وأخيراً، يبدو أن سكك الحديد في أمريكا الشمالية بدأت تشعر بكامل وطأة الانكماش الاقتصادي، بعد أن تراجعت أحجام الشحن بنسبة 14.5 في المائة في شهر شباط (فبراير) الماضي، مقارنة بالعام الماضي، وأعلنت بعض أكبر شركات السكك الحديدية عن أرقام أسوأ.
يأتي هذا التراجع وسط مخاوف من زيادة تشديد الجهات التنظيمية على شركات النقل، في أعقاب فرض غرامة قياسية على شركات بيرلنغتون، ونورذرن وسانتا في التي تعد ثاني أكبر شركة في هذه السوق، وذلك بسبب الكيفية التي تعاملت بها مع أحد العملاء.
لقد أثبتت أكبر السكك الحديدة في أمريكا وكندا- التي تعرف بكلاس ون Class I في السابق ـ أنها أكثر مرونة من شرائح الاقتصاد الأخرى إزاء التباطؤ الاقتصادي.
قال أنتوني هاتش، محلل السكك الحديدية المستقل، إنه ما زال يعتقد بأن هذه الصناعة سوف تنجو من الانكماش بشكل أفضل من عديد من الصناعات الأخرى. ولكن تراجع حركة القطارات على النحو الذي يجري حالياً حدث آخر مرة في عام 1982.
وقال هاتش: في الربع الرابع، تمكنت السكك الحديدية من تجنب أن تكون جزءاً من العالم الحقيقي. ولكن هذا ليس صحيحاً بالنسبة للربع الأول من عام 2009.
ووفقاً للاتحاد الأمريكي للسكك الحديدية، فإن أشد حالات التراجع العام في شهر شباط (فبراير) الماضي، كانت في عدد السيارات التي تم نقلها بواسطة القطارات، حيث انخفض هذا العدد بنسبة 51.5 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من عام 2008، كما انخفضت مستويات نقل المنتجات المعدنية بنسبة 52.2 في المائة، والحبوب بنسبة 18.7 في المائة.
وجاءت هذه التراجعات انعكاساً لانخفاض الطلب على السيارات وغيرها من البضائع المصنعة، وانعكاساً كذلك لضعف الطلب على الإيثانول، الذي كان دافعاً رئيسياً لحركة نقل الحبوب.
ومنذ شهر شباط (فبراير) الماضي، أعلنت شركة يونيون باسيفك التي تعد أكبر شركات السكك الحديدية من حيث الإيرادات، أن حركة النقل انخفضت بنسبة أخرى قدرها 19 في المائة في الأسبوع الأول من شهر آذار (مارس) المقبل، مقارنة بالأسبوع نفسه من عام 2008.
وفي معرض إعلانه عن أرقام شهر شباط (فبراير) القاتمة، قدم جون جراي، الرئيس التنفيذي للاتحاد الأمريكي للسكك الحديدية، التماساً بأن يكون لهذه الصناعة نصيب من أموال التحفيز الاقتصادي التي ستنفقها الإدارة الأمريكية الجديدة.
وكما هي حال الشركات الخاصة، لم تحصل شركات السكك الحديدية عادة، إلا على جزء يسير من أموال الدولة. وقال جراي: من الواضح أن المناخ الاقتصادي ما زال صعباً جداً بالنسبة للسكك الحديدية وعملائها.
وقد تعمق هذا الوضع القاتم بالنسبة للسكك الحديدية بسب حكم صدر عن مجلس النقل البري، وهو الجهة المسؤولة عن تنظيم عمل هذا القطاع، في شهر شباط (فبراير) الماضي، ضد شركة بي إن إس إف BNSF بسبب شكاوى تقدمت بها ضدها ويسترن فيولز Western Fuels التي تستخدم الشركة المذكورة لنقل الفحم من حقل لإنتاج الفحم في حوض نهر باودر.
وبعد أن كان المجلس قد أصدر حكماً في عام 2007 بأن الرسوم التي تتقاضاها شركة بي إن إس إف BNSF للسكك الحديدة معقولة، أعلن في الشهر الماضي أنه سيطلب من بي إن إس إف BNSF أن تدفع لشركة ويسترن يونيون Western Fuels مبلغ 100 مليون دولار مقابل إصلاحات، وأنه سوف يحدد سقف الرسوم التي تتقاضاها مقابل الخدمة التي تقدمها لمدة 16 عاماً مقبلة، الأمر الذي يفقد الشركة إيرادات مستقبلية قدرها 245 مليون دولار بالقيم الحالية.
سوف يضيف هذا الحكم الذي انتقدته شركة بي إن إس إف BNSF بشدة، إلى مخاوف تنامت في الأعوام الأخيرة من أن الجهات التنظيمية قد تنتهج خطاً أكثر تشدداً، مع شركات السكك الحديدة بشأن مواضيع تتعلق بالمنافسة، بعد أن مكنها الطلب القوي وارتفاع الأسعار في السنوات الأخيرة على أشكال المنافسة، من رفع الرسوم.
وتقول شركات السكك الحديدية إنه بما أن العوائد الخاصة بمعظمها لا تزيد إلا قليلاً عن تكلفة رأس المال، فإن الأسعار غير مغالى فيها.

