مساق إدارة المخاطر الاستثنائي الذي تطور من كتابات عالم الاقتصاد في جامعة شيكاغو، هاري ماركويتز، في خمسينيات القرن الماضي، أحدث رؤى فازت بالعديد من جوائز نوبل في الاقتصاد. وتم احتضانها على نطاق واسع، ليس من جانب الأكاديميين فحسب، وإنما أيضاً من جانب الغالبية العظمى من المهنيين في القطاع المالي والمنظمين العالميين.
لكن في آب (أغسطس) 2007 انهار هيكل إدارة المخاطر. وارتكزت جميع الرياضيات المعقدة وقوة سحر الكمبيوتر بشكل أساسي على مبدأ مركزي واحد، وهو أن مالكي ومديري المؤسسات المالية المتنورين والمهتمين بمصلحتهم الذاتية سيديرونها بطريقة تبقي كابحاً كافياً ضد عدم الملاءة، بقيامهم على نحو نشط بمراقبة رساميل شركاتهم ومراكز المخاطر الخاصة بهم. ولعدة أجيال بدا أن هذا المبدأ صحيح بشكل واضح، لكن في صيف 2007 فشل فشلاً تاماً. ومن الواضح أن مستويات التعقيد التي نفذ بها ممارسو السوق، في ذروة نشاطهم، أساليب إدارة المخاطر وتصاميم المنتجات المحفوفة بالمخاطر كانت عالية للغاية حتى بالنسبة للاعبي السوق الأكثر تطوراً، بحيث لا يمكنهم السيطرة عليها بحصافة.
حتى مع انهيار التنظيم الذاتي، فإن النظام المالي كان سيتماسك لو أن المتراس الآخر ضد المخاطر – نظام الضوابط – عمل بكفاءة تامة. لكن تحت ضغوط الأزمة فشل هو أيضا. وقبل عام فقط، أشارت المؤسسة الاتحادية لتأمين الودائع إلى أن "أكثر من 99 في المائة من جميع المؤسسات المؤمنة استوفت، أو تجاوزت متطلبات الحد الأعلى من المعايير التنظيمية لرأس المال". وأن البنوك الأمريكية منظمة بشدة. ورغم أن أكبر 10 ـ 15 مؤسسة مصرفية لدينا عينت بشكل دائم في الموقع مدققين للإشراف على العمليات اليومية، إلا أن العديد من هذه البنوك أخذت مع ذلك أصولاً رديئة جعلتها تنهار فعلياً. ولم تكن سلطة الخدمات المالية في المملكة المتحدة التي تتلقى الكثير من الإطراء، قادرة على توقع ومنع عملية سحب الزبائن لأرصدتهم التي هددت استمرار بقاء بنك نورثرن روك. أما لجنة بازل التي تمثل السلطات التشريعية للأنظمة المالية الرئيسية في العالم، فإنها نشرت مجموعة من القوانين المتعلقة برأس المال فشلت في استشراف الحاجة التي انبثقت في آب (أغسطس) 2007 لوجود كوابح كبيرة تتعلق برأس المال.
الدرس المهم هو أن منظمي البنوك لا يمكنهم التوقع بالكامل، أو بدقة، ما إذا كانت القروض العقارية المقدمة لضعاف الملاءة، مثلا، ستتحول إلى قروض رديئة، أو أن فئة محددة من التزامات الدين المضمونة ستتخلف عن السداد، أو حتى ما إذا كان النظام المالي سيتوقف. ويثبت جزء كبير من مثل تلك التوقعات الصعبة أنه خاطئ دون أدنى شك.
#2#
ما يمكن للإشراف والتدقيق، بحسب خبرتي، أن يفعلاه هو وضع وتطبيق متطلبات رأس المال والضمانات والقوانين الأخرى الوقائية التي لا تقتضي توقع مستقبل غير مؤكد. ويمكنهما، وفعلا ذلك في واقع الأمر، وضع حدود أو محظورات على أنواع معينة من الإقراض البنكي، مثلا قروض العقارات التجارية. لكن الأمر منوط بمؤيدي التنظيمات الجديدة أن يعملوا على تحسين قدرة المؤسسات المالية على توجيه مدخرات أي دولة نحو الاستثمارات الرأسمالية التي تتمتع بالحماية القصوى – تلك التي ترفع من مستويات المعيشة. ويفشل جانب كبير من التنظيمات في هذا الاختبار، ويكون في الغالب مكلفاً ويعمل ضد أهدافه التي وضع لأجلها. ويجب أن يعزز التنظيم فاعلية الأسواق التنافسية، لا أن يعيقها. فالمنافسة، وليس الحمائية، هي مصدر النجاح الكبير للرأسمالية على مر الأجيال.
إن التحديات التنظيمية الجديدة تظهر بسبب الحقيقة المثبتة أخيراً، وهي أن بعض المؤسسات المالية أصبحت كبيرة للغاية بحيث لا يمكن أن تفشل، لأن فشلها يثير مخاوف شاملة. ويعطيها هذا المركز ميزة تنافسية خاصة تشوه الأسواق بدرجة كبيرة تتمثل في استغلال ديونها وحقوق ملكيتها. والحل هو وجود متطلبات رأسمال تنظيمية تدريجية، تثبطها عن أن تصبح كبيرة للغاية، وأن تعدل ميزتها التنافسية. وفي كافة الأحوال، لا ينبغي لنا الاستعجال في الإصلاح. فالأسواق الخاصة تفرض الآن قيداً أكبر بكثير مما تفرضه أية مجموعة حالية من المقترحات التنظيمية.
انبثقت رأسمالية الأسواق الحرة من معركة الأفكار بصفتها الوسيلة الأكثر فاعلية لتعظيم الرفاه المادي، لكن تم إخراجها عن مسارها بشكل متكرر بسبب فقاعات أسعار الأصول، والانهيار الاقتصادي النادر، لكن المدمر، الذي يولد البؤس واسع الانتشار. ويبدو أن الفقاعات تتطلب فترات مطولة من الازدهار، وتضخماً مثبطاً، ومعدلات فائدة متدنية لأجل طويل. ولا تظهر الفقاعات المدفوعة بالنشاط في الاقتصادات المرهقة من التضخم، أو غير الناجحة. ولا أتذكر شخصياً فقاعات ظهرت في الاتحاد السوفياتي السابق.
يثبت التاريخ أيضاً أن المخاطر متدنية التقييم – هالات الفقاعات – يمكن أن تدوم عدة سنوات. وكنت شخصياً أخشى "الحماس غير العقلاني" عام 1996، لكن فقاعة الإنترنت مضت قدماً وتضخمت أربع سنوات أخرى. وبالمثل، عبرت عن رأيي الشخصي في اجتماع لجنة السوق المفتوحة الاتحادية عام 2002، وقلت "من الصعب تفادي استنتاج أن طفرة الإسكان الاستثنائية الخاصة بنا (...) التي مولتها زيادات هائلة للغاية في ديون القروض العقارية، لا يمكنها أن تستمر إلى ما لا نهاية في المستقبل". واستمرت فقاعة الإسكان في التضخم حتى عام 2006.
من النادر أن كانت هناك مشكلة تتعلق بتحديد متى تكون المخاطر متدنية التقييم على صعيد تاريخي. وتعتبر فروق أسعار الفائدة على الائتمان أدلة موثوقة. وعلى أية حال، يبدو أن توقع بداية أي أزمة خارج نطاق إمكانية توقعاتنا. ويتم تحديد الأزمات المالية بالتوقف الحاد في أسعار الأصول. غير أن ذلك يقتضي عدم توقع الأزمة إلى حد كبير من جانب المشاركين في السوق. وفي أوائل هذا العقد، مثلا، تم التوقع على نطاق واسع أن الأزمة التالية سيحدثها العجز في الحساب الجاري الأمريكي المستمر، وستسبق انهيار الدولار الأمريكي. ووفقاً لذلك تعرض الدولار إلى ضغوط بيع هائلة. ويبدو أن الارتفاع في سعر صرف اليورو – الدولار من 1.10 في ربيع عام 2003، إلى 1.30 في نهاية عام 2004، أبعد إطلاق الدولار المفترض للأزمة "التالية". وبدلاً من ذلك، وعلى نحو مثير للجدل، فإن التوريق المفرط للقروض العقارية الأمريكية المقدمة إلى ضعاف الملاءة هو الذي أحدث على نحو غير متوقع أزمة الملاءة الحالية.
حالما تظهر فقاعة من بيئة اقتصادية إيجابية بشكل استثنائي، يؤدي الميل الفطري للطبيعة الإنسانية إلى تعزيز حمى التوقعات التي تبني على نفسها وتبحث عن مجالات جديدة وغير مستكشفة. وتم تقسيم الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية إلى التزامات الدين المضمونة، ثم إلى فئات من التزامات الدين المضمونة. وتخلق حمى التوقعات سبلاً جديدة للوصول إلى أن ينهار بيت الورق. فما الذي يسبب انهياره في النهاية؟ الواقع.
