في أوقات تختلف عن هذه الأوقات، فإن العرض من جانب المسؤول عن إجراءات ركوب الطائرة سوف يتم قبوله بحماس. ولكن، في وسط أسوأ هبوط اقتصادي منذ الكساد العظيم، ووجود جمهور غاضب، وسياسيين يتمتعون بالشعبية، وصحافة مندفعة تطالب بالتشديد على "تجاوزات" وول ستريت، فإن المصرفي رفيع المنصب توقف للتفكير قليلاً عندما سمع الكلمات الترحيبية المعتادة من جانب موظف شركة الطيران: "سيدي، تم استبدال تذكرتك السياحية بأخرى على الدرجة الأولى. أرجو أن تتبعني."
أجاب في نهاية الأمر، "إنني مرتاح هنا، أشكرك"، وتخلى عن المقعد الأفضل، وفتح فجوة أخرى في درع المعتقدات والممارسات الذي بنته الشركات الأمريكية، ونشرته في شتى أرجاء العالم على مر العقود.
بعد أن كانوا يتلقون الثناء في الماضي كأمثلة للحلم الأمريكي الذي كافأ النجاح بشيكات رواتب كبيرة، وهندام سخي، وإعجاب شعبي، فإن التنفيذيين وشركاتهم علقوا في قبضة عاصفة من شأنها أن تغير قطاع العمل بشكل ثوري. فالتجمد العميق لأسواق رأس المال، والانفجار الداخلي للمجموعات المالية والزيادة التي نتجت عن ذلك في سيطرة الحكومات على القطاع الخاص، دعت إلى التشكيك في بعض أساسات الرأسمالية الأنجلو – ساكسونية.
#2#
إن المبادئ التي طالما اعتقدت بها الشركات – السعي إلى تحقيق قيمة حملة الأسهم، واستخدام خيارات الأسهم لتحفيز الموظفين، واللمسة التنظيمية الخفيفة ذات العلاقة بالإشراف الإداري لمجلس الإدارة – تعتبر مسببات للأزمة، ويبدو من المحتمل أنه سوف يتم إصلاحها بشكل شامل. ويقول جاك ويلش، رئيس شركة جنرال إلكتريك السابق الذي جسد حقبة كان فيها تفاعل قوى السوق غير المقيدة، وهيمنة المسؤولين التنفيذيين، والتركيز الدقيق على العوائد يزيد من تفوق السلطة: "إننا نبحر في مياه مجهولة".
إذا وجد، كما أصبح من الواضح بشكل مؤلم، أن نظام القيمة والمبادئ التشغيلية التي كانت تكشف عن تفكير الشركات منذ نهاية الحرب الباردة على الأقل، ضروري للغاية، فما الذي يجب أن يحل مكانها؟
إن قادة الأعمال يعتبرون من النوع المتفائل فطرياً، ولكن في هذه المرة، فإن قلة تعتقد أن مستقبل شركاتها يكمن بين أيديها. وكان لدور القطاع المالي في التسبب في الصدمات التي هزت اقتصاد العالم تأثير سلبي كبير: لم يعد الجدل بشأن مستقبل إدارة الشركات مقتصراً على مجلس الإدارة. فأصحاب المصالح الذين يتراوحون بين نقابات العمال، إلى المستثمرين الناشطين، والحكومة بحد ذاتها، يطالبون بالحق في وضع حدود على نظام الشركات الجديد. وبحسب كلمات أحد قادة النقابات: "انتهى زمن دكتاتورية الشركات فعلياً. وهذا هو زمننا".
مثل تلك الضغوط، إلى جانب إعادة التقييم الداخلي لأولويات الشركات الذي عجلت به الأزمة، تبدأ في تقويض إحدى الزوايا الرئيسة في صرح الشركات سابقاً: طائفة قيمة حملة الأسهم.
منذ أن جعل ويلش المفهوم شهيراً في خطاب ألقاه في فندق بيير في نيويورك عام 1981، فإن الهدف قصير الأجل المتمثل في مكافأة حملة الأسهم بزيادة الأرباح والتوزيعات في كل ربع، أصبح ترنيمة الشركات في شتى أرجاء العالم. ومع ارتفاع أسعار سهم "جنرال إلكتريك"، والشركات الأخرى التي تركز على قيمة حملة الأسهم، فإن التنفيذيين من شتى أرجاء العالم انتهجوا المبدأ الذي نشره ألفرد رابابورت في كتابه الذي صدر عام 1986، (خلق قيمة حملة الأسهم Creating Shareholder Value): "إن الاختبار النهائي لاستراتيجية الشركة، والمقياس الوحيد الموثوق، هو ما إذا كانت تخلق قيمة اقتصادية للمساهمين".
شجع مديرو الصناديق هذا الموقف، في الوقت الذي جعلتهم فيه الضغوط من جانب مراجعاتهم الربعية، مدمنين على التحسينات الدورية في العوائد وأسعار الأسهم التي وعد بها المبشرون بقيمة حملة الأسهم.
في يومنا هذا، فإن هذا التركيز في مكانه، وينظر إليه الآن على أنه السبب الرئيس للأزمة الاقتصادية العالمية. ويقول جيفري سونينفيلد من كلية يال للإدارة: "كان التعظيم الفوري لقيمة المساهم بحد ذاته قصير الأجل للغاية في طبيعته على الدوام. وكان يخلق وهماً قصير الأجل من خلق القيمة، بالتأكيد على الأهداف الفورية، بدلاً من الاستراتيجيات طويلة الأجل". وحتى ويلش يجادل بالقول بأن التركيز على زيادة الأرباح الربعية فقط كان "أغبى فكرة في العالم. وتعتبر قيمة المساهم نتيجة وليس استراتيجية. وإن مكوناتك الرئيسة هي موظفوك، وزبائنك، ومنتجاتك".
مثل عديد من شخصيات الأعمال الأخرى، فإن ويلش يريد أن تكون مهمة تخطيط مسار جديد بعيداً عن الأجل القصير ملقاة على عاتق المديرين والتنفيذيين. ولكن النقابات، والمنظمين، والسلطات الحكومية، يجادلون بالقول إن الدفع باتجاه التغيير الذي قادته نخبة الشركات ذاتها التي ساهمت في إحداث الاضطراب، لن تزيل التناقضات التي قللت من شأن النظام السابق. ويقول دامون سيلفرز من "أيه إف إل -سي آي أو "AFL-CIO، اتحاد النقابات الأمريكي: "لا نشعر بأنه ينبغي إدارة الشركات لمصلحة المستثمرين والتنفيذيين قصيري الأجل، المنكبين على تحقيق ربح كبير بغض النظر عن المخاطر، وترك دافعي الضرائب والمالكين الحقيقيين لأجل طويل هم الذين يلتقطون الأشلاء".
تجادل النقابات، والمستثمرون "المسؤولون اجتماعياً"، بالقول إن التركيز على الأرباح قصيرة الأجل يجب تبديله، ليس بالتفكير الاستراتيجي طويل الأجل فحسب، وإنما أيضاً بالالتفات إلى قضايا مثل البيئة، واحتياجات الزبائن والموردين. وعلى الأرجح أن تتلقى حركة المسؤولية الاجتماعية للشركات، التي كانت في تزايد قبل الأزمة، زخماً جديداً من جانب اعتراف المستثمرين بأن البحث ضيق الأفق للشركات عن الأرباح، لم يكن الاستراتيجية الأفضل دائماً.
