عندما يلتقي قادة أكبر 20 اقتصادا اليوم في لندن لعقد قمتهم الثانية في تاريخ المجموعة، فإن الظروف تختلف كثيرا عن تلك التي كانت سائدة أيام القمة الأولى في واشنطن. ليس لأن الأزمة التي دفعت المجموعة لعقد قمتين في غضون ستة أشهر وربما تكون الثالثة خلال هذا العام، عولجت فهو أمر لم يحدث بعد، وليس لأن الوقوف على قاع تداعياتها قد حصل بالفعل، فالأمر بالنسبة لاتساع نطاقها وتوسع ضحاياها ما زالت تكتنفه الضبابية، بل إن الظروف تتعلق بالخلفيات التفاوضية التي يستند إليها المتحاورون في قمتهم اليوم، فما كان يمثل مستحيلا في قمة واشنطن بات أكثر لينا، إما لأن الصورة باتت جلية فيما يتعلق بالسبب الرئيس خلف حدوث الأزمة وإما بقناعة العواصم التي كانت تمانع في العلاج بحاجتها الآن للحقن بعد أن تزايدت حبات (الدومين)، التي تتساقط دون أن تفلح في تثبيتها بمفردها.
في الولايات المتحدة متغيران يقودان إلى قبول أي طرح إصلاحي من قمة العشرين، أولهما أن هنري بولسون العنيد بشأن الحرية المطلقة للأسواق لم يعد في وزارة الخزانة الأمريكية، وقبل ذلك باراك أوباما الذي تمثل القمة أول مشاركة خارجية له منذ تسنمه القيادة في البيت الأبيض، والرجل الذي انقلب على معظم خطط الإنقاذ التي سنها خلفه بوش ووزير خزانته لن يجد غضاضة في أن يكون أكثر قبولا لإصلاح النظام المالي العالمي وهو إصلاح يجب أن يبدأ من أمريكا، وأوباما عندما يمرر الإصلاح الذي سيتلقاه من أوروبا أو الدول الآسيوية والأمريكية الجنوبية المشاركة في القمة إنما يعزز نهجه في الدعوة إلى ضرورة تفاعل أمريكا مع الآخرين وليس فرض سطوتها عليهم. وإصلاح النظام المالي هو الملف الأول في القمة.
#2#
الملعومات المرشحة من لندن تشير في الغالب إلى أن سقف قرارات لندن سيكون أعلى بكثير من مثيلها في واشنطن، ويظهر أن أوروبا ستضع ثقلها إلى جانب الإصلاح المالي مدعومة برؤية مطابقة من الصين والسعودية على وجه التحديد. وتؤكد كل المعطيات أن العواصم الأوروبية لن تقبل حدودا دنيا من التوصيات، وينعكس ذلك في تصريح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي أعلن أنه سيغادر القمة في حال ظهر له أنها ستقتصر على النقاشات ولن تصل حد القرارات.
في هذا الجانب تقول كريستين لا غارد وزير مالية فرنسا "لن يتسنى لنا استعادة الثقة إلا بالإصلاح الشامل للنظام المالي". وفيما يعكس التوافق بين الرياض والعواصم الأوروبية بل ومعظم عواصم "العشرين" على الحاجة إلى إصلاح النظام المالي، يقول الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية السعودي في حوار أجرته معه "الاقتصادية" قبل أسابيع "عندما نشير إلى الرقابة والإشراف على المؤسسات المالية في العالم، فنحن نعتبر هذا الجانب جانبا تصحيحيا للأخطاء السابقة، التي أدت إلى ما وصلنا إليه من شبه انهيار للنظام المالي الدولي، وهو انهيار طال تأثيره الاقتصاد الحقيقي. وستكون الجهود الرامية إلى رفع درجة الرقابة على المؤسسات المالية موازية لجهود استعادة النمو في العالم على المدى الطويل. ويضيف العساف: هناك بالتأكيد بحث لتشديد الرقابة على المؤسسات المالية، وكذلك تبني معايير محاسبية مناسبة، إضافة إلى أن يكون هناك معايير لمؤسسات التصنيف الائتماني، وهذه الجوانب كافة سيتم بحثها وهي مواضيع طرحت في قمة واشنطن وسيتم استكمالها بالتفاصيل في قمة لندن، وإن شاء الله سيتم التوصل إلى اتفاق حولها.
