في عمود الشهر الماضي تناولت موضوع الألم الذي ينتظر الأشخاص الذين يجرؤون على تحذير الناس من المصائب المقبلة على الأبواب، وقد أدى ذلك إلى تسلمي رسائل إلكترونية ومكالمات هاتفية من كثير من هؤلاء الأشخاص. وتبين لي أن ألمهم أقسى مما كنت أتخيل.
الأمر لا يتوقف فقط على المضايقة التي يتعرضون لها بعد التشكيك في ممارسات الشركة، أو على الطريقة التي يُدفعون فيها لترك أعمالهم. بل هناك أيضاً المعركة القانونية غير المتكافئة التي غالباً ما تعقب ذلك. الأشخاص الذين ينبهون الآخرين لوجود المشكلات ربما يكون الحق إلى جانبهم، ولكن الجانب الآخر بإمكانه الاستمرار في دفع الأموال للمحامين لفترة أطول. وحين تصل القضايا إلى هيئات التحكيم الخاصة بالتوظيف أو إلى المحاكم، فإن أرباب العمل يؤكدون أن الموظفين الذين رفعوا أصواتهم محذرين إنما تم فصلهم لسوء الأداء، ويستطيعون إخراج كل حالات السهو أو النسيان التي قام بها الموظف لإثبات دعواهم.
ينتهي المطاف بهؤلاء الأشخاص إلى الشعور بالمرارة، والوقوع في الدين والبطالة. قال لي أحد هؤلاء الأشخاص إن نصيحته لأي شخص يفكر في اقتفاء أثره هي: "اعمل معروفاً مع نفسك ولا تحرك ساكناً."
أغلب ظني أن حكاية الشخص الذي يتمرد على الشركة ويتحدى الكبار وينتصر عليهم في النهاية، هذه الحكاية لا تحدث إلا في الأفلام.
معظم الأشخاص الذين اتصلوا بي كانوا يعملون في البنوك، وقدموا لي تفاصيل عن التحذيرات التي أبلغوا بها رؤساءهم وقالوا لهم فيها إنهم يتخذون مخاطر غير مقبولة. أحد الذين أرسلوا لي رسائل إلكترونية، والذي كان يشغل منصباً كبيراً في قسم الالتزام في أحد بنوك التجزئة، كتب لي قائلاً :"كان الفريق العامل لدي يعلم المكان الذي تدفن فيه الجثث، وكان يعلم ما الأسئلة السليمة التي يجب أن تُسأل،أي الأسئلة التي لا يجوز أن تُسأل).
وقال: "وجدنا بسرعة أدلة على عدم الكفاءة الناشئة عن ضعف التدريب وعدم وجود قدر يذكر من الإشراف، وبسبب ثقافة كان الموظفون فيها تحت ضغط هائل للإقراض. وكان الموظفون الذين يتعاملون مباشرة مع الجمهور يعتمدون بصورة لا يستهان بها على تحقيق الأهداف المقررة للإقراض في سبيل تعزيز رواتبهم الأساسية المتواضعة للغاية والحصول على علاوات كبيرة. لقد وضعنا أصابعنا على ثقافة هي في رأينا ثقافة وضعت حاجةَ البنك إلى ضمان الجدارة الائتمانية للمقترض، ومناسبة المنتج واحتمال أن يتم تسديد القرض في المواعيد المحددة، وضعت كل ذلك موضع خطر كبير."
فما الذي حدث حين لفت أنظار إدارة البنك إلى هذه الظاهرة؟ "اصطدمنا بجدار أصم اسمه الاستياء الشديد والإنكار والمراوغة. الحقائق التي قدمناها ردتها الإدارة وواجهتنا بتحديات لإثبات صحتها في أدق التفاصيل. وبعد المراجعة عدنا إليهم وأكدنا ما توصلنا إليه. ولكنهم قالوا لنا هذه المرة إن اللغة المستخدمة في التقرير كانت غير سليمة. وعدنا إليهم بعد أن راجعنا التقرير كلمة كلمة وغيرنا كل عبارة يمكن أن تُفهم على أنها انتقاد شخصي أو أنها غير منصفة. تحدَّت الإدارة النتائج التي توصلنا إليها رغم أنها كانت مبنية على أدلة لا تدحض. ورفضت توصياتنا على اعتبار أنها غير عملية، وغير ضرورية، وأنها ’ضارة لأداء الشركة‘."