يعارض عديد من قادة الأعمال ما يعتبرونه التطفل المتزايد من جانب الدولة ومجموعات المصالح الأخرى على قدرتهم على إدارة الشركات. ويقول جون كاستيلاني، رئيس الطاولة المستديرة للأعمال، جماعة الضغط التابعة لبعض أكبر الشركات في أمريكا: "إذا كان هناك خطر في الوضع الحالي، فإنه يتمثل في أننا لا نعرف كيفية الخروج من هذه المغامرة الصغيرة في الاشتراكية، بحيث يتمكن القطاع الخاص من القيام بما يفعله بأفضل طريقة – أي الابتكار، والنمو، وخلق الوظائف".
غير أن وصول الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض، مباشرة في أعقاب حصول الحزب الديمقراطي على أغلبية الأصوات في الكونغرس، إضافة إلى المعارضة الجماهيرية المتزايدة لحكم الأثرياء، نتجت عنه فعلياً مكاسب كبيرة للنقابات والمؤيدين الآخرين. كما وافق الكونغرس فعلياً على الإصلاحات التي طالب بها الناشطون والمستثمرون منذ سنوات دون نجاح، مثل التصويت السنوي (رغم أنه غير ملزم) على رواتب التنفيذيين. وهناك إصلاحات أخرى على الطريق، مثل "إمكانية الوصول عن طريق الوكالة"- أي حق حملة الأسهم في تسمية مرشحين لمجلس الإدارة، والتصويت على إخراج المديرين متدني الأداء – بينما تسبب الحد الأعلى للمكافآت الذي تم فرضه على البنوك التي أخذت أموالاً من الحكومة، في قشعريرة في أوصال التنفيذيين.
من شأن هذه الخطوات أن تمد المؤيدين بذخيرة جديدة في أول معركة كبيرة من أجل إعادة تشكيل قوانين لعبة قطاع العمل: مكافآت التنفيذيين. ومن المتوقع أن يحدث فشل نموذج "وول ستريت" عالي المخاطر والمكافآت، تغييراً في جبهتين رئيسيتين: رواتب الإدارة العليا، واستخدام خيارات الأسهم.
بعد سنوات من الرواتب المرتفعة، فإن رؤساء الأعمال في أمريكا يمكنهم أن يتوقعوا الحصول على مكافآت قليلة نسبياً في السنوات المقبلة. وعندما تحرك الهبوط من "وول ستريت" إلى "مين ستريت"، فحتى الشركات التي لم تتلق مساعدة اتحادية، مثل "جنرال إلكتريك" ، و"فيد إكس"، و"موتورولا" ، انضمت إلى الشركات التي تعتمد على دعم الحكومة في تخفيض مكافآت كبار التنفيذيين.
هناك شركات عديدة أيضاً تعيد دراسة الفجوة في الراتب بين التنفيذيين والموظفين الآخرين. وفي أمريكا، فإن الفرق بين مكافأة أولئك الذين يشغلون المناصب الأعلى في سلم الشركة، وأولئك الذين يشغلون مناصب الأدنى زاد بشكل ثابت منذ عقود، ووصل إلى ما يقارب نحو 275 ضعف المعدل في عام 2007، وساهم في زيادة التباين في الثروات في البلاد.
إن جزءاً مهماً من اللوم إزاء الزيادة الصاروخية لمكافآت التنفيذيين، وهوس المديرين بالأهداف قصيرة الأجل، سببه خيارات الأسهم والأشكال الأخرى من الرواتب التحفيزية. وحيث كانت الخيارات حتى الآن أمراً مرحباً به كأداة لموازاة مكافأة التنفيذي مع أرباح حملة الأسهم، إلا أنه تم تجريدها من مصداقيتها بشكل متزايد لأنها كافأت التنفيذيين بسبب الارتفاعات في أسواق الأسهم التي ليست لهم علاقة على الإطلاق بها. وفي قطاع المصرفية، فإن مكافآت نهاية العام من الخيارات والأسهم، كان لها الأثر السلبي الإضافي في مكافأة الموظفين قبل فترة لا بأس بها من استطاعة الشركة أو مساهميها معرفة ما إذا كانت مجازفاتهم أجدت ثمارها أم لا.
أعلنت عدة بنوك عن خطط لاستعادة المكافآت المستقبلية من الموظفين الذين ساءت صفقاتهم في سنوات لاحقة. غير أن السقوط مما يطلق عليه أحد التنفيذيين "حقبة مكافأة أنفسنا بأموال الناس الآخرين" سيتم الشعور به خارج نطاق القطاع المالي. ويبدو من المؤكد أن المنظمين والمستثمرين سوف يعززون الرابطة بين الراتب والأداء طويل الأجل بإدخال مقاييس مثل حجز بيع الأسهم والخيارات إلى ما بعد التقاعد، أو حتى وضع سقف أعلى بشكل مباشر على الراتب.
تحدث فريد سميث، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة فيد إكس، نيابة عن العديد من قادة الشركات في شهر كانون الأول (ديسمبر)، عندما توقع قائلاً: "سوف يكون بعض من المكاسب فائقة الحجم المذهلة التي سببت الأذى للناس أقل احتمالاً بشكل متزايد. وعند مستوى مجلس الإدارة، لن ينظر إلى الأمور على أنها دون أية تكلفة على حملة الأسهم".
سوف تكون مجالس الإدارة بحد ذاتها في مواجهة خط النار. فالخسائر التي عانت منها المجموعات المالية كشفت أن الاعتقاد بأن المديرين كانوا الأوصياء العارفين بمصالح حملة الأسهم، كان اعتقاداً زائفاً- اعتقاد لن يفوت المستثمرين الغاضبين، والمحامين المتعطشين إلى الرسوم. ونتيجة لذلك، فمن المرجح أن تتغير تشكيلة مجالس الإدارة بشكل جذري.
يقول راسل رينولدز، عميد شركات التوظيف الأمريكية، إنه سوف يتوجب على المديرين أن يكونوا أكثر اطلاعاً وابتعاداً عن الأنانية. ويقول: "إن الأيام التي كان المديرون خلالها يلعبون لعبة غولف جيدة، دون أن يدركوا نسبة المخاطر إلى المكافأة في العمل، ذهبت بلا رجعة. ومع ذلك، فإن البيئة الحالية تستدعي الأشخاص الذين يمكنهم تخصيص الوقت للعمل مقابل راتب قليل نسبياً. وإنه عمل خيري في الغالب".
إن المستثمرين مثل بوب بوزين، الذي يدير شركة إم إف إس لإدارة الاستثمارات، يعتقدون أن مجالس إدارات الشركات المدرجة في البورصة يجب أن يصبحوا أكثر شبهاً بمنافسيهم من الشركات التي تملكها شركات الأسهم الخاصة: أصغر، وأكثر فطنة، وكفاءة. ويقول: "إن المديرين في مجالس الإدارة هذه لديهم الخبرة، والوقت، والحافز، لكي يفهموا تماماً قضايا الشركة".
قال في الآونة الأخيرة، جيفري إمليت، الذي ترأس "جنرال إلكتريك" خلال الهبوط في سعر أسهم المجموعة بنحو ثلاثة أرباع القيمة منذ أن خلف ويلش في عام 2001، وشهد أخيراً زوال تصنيفها الائتماني AAA من قبل وكالة ستاندرد أند بورز للتصنيف، وهو يأسف: "كان بإمكان أي شخص أن يدير شركة في التسعينيات. وكان بإمكان أي كلب أن يدير شركة".
لسوء الحظ بالنسبة لإيمليت ومعاصريه، فإن هذه الأوقات ليست التسعينيات، وليست كذلك مثل السنوات العديدة التي تبعت تلك الفترة. وفي الوقت الذي تنهار فيه هياكل الأعمال أثناء الانهيار والتي كان يعتقد أنه لا يمكن تدميرها، فإنه يتوجب على قطاع الأعمال أن يتخلى عن أكثر بكثير من مجرد مقاعد الدرجة الأولى.