وفيما لن يكون هناك تكتلات بالطبع داخل قمة اليوم، كما تشير ترجيحات المراقبين، إلا أن ما يوصف بالاقتصادات الناشئة داخل المجموعة تستند إلى سلامة نظامها المصرفي إلى حد كبير في رفع درجة مطالبها بالرقابة على الأسواق. مثلا لم تظهر في السعودية والصين والهند والبرازيل حالات من البنوك المنهارة مماثلة لما يحدث في أمريكا وأوروبا، وبالتالي فإنها ستطرح أمام القمة هذه المعطيات على أنها دليل حيوي على حسن الرقابة.
وإحداث تغيير في النظام المالي العالمي نحو التحسين، فيما يبدو، لم يعد مطلبا للأسواق بل شعبيا، كما أظهر استطلاع للرأي أجرته الخدمة العالمية للـ "بي. بي. سي"، حيث تبين أن أغلبية من شملهم الإحصاء يؤيدون إجراء إصلاح على النظام الاقتصادي العالمي. وشمل استطلاع الرأي 29 ألف شخص من 29 بلدا. ورأت نسبة 70 في المائة من الذين شملهم استطلاع الرأي أن طريقة تدبير الاقتصاد العالمي في حاجة إلى تغيير جذري.
واعترف 62 في المائة بأن الأزمة الاقتصادية الحالية قد أثرت فيهم، وتوقع أكثر من النصف أن تدوم هذه الأزمة لأكثر من سنتين. الاستطلاع تم إعداده عن "بي. بي. سي" "جلوبسكان" وجامعة ماريلاند. وتوحي هذه النسب بأن الشعوب مستعدة لدعم الخطط التي قد تتمخض عنها قمة لندن للتنسيق الاقتصادي العالمي.
لكن أربعة بلدان شملها استطلاع الرأي وتوجد من بين دول مجموعة العشرين - وهي روسيا واليابان والمكسيك والهند - لم تبد ميلا لإدخال تعديلات جذرية على نظام الاقتصاد العالمي. ولم يتضمن استطلاع الرأي أسئلة عن طبيعة التغييرات التي يراد إدخالها على نظام الاقتصاد العالمي؛ بيد أن استطلاعا للرأي أجري في بريطانيا يوحي بأن الأولوية للمحفزات الاقتصادية التي تؤدي إلى إنعاش سوق العمل. ويشير استطلاع الرأي إلى أن البلدان الأكثر تضررا هي البلدان النامي. فأكثر من نصف المستجوبين في مصر وكينيا والفلبين وتركيا قالوا إنهم تأثروا "بقدر كبير" بسبب الانحسار الاقتصادي. وفي المقابل لم يكن تأثير الأزمة الاقتصادية الحالية بالغا إلا لنسبة 3 في المائة من المستجوبين الألمان. ولم تتعد نسبة من تأثروا في ألمانيا تأثرا عاديا يمكن تحمله 26 في المائة. أما أعلى نسبة فيمن تأثروا تأثرا بالغا في الدول المصنعة فتوجد في الولايات المتحدة بـ32 في المائة.
الملف الثاني المنفصل عن أسواق المال، الذي تأكد أنه سيحظى بأهمية في قمة اليوم، هو الحمائية التجارية التي حذرت منها منظمة التجارة العالمية وقالت إنها ستتسبب في خفض التجارة العالمية هذا العام بنسبة 9 في المائة.
وزير المالية السعودي يقول في هذا الجانب متحدثا لـ "الاقتصادية": العالم يخشى في الوقت الراهن من تزايد دعوات "الحمائية التجارية"، وهذه تأخذ عدة أشكال من بينها فرض رسوم أو دعم الصادرات بما يتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية وتتدرج هذه الحمائية وتصل في بعض الأحيان إلى ما يشبه التوصية أو التحفيز لشراء المنتجات الوطنية في بعض الدول ومثل هذه الأمور ربما تلحق بالاقتصاد العالمي أضرارا، وبالتالي ستكون الحمائية التجارية من بين الأمور التي سيتم بحثها في قمة لندن.
وما ينطبق مع الإشارة التي أطلقها وزير مالية السعودية، أن هناك 17 دولة في مجموعة العشرين فرضت نحو 47 إجراء حمائيا (بأشكال مختلفة) منذ انعقاد قمتهم الأولى في واشنطن حتى الآن، وهذه الإجراءات جاءت في إطار معالجة أوضاع اقتصادها مع تفاقم الأزمة العالمية، لكنها تؤدي في نهاية المطاف إلى الإضرار بالاقتصاد العالمي.