حين تساءلت الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي: "لماذا لم ينتبه أحد لهذا الأمر قبل حدوثه؟"، يبدو لي أن الجواب على هذا السؤال هو أن البعض فعل. كان هؤلاء الأشخاص يعملون لدى البنوك، ولكن لم يستمع أحد لقولهم.
بطبيعة الحال ربما يكون الأشخاص الذين اتصلوا بي قد أعطوني وجهة نظر متحيزة. وبعضهم فيما بعد خسر قضيته القانونية أمام الشركة.
الأمر الصحيح هو أنه ليس هناك من هو أقدر على الرؤية بوضوح حين تكون الشركة في وضع صعب من الأشخاص العاملين بداخلها. فهم في وضع يؤهلهم على الأرجح لمعرفة ما يجري على نحو يفوق ما هو متاح للمساهمين والمديرين غير التنفيذيين أو الأجهزة التنظيمية. فالمساهمون يقفون على مسافة من الحياة اليومية للشركة. وهذا هو أيضاً وضع المديرين غير التنفيذيين، الذين يعتمدون على المديرين التنفيذيين لتزويدهم بالمعلومات. أما الأجهزة التنظيمية فإنه يمكن خداعها بسهولة، كما رأينا في حالة برنارد مادوف.
هل يجب أن تكون الأمور على هذا النحو؟ هل يجب أن يتعرض الموظفون المعترضون للتجاهل أو المضايقة؟
هناك تقرير نشره مكتب المراجعة الوطنية في بريطانيا، يعطي وجهة نظر أكثر بهجة. عنوان التقرير هو "مساعدة الحكومة على التعلم"، وهو يتحدث عن وزارات الدولة التي قامت بالأمور على الوجه السليم لأن المسؤولين أنصتوا لمن هم دونهم.
في عام 1999 كانت الصحف مليئة بصور البريطانيين الراغبين في الاستجمام وقوفاً في طوابير تحت المطر لأن نظاماً جديداً لتسيير المعاملات في هيئة الجوازات البريطانية أخفق في إنتاج جوازات سفرهم.
في المقابل، في عام 2006 استمر إصدار الجوازات الإلكترونية (أي الجوازات التي تحتوي على رقائق إلكترونية) دون أية مشكلات. لماذا اختلفت الأمور هذه المرة؟ المسؤولون في هيئة الجوازات تبنوا استراتيجيات جديدة. كانوا يتحدثون عن المخاطر المحتملة في بداية كل اجتماع وليس في نهايته. وكان المديرون ملتزمين "بنقل المعرفة"، أي التعلم من الآخرين وتعليمهم، وكان هذا الالتزام مذكوراً في عقودهم. كذلك كان فريق الجوازات الإلكترونية يعقد اتصالات منتظمة مع وكالات الجوازات التي تطبق برامج مماثلة في خمسة بلدان أخرى.
بدأ المسؤولون الموجودون في القمة بافتراض يقول إنهم لا يعرفون كل شيء، وإن الموظفين الذين يتعاملون مباشرة مع الجمهور والزبائن ربما كانوا يعلمون أكثر منهم.
من الأمثلة التي يوردها التقرير عن قيام المديرين بالإنصات، كانت في الوزارات التي سبق أن عانت، مثلما عانت هيئة الجوازات، من نكسات خطيرة.
التحدي الحقيقي سيكون في العثور على قادة يحسنون الإنصات قبل وقوع الكارثة. هذا الأمر سيكون أشق من غيره. إن الثقة بالنفس هي ما يدفع الناس للوصول إلى القمة، وليس الانفتاح أمام الانتقادات.
ولكن هذه أيام ثورية. جاك ويلش، الرئيس السابق لشركة جنرال إلكتريك، وصف في الأسبوع الماضي حركة قيمة المساهمين على أنها "أكثر الأفكار غباء في العالم." كل شيء يجب أن يكون عرضة للفحص.
هل تستطيع الشركات تطوير أسلوب في القيادة أكثر انفتاحاً، أي أسلوب يجعل الأشخاص المعترضين لا لزوم لهم؟ هذا السؤال بالتأكيد مهم تماماً مثل أهمية إصلاح الأجهزة التنظيمية والرقابية.

