الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 18 يونيو 2026 | 2 مُحَرَّم 1448
Logo

الرياضيات والأسواق

الأحد 29 مارس 2009 4:46
الرياضيات والأسواق

الأسواق + الرياضيات = الفوضى الشاملة. هذه المعادلة تلخص وجهة نظر خاطئة للدور الذي لعبته الرياضيات في الأزمة البنكية، وهي وجهة نظر تكتسب شيوعاً في الدوائر المالية والتنظيمية. مثلا، التقرير الذي نشره هذا الأسبوع اللورد تيرنر، رئيس مجلس إدارة هيئة الخدمات المالية البريطانية، ألقى باللوم على "الاعتماد الذي كان في غير محله على الرياضيات المعقدة والمتطورة" واعتبره السبب في إغواء كبار المسؤولين في البنوك وسقوطهم في إحساس زائف بالأمان بخصوص المخاطر التي كانوا يتخذونها. الأوصاف التي من قبيل "خبير رياضي"، أو "إخصائي متعمق"، أو "عالم صواريخ"، والتي كانت تستخدم على سبيل الاحترام والمودة، أصبحت لها الآن ظلال قاتمة غير محببة.

يغلب على علماء الرياضيات أن يكونوا من النوع الخجول والمتحفظ، مقارنة بالمجموعات المهنية الأخرى. ولم يهب هؤلاء للدفاع عن أنفسهم بصورة علنية، لكنهم في محافلهم الخاصة يشعرون بالغضب الشديد، وهذا أمر لا نلومهم عليه، على اعتبار أن المشكلة لم تكن في الرياضيات نفسها، ولكن في الطريقة التي استخدمتها البنوك بها.

وعلى خلاف رأي اللورد تيرنر، معادلات البنوك لم تكن على درجة كافية من العمق. لجأت البنوك إلى التبسيط المخل وتجاهلت الحدود والقيود التي تحيط بنماذجها الرياضية. فعلت ذلك للإيحاء بصورة وهمية من الصحة والدقة، وبالتالي إقناع السوق بأنها كانت تمسك تماماً بزمام الأمور.

المقياس المعياري الذي تستخدمه الصناعة لقياس المخاطر منذ منتصف التسعينيات، والذي يعرف بتعبير "القيمة عند المخاطرة"، تعرض لانتقادات الرياضيين منذ البداية تقريباً، بسبب الطريقة التي يتم بها الوصول إلى استنتاجات حول المخاطر المقبلة من الأنماط السابقة لحركات الأسعار. نتيجة لذلك كان هناك تقليل هائل للمخاطر الناتجة عن الأحداث التي سببت الزلزال الهائل في البنوك.

الذي حدث بصورة بسيطة كان على النحو التالي: طلبت المؤسسات المالية من المحللين الرياضيين لديها إنشاء نماذج رياضية مفصلة على قدر أسعار السوق، ولا عليك إذا كانت هذه الأسعار خارجة تماماً عن الحد المعقول، في أي تحليل أساسي. نتيجة لذلك، الأسعار الخاطئة قُدَّمت بمساندة من الاحترام العلمي المزيف. وعلِقت الصناعة في "حلقة مغلقة من التغذية الراجعة الإيجابية"، وهي حلقة لم يجرؤ أحد على الخروج منها.

بالنسبة للمستقبل نحن بحاجة إلى قدر أكبر (وأفضل) من التحليل الرياضي ليكون القاعدة التي تقوم عليها البنوك والنظام الرقابي المعزز، والذي سيشرف على أعمال هذه البنوك. بعض الخبرة اللازمة لذلك موجودة أصلاً، في الجامعات، وبانتظار أن يطلَب منها العمل للاستفادة منها.

لكن الرياضيات المالية لا تتلقى التمويل المناسب، رغم أهميتها الاقتصادية، ولا بد لكل من القطاعين الخاص والعام طلب المزيد من الأبحاث في هذا التخصص. مثلا، نحن بحاجة إلى أن نعرف المزيد عن السبيل الذي تؤثر به نفسية الإنسان على نماذج السوق، والمزيد عن السيناريوهات التي تنهار فيها النماذج المذكورة.

في الوقت نفسه يجب أن يصبح كبار المسؤولين في البنوك على اطلاع أوسع بالأساس الرياضي لصناعتهم. والجهل التام "بالصندوق الأسود" الذي توجد بداخله أنظمة التداول المستخدمة في شركاتهم ليست عذراً مقبولاً للفشل.

أخيراً، يجدر بالرياضيين أن يتخلوا عن ترددهم المعهود وأن يدافعوا بقوة عن تخصصهم. في هذه الحالة سيدرك العالم المالي أهمية المعادلة الحقيقية، وهي: الأسواق ناقصاً الرياضيات تعني الفوضى الشاملة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية