أكد رجال أعمال إماراتيون أن العالم أجمع ينظر بأمل كبير إلى قمة العشرين التي تستضيفها العاصمة البريطانية لندن خاصة وأنه اللقاء الثاني الذي يعقد على مستوى الدول الصناعية والناهضة لوضع خطة عمل لمواجهة الأزمة المالية لعالمية وخطوطا عامة للحيلولة دون تكرارها.
ويلفت خفان الكعبي رئيس مجموعة " أسكورب " القابضة - عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي في تصريحات لـ"الاقتصادية" إلى أن مجموعة العشرين لم تنشأ الآن بل أطلقت بصورة فضفاضة في عام 1999عقب أزمات سابقة أقل حدة من الحالية, لكن وجود الدول الناهضة في القمم الصناعية باعتبارها "ضيوفا" بقي مقتصرا على جانب من تلك اللقاءات وفيما يشبه تبادل الاستشارة دون إفساح المجال لتدخلها فيما تقرره لدول السبع أو الثمان من خطوط عامة للقطاعات الاقتصادية والمالية والأمنية والسياسية عالميا, لكن الوضع الآن مختلف تماما فوجود الدول الناهضة في مجموعة العشرين وضمنهم المملكة العربية السعودية لم يعد تكملة عددية وإنما أصبح وجودا فاعلا وحيويا ومطلوبا حتى من قبل أعضاء النادي الصناعي.
ورغم أن توجهات قمة العشرين واضحة ومعروفة إلا أن الأولويات في التعاطي معها قد تشكل عائقاً يحد من نجاحها في تحقيق خطوات حقيقية وملموسة في التعامل مع الأزمة بشكل يعيد النمو للاقتصاد العالمي. ومن المشجع جداً أن عددا من الدول أصبحت اليوم تؤمن أن حل الأزمة الراهنة لن يتم إلا بتوجيه ومشاركة دول العالم مجتمعة ولن يتم حلها بالتعامل الفردي للدول الذي قد يزيد من سوئها.
ويؤكد الكعبي أن التفاؤل بنتائج ملموسة لقمة العشرين المرتقبة يعد مشروعا بكل المقاييس والاعتبارات, وخاصة على صعيد وضع ما يمكن اعتباره حجر الأساس لنظام عالمي جديد أكثر توازنا وإنصافا, خاصة كذلك وأن دول الجنوب موجودة بقوة في هذا المحفل لعالمي.مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأزمة العالمية الحالية تجاوزت حيز العلاقات والممارسات المالية إلى العقبات والممارسات الاقتصادية والتجارية فأصبحت تهدد ما يوصف بالقيمة العينية للإنجازات الاقتصادية بالخطر. وعلى سبيل المثال لم تعد مشكلة قطاع السيارات في البلدان الصناعية مثلا مقتصرة على عدم الحصول على قروض من المصارف المالية، بل أصبحت تشمل انخفاض منسوب التصريف، وبالتالي خفض منسوب الإنتاج، مع ما يترتب على ذلك من خسارة للعائدات على مستوى الدولة الصناعية المنتجة، ومن ارتفاع نسبة البطالة فيها، ووصول الأخطار إلى مزيد من القطاعات الاقتصادية ذات العلاقة بصناعة السيارات. ويرى الكعبي أن استفحال الخطر، ووصوله إلى البنية الهيكلية الرأسمالية، يدفع إلى القول إن ما ستطرحه قمة العشرين من صيغ للعلاج لا يجوز أن يبقى في حدود التعامل الجزئي مع بعض الظواهر المرضية للأزمة، ولا بد أن يصل الطرح إلى معالجتها فيما تسبب من أخطار محلية في الدول الرأسمالية نفسها، بما في ذلك مواجهة الانكماش الاقتصادي الذي بات من المحتم أن يكون أعمق مفعولا وأطول تأثيرا من سائر ما كان يعرف بفترات الانكماش والركود مقابل النمو والانتعاش في العقود الماضية, أما الإصلاح بالمعنى التجديدي لنظام مالي عالمي ونظام اقتصادي عالمي، حافلين بالخلل والمظالم، فهو هدف يبقى قائما، ويجب أن تعطى له الأولوية في قمة العشرين.
ويرى الكعبي أن هناك حاجة لبدء العمل على أسس نظام جديد متعدد الأطراف, وهناك ضرورة ألا يكون هذا النظام على نسق مؤسسات" بريتون وودز" العالمية التي أنشئت في منتصف القرن العشرين، هذا يعني أن يكون النمط الجديد قادرا على البناء على خبرات المؤسسات القائمة مثل البنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي وغيرها, ودمج جميع الخبرات معا للتعامل مع التعقيدات الجديدة في مجال الطاقة والتمويل والبيئية والنمو, وأظن أن قمة العشرين يمكن لها أن تبدأ خطوات في هذا المجال.
نأمل أن يخرج قادة كبرى الدول الصناعية والناهضة باتفاق على دعم الاقتصاد العالمي ووضع الخطوط العريضة لنظام دولي جديد وإصلاح الإدارة العالمية, ومن المنتظر والمؤمل بالطبع أن تتمخض القمة عن قرارات في بيانها النهائي في محاولة لحل أسوأ أزمة مالية يشهدها العالم منذ ثلاثينات القرن الماضي, ونرجو كذلك أن تبعث القمة رسائل ايجابية في نواح ثلاث وهي دعم الاقتصاد وتنظيم دولي جديد وإصلاح الإدارة العالمية.
وحول مشاركة المملكة في قمة العشرين يوضح الكعبي أن مشاركة السعودية في القمة سوف يجعلها تشارك في بحث الأزمة من جذورها، وتساهم في وضع الحلول لها، والمساهمة في إعادة رسم النظام الاقتصادي والمالي الدولي الجديد، حيث إن هذا النظام الحالي والذي يعتمد على القطب الواحد قد انهار إلى غير رجعة. كما أن وجود المملكة في قمة العشرين ومساهمتها في رسم خريطة النظام الاقتصادي والمالي العالمي سيعزز مكانتها ودورها كلاعب رئيسي في رسم وتحديد مسار النظام الجديد، وسيعود بفوائد اقتصادية ومالية ومعنوية إضافية عليه وعلى دول مجلس التعاون الخليجي وسائر البلدان الناهضة.
ومن جانبه، يلفت حسام العامري الرئيس التنفيذي لشركة البروج للأوراق المالية إلى أن الهدف الأساسي لقمة تجمع قادة الدول الصناعية الكبرى والدول النامية الرئيسية بحث الأزمة المالية العالمية وسبل التعامل معها للتخفيف من أثرها خاصة في الدول والمجتمعات الأقل فقرا والأكثر ضعفا والتعامل مع الجذور التنظيمية للأزمة, من هنا على القمة التركيز على الدول الفقيرة والأكثر ضعفا لأنها مكشوفة الغطاء تماما حيال تداعيات الأزمة المالية العالمية .
و يرى العامري أن المطلوب ليس فقط الإبقاء على حجم التعهدات الخاصة بالمساعدات لهذه الدول وإنما كذلك زيادة تلك المساعدات خصوصا وأن المساعدات الدولية للتنمية وقيمتها نحو مئة مليار دولار لا تشكل سوى قطرة من مجمل المبالغ التي تصرف للتعامل مع الأزمة المالية.
ويؤكد العامري أن انعقاد قمة العشرين في هذا التوقيت بالذات يعكس تصميم دول المجموعة على تعزيز تعاونها لإعادة إطلاق النمو الاقتصادي العالمي وإصلاح النظام المالي والخروج بخطة عمل تهدف إلى تنشيط الاقتصاد العالمي.
ويشد العامري على أن اجتماع قادة الدول - صاحبة أكبر الاقتصاديات في العالم - وتبنى سلسلة تدابير ذات أولوية قصوى ينبغي إنجازها دون تأخير بهدف استعادة الثقة بالنظام المالي العالمي, وسيبعث ذلك رسالة طمأنة لكل دول العالم وخاصة تلك التي تضررت أكثر من غيرها من تداعيات الأزمة المالية العالمية. ولعل من ابرز مهام القمة المرتقبة الخروج بآليات ملموسة لمراقبة الأسواق العالمية وضمان شفافيتها, ووضع قائمة سوداء بالمؤسسات المالية التي تشكل ممارساتها خطرا على الاقتصاد العالمي, ومؤكد أن الرد على خطر الانكماش ينبغي أن يتفادى التأثيرات السلبية ويدعم الاقتصادات الناشئة والنامية.
ويلاحظ العامري أن القمة تعقد وسط تحذيرات متصاعدة من لجوء بعض الدول إلى إجراءات الحماية الجمركية لمواجهة الأزمة المالية العالمية حيث يؤكد البعض أن أحد مخاطر أزمة كالتي نجتازها الآن هي أن يبدأ البعض باعتماد إجراءات الحماية. لكن لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن تزايد تدخل الحكومات في أسواق المال في بعض الدول له ما يبرره لحماية تلك الأسواق وبالتالي تحصين بعض الاقتصادات الوطنية ضد تداعيات الأزمة المالية العالمية وهذا التدخل "المطلوب" في بعض الظروف لا يتعارض مع مبادئ الليبرالية الاقتصادية التي توفر أفضل سبيل إلى ازدهار دائم.
ويلفت العامري إلى أن كثيرا من المراقبين لا يتوقعون انفراجا كبيرا في أسواق المال عقب هذه القمة لعدة أسباب منها الخلاف في وجهات بين اغلب الدول الأوروبية الكبيرة، ومنها فرنسا وألمانيا، من جهة وبين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة أخرى حول درجة تدخل الدولة لتنظيم عمل الأسواق المالية, فمن جانبها ترى الولايات المتحدة أن الأزمة الحالية لا تمثل فشلا لنظام السوق الحر، وان هناك حاجة لإصلاح النظام لا تغيير الأسس التي يقوم عليها، وتحذر من النظر إلى تدخل الدولة على انه "العلاج الشامل" للأزمة. لكن على الجانب الآخر تدعو فرنسا وعدة دول أوروبية إلى تغيير قواعد اللعبة في النظام المالي العالمي. وكلنا أمل ألا تؤثر خلافات وجهات نظر الكبار في سير أعمال القمة وعلى قراراتها المنتظرة.
ويوضح العامري أن الأزمة المالية العالمية الراهنة, أفرزت الكثير من التداعيات السلبية والآثار التي ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي العالمي برمته، ونتج عنها ركود اقتصادي في معظم دول العالم وانخفاض كبير في أسعار النفط. وقد بادرت دول المجلس باتخاذ عدد من الإجراءات الاحترازية للتخفيف من تلك التداعيات والآثار، بما في ذلك استمرار الإنفاق بمعدلات عالية لتحفيز الاقتصاد، وساعدها في ذلك ما تحقق لها من فوائض مالية خلال السنوات الخمس الماضية، ووجود نظام مصرفي يتمتع بدرجة عالية من السيولة والكفاية في رأس المال، وأوضاع اقتصادية محلية جيدة, على أن تفاقم الأزمة وامتدادها على المستوى العالمي ينذر بأنها قد تستمر فترة طويلة قبل أن تتمكن الاقتصاديات العالمية من تجاوزها.
ويوضح العامري أن ذلك يستوجب أن تتداول دول المجلس الرأي وتتعاون مع المجموعات والتكتلات الاقتصادية والقوى الفاعلة اقتصاديا حول تداعيات الأزمة وسبل تطويقها وتحديد الإجراءات الواجب اتخاذها للحيلولة دون تكرارها, ولعل منبر قمة العشرين خير منصة لطرح وجهة النظر الخليجية والعربية حيال الأزمة من خلال تواجد المملكة العربية السعودية في القمة .
ويؤكد العامري أن دور المملكة العربية السعودية الاقتصادي المتنامي يكمن في كونها العضو الأكبر في منظومة مجلس التعاون الخليجي، وذات أكبر إنتاج واحتياطي من البترول في العالم، إضافة إلى كونها الزعيم الروحي للعالم الإسلامي، وما تتسم به سياساتها من توازن ومسؤولية تجاه الآخرين.وعليه فإن المملكة مؤهلة ولديها القدرة والحنكة والإرادة لأن تلعب دوراً جوهريا وأساسيا في تشكيل النظام المالي والنقدي القادم، وأن هناك فرصة تاريخية، لن تتكرر، في لعب دور رئيسي في المفاوضات التالية لقمة العشرين، التي سيتحدد من خلالها مستقبل العالم الاقتصادي إلى أمد طويل جدا.وعندما تطالب المملكة بإدخال تعديلات جذرية على النظام المالي العالمي، فإنها تطالب بمراعاة مصالح بقية دول العالم والدول النامية جميعا والدول الخليجية خاصة.