يعمل أي حدث على هز الأسواق عندما يتناقض مع الحكمة التقليدية حول الكيفية التي يفترض بواسطتها أن يعمل عالم المال. وتؤدي الشكوك إلى انفصال جذري من جانب مجتمع المال، يقتضي دائماً في الغالب عمليات بيع، ومن ثم أسعاراً أدنى للبضائع والأصول. وبإمكاننا محاكاة النشاط، ومرحلة الخوف من الدورة التجارية. إلا أن مقاييسها مختلفة تماماً. ولم نعمل على الإطلاق بمحاكاة الانتقال من النشاط إلى الخوف بشكل ناجح.
إنني شخصياً لا أشكك في مقدرة البنوك المركزية على تشتيت أية فقاعة. لكن كانت خبرتي هي أنه ما لم تسحق السياسة النقدية النشاط الاقتصادي، مثلا تحطيم دعائم الأرباح أو الإيجارات المرتفعة، فإن إجراءات السياسة لإجهاض الفقاعات ستفشل. ولا أذكر حالة قامت فيها السياسة النقدية المتزايدة بتشتيت فقاعة ما.
اعتقد أن توزيعات المخاطر الأخيرة تشير إلى أن الأسواق بحاجة إلى ما بين 13 و14 في المائة من رأس المال (ارتفاعا من 10 في المائة)، قبل أن يكون محتملا أن تعود البنوك الأمريكية إلى الإقراض بحرية مرة أخرى. لذلك قبل أن نتفحص بعمق بالغ أي نوع من الهياكل التنظيمية الجديدة سيكون من المناسب أن نجد سبلاً لاستعادة نظامنا للوساطة المالية المنهار حالياً.
إن استعادة النظام المصرفي الأمريكي متطلب رئيسي لإستعادة التوازن العالمي. وكان شراء وزارة الخزانة الأمريكية ما قيمته 250 مليار دولار من أسهم الأفضلية من البنوك التجارية الأمريكية بموجب برنامج إنقاذ الأصول المتعثرة (لاحقاً لتخلف ليمان براذرز عن السداد) ناجحاً في تقليل مخاطر عدم ملاءة البنوك الأمريكية. لكن بدءاً من منتصف كانون الثاني (يناير) 2009، ودون المزيد من الاستثمارات من جانب الخزانة الأميركية، تباطأ التحسن. إن استعادة الإقراض البنكي العادي من جانب البنوك يقتضي حقن مبالغ كبيرة للغاية من رأس المال من مصادر خاصة أو عامة. ويشير تحليل الميزانية العمومية المدمجة للبنوك الأمريكية إلى خسارة محتملة تقدر بنحو ألف مليار على الأقل، على أصول البنوك التجارية الأمريكية التي تبلغ قيمتها أكثر من 12 ألف مليار دولار بالقيمة الدفترية الأصلية.
بنهاية عام 2008 تم شطب ما قيمته 500 مليار دولار من الأصول، مع وجود نحو 500 مليار أخرى من الخسائر تنتظر الاعتراف بها. غير أن تمويل الـ 500 مليار الأخيرة من الخسائر لن يكون كافياً لدعم عمليات الإقراض العادية، إذا طلب المستثمرون في مطلوبات البنوك، حسبما أعتقد، ما نسبته 3 – 4 في المائة نقطة كحاجز لحماية معدلات ملكياتهم في معدلات رأس المال إلى الموجودات. ويبدو أن قيمة الحاجة الكلية اللازمة لذلك أكبر بكثير من 850 مليار دولار. ويتم سد بعض النقص بواسطة التدفقات النقدية البنكية المتزايدة. ويمكن أن يوفر تغيير أسعار حقوق الملكية عالمياً جزءاً أكبر بكثير من هذه الاحتياجات. ومع ذلك، يجب سد فجوة عميقة، على الأرجح بواسطة القروض السيادية للخزانة الأمريكية. ومن السابق لأوانه للغاية، تقييم مبادرات الخزانة الأخيرة العامة والخاصة. وكل الأمل أن تنجح في إزالة جانب كبير من العبء الثقيل للأصول البنكية غير السائلة.
الكاتب الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. للمشاركة في النقاش، يرجي زيارة الموقع الإلكتروني:
www.ft.com/capitalismblog


