافقت بحماقة في العام الماضي على إصلاح هذا المكون من الأموال التي تدفع لهم لعامين. وكما أبلغ ليدي، جايثنر : "إن الوفاء بالالتزامات التعاقدية هو في صميم ما نقوم به في النشاط التجاري المتعلق بالتأمين ".

أن العقود مهمة بالفعل، ولا تجوز مخالفتها إلا في ظروف نادرة. ولكن إذا أردنا أن نكون جادين، فإن ليدي موجود في منصبه فقط لأن المجموعة الأمريكية الدولية لم تتمكن من الوفاء بعقودها دون أن تفلس. والأكثر من ذلك هو أن مقايضات عجز الائتمان التي أخفقت كتبها الأشخاص أنفسهم الذين يريدون متابعة عقودهم.

إنه يعرف عن عدم قدرة المجموعة الأمريكية الدولية على الوفاء بالتزاماتها، منذ أن قدم تفصيلاً عن التكاليف في الأسبوع المنصرم. والحقيقة هي أن الحكومة مزقت بعض عقود مقايضات عجز الائتمان المزيفة الخاصة بالمجموعة الأمريكية الدولية، ودفعت لأطرافها المقابلة حسب القيمة الاسمية لمستحقاتها، الأمر الذي جعلها تدفع 5.6 مليار دولار لبنك جولدمان ساكس ، و6.9 مليار دولار لبنك سوسيتي جنرال، و2.8 مليار دولار لبنك دوتشه بانك.

أما النقطة الثانية لدى ليدي، فهي أن من الأفضل للمجموعة الأمريكية الدولية الاحتفاظ بالمتداولين الذين كتبوا عقود مقايضات عجز الائتمان، لأنهم هم الوحيدون الذين يعرفونها بما فيه الكفاية، وبما يضمن التحوط لها بصورة آمنة، بينما يتم تفكيكها. وكان بعض العقود من التعقيد، والإعداد المسبق، بما يكفي لجعل المتداول الخارجي مرتبكاً.

إن كثيراً من الناس ، بمن فيهم السياسون الذين لا يهتمون بصورة أو بأخرى بحقيقة الأمر، يرفضون ذلك، ويصفونه بأنه قعقعة صوتية تخدم الذات من جانب "وول ستريت". أما رأيي الشخصي، فإنني أعتقد أن الأمر المرعب هو أن ليدي يمكن أن يكون على حق.

فلنتدارس مضامين هذا الأمر، حيث إننا معتادون الآن على خيار المتداول- أن لدى موظف في بنك استثماري حافزاً للإقدام على مخاطر كبرى من أجل تحقيق الربح. وإذا نجحت استراتيجية تداوله، فإنه يحصل على العلاوة. وأما إذا فشلت، فإن الذي يدفع هو البنك (إن الذي يدفع في النهاية هو دافع الضرائب).

استغل عدد من المتداولين ، بمن فيهم متداولو المجموعة الأمريكية الدولية، خلال السنوات الأخيرة، هذا الأمر بالإتيان بمشتقات كانت مربحة للغاية في الأجل القصير، ولكنها تتضمن مخاطر بالغة التكلفة في الأجل الطويل. ومكن ذلك الأمر المتداولين من التمتع بسنوات عدة من العلاوات الكبرى، قبل أن تصبح فاتورة إهمالهم مستحقة.

خرج علينا متداولو المجموعة الأمريكية الدولية متجددو العبقرية في هذه الآونة بمشتق لخيار المتداول، يمكنك أن تطلق عليه اسم الخيار التربيعي.

كان لديهم حافز ليس للاكتفاء فقط ببيع العقود المالية التي كانت تدر الكثير من الأموال على الفور مقابل مطلوبات طويلة الأجل، ولكن كذلك لجعل هذه العقود معقدة، وغامضة.

سمح لهم ذلك بالحصول على رسوم عالية (الأمر الذي منحهم علاوات كبرى)، كما أنهم جعلهم، إضافة إلى ذلك، أشخاصاً لا يمكن تعويضهم في المؤسسة التي وظفتهم. وإذا كنت مجرد شخص قادر على فهم عملك اليدوي، فإن ذلك يجعلك في وضع مساومة تحسد عليه.

اعتادت بنوك "وول ستريت" على الاعتقاد أن من مصلحتها المالية أن تبقي سوق المشتقات تعمل بصورة مباشرة، وبأرباح عالية، وبأن تظل نشاطات تجارية معقدة. وكانت النتيجة أنها كانت كارثة مالية على كل المشاركين فيها، ما عدا متداولي المشتقات الذي يحققون المفاجآت إثر المفاجآت.

إن إجبار دافع الضرائب على دفع علاوات إضافية إلى من يعيثون فساداً، إنما هو أمر يبعث على السخرية الشديدة، والغضب، والإهانة، إلى آخر ذلك من الصفات، بحيث يمكنك أن تختار من بين قائمة الإهانات الموجهة إلى واشنطن، والمتطايرة فوق رأس جايثنر الذي تعيش سلطته زمناً متردياً.

أما بالنسبة إلى المؤسسات المالية ذات العلاقة بالمشتقات ، فإن الأمر أسوأ من ذلك بكثير ، حيث إن جرها إلى مثل هذا المسار من جانب موظفيها أمر مهين ، كما أنه كان يمارس منذ أن أصبحت شراكات "وول ستريت" القديمة شركات عامة في الثمانينيات (أصبح الأمر كذلك عام 1998 بالنسبة إلى بنك جولدمان ساكس) .

إذا كان هذا الأمر لا يرغمها على تغيير أساليب دفعها للناس، فإنني أشك في أن أي شيء آخر يمكن أن يرغمها على ذلك.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية