غالباً ما أتأمل، وأنا جالس عند بركة السباحة في منزلي الفرنسي في منتون، في العواقب الاقتصادية لعام الثورات في أوروبا، 1848، غير المعروف كثيراً. ففيه حصل مواطنو منتون وروكبرون على الاستقلال عن الإمارة المجاورة، موناكو. وأنهت تلك الثورة ستة قرون من حكم سلالة جريمالدي. وكانت النتيجة حرمان الدولة من أراضيها الزراعية وفقدان سلالة جريمالدي الجزء الأكبر من عوائدها.
دخل الأمير فلورستان في برنامج مع مؤسس المشاريع، فرانسوا بلانك، لاستعادة ثروات العائلة. وقام بلانك ببناء كازينو على تلال مونت كارلو، مقابل القصر الملكي، حيث يمكن للمقامرين أن يمارسوا ألعاب الحظ المحظورة آنئذ في فرنسا وفي كثير من الدول الأوروبية. وبدأ المشروع بداية مهتزة، لكن خطاً جديداً للسكك الحديدية جلب الزائرين من مختلف أرجاء القارة.
أدخل فلورستان وبلانك مفهوم الملجأ، أو الملاذ، في السياسة الاقتصادية. واستطاعت منطقة قضائية صغيرة اجتذاب الشركات، بتطبيقها قواعد مالية، أو تنظيمية أكثر ليبرالية من جيرانها. وكان المهربون والقراصنة يفرضون سيطرتهم على بعض المناطق منذ عدة قرون، لكن أنشطتهم كانت خارج إطار القانون وكل من يتعامل في مناطقهم كان يُقدِم على مخاطرة حقيقية بممتلكاته وشخصه. ويقدم الملاذ الآمن الغطاء الذي تقدمه الدولة الشرعية، بينما يمكّن عملاءه من النجاة من عوامل عدم الراحة التي تسببها الأنظمة، والضرائب، والانتباه غير المرحب به لشؤونهم الخاصة.
ممارسة الأعمال في الملاذات الآمنة أمر مكلف. فقد كانت رسوم القطارات إلى مونت كارلو في القرن التاسع عشر باهظة للغاية. وتكاليف إنشاء شركة تعمل في الخارج، أو صندوق استثماري، في أيامنا هذه جعلت ذلك بعيداً عن متناول الناس العاديين. ولذلك لابد من أن يكون العملاء، والأفراد، والشركات الذين يأتون للعمل في هذه الملاذات الآمنة أثرياء للغاية. وانطلاقاً من أن ذوي السمعة غير الجيدة يقللون من شأن القوانين، بينما يراعي الحريصون على الأخلاق روح ونص القوانين، فإن زبائن الملاذات محترمون، لكنهم ليسوا مواطنين محترمين للغاية. فهم يشملون الأرستقراطيين المقامرين في القرن التاسع عشر، والمتهربين من الضريبة في أيامنا هذه. ولم تتخل موناكو أبداً عن وصف سومرست موجام لها بأنها "مكان مشمس لأناس يعملون في الظل".
ومنذ نشأتها اعتمدت الملاذات الآمنة على نفاق جيرانها الأكبر حجماً، الذين اعترفوا بمنفعة الملاذ الآمن كصمام أمان. ويمكن لسياسي(الدول الأكبر إدانة التجاوزات في جمع الثروات والإعلان عن الحاجة إلى فرض النظام على السلوك غير السوي وغير الأخلاقي، لكن كان بإمكان مواطنيها الأغنياء والمشاهير أن يضمنوا على الدوام أن الانضباط المفروض عليهم ليس مرهقاً للغاية.
يمكن للحكومات أن تجعل حياة الملاذات صعبة، أو تصعّب حياة أولئك الذين يستخدمونها، لكنها نادراً ما تفعل ذلك. وبعد عقود من الحديث بلهجة سلطوية، فإن كل ما لزم هو قليل من الضغط على سويسرا التي هي الملاذ الأعلى احتراماً، والأشد قوة، لإقناعها بتعديل لوائح سرية الحسابات المصرفية فيها. وكان يمكن لكازينو موناكو أن يظل ميتاً لو كانت هناك معارضة مبدئية فعلية من جانب الدول المجاورة. فموناكو منذ ذلك الحين، وكذلك في الوقت الراهن، معتمدة على فرنسا في بنيتها التحتية المادية، وعلى النظام المالي الأوروبي، من حيث بنيتها التحتية المالية. ولو حدث تحرش بسيط بالزوار العائدين، وظهر مزيد من الرفض الحاسم للتعامل مع الشركات التي تعمل في الملاذ، لكتبت النهاية على ذلك المشروع.
يرغب الناس في إنجاز الاتفاقيات وفقاً لقوانين بيرمودا، ليس فقط لأنهم يعلمون أن قوانين بيرمودا لا تختلف كثيراً عن قوانين إنجلترا، لكن كذلك لأنهم يعلمون أن نتائج الاتفاقيات المعقودة وفقاً لقوانين بيرمودا يتم فرضها من جانب المحاكم في إنجلترا. مثل هذا الاعتراف الرسمي هو الاختلاف الأساسي بين التعامل مع ملاذ آمن والتعامل مع المهربين، وهو اختلاف يوجد لأننا نختار تسهيل وجوده.
قليلون هم مديرو صناديق التحوط في سانت جيمس في لندن، أو كونيكتيكت الذين يستطيعون تحديد مواقع مكاتبهم المسجلة على الخريطة. وكثير من الملاذات الآمنة هي جزر، ولذلك نستخدم مصطلح "أوف شور". ويقع معظمها ضمن الدوائر القضائية البريطانية السابقة، أو الحالية، وهي مخلفات عرضية للقوة الإمبراطورية والبحرية. وسمح لتلك المناطق، بل وجرى تشجيعها، على تقليص اعتمادها على مساعدات الحكومة البريطانية، من خلال اجتذاب نشاطات مالية عالمية، حالفها نجاح عظيم في معظم الحالات. ويزيد معدل الدخل السنوي للفرد في جزر كايمان، قليلة السكان، عن معدل الدخل الفردي في البلد الأم.
ولهذا، حين تتورط الملاذات في مأزق، كما حدث أخيراً في جزيرتي تيرك وكايكوس، فإنها ترجع إلى الحكومة البريطانية لتخليصها من ذلك. وإذا كنت تعمل في الجانب الخفي من القانون، كما تفعل الملاذات، فمن السهل عليك الانزلاق خارج حدود التنظيمات. وحيثما يوجد تهرب قانوني من الضرائب والأنظمة، فإن التهرب غير القانوني يكون قريباً من ذلك، إذ من الصعب التمييز بينهما. وحيثما توجد سرية، فإن الدافع يكون في الغالب هو عدم الاستقامة. وحين يكون هناك عدم استقامة، فإن السلوك الجرمي لن يكون بعيداً عن ذلك، ويكون من الصعب تمييزه. وغض النظر عن التهرب من القانون تقويض للقانون ككل.
إن الغضب السياسي في أيامنا هذه ليس إلا تظاهرا فارغا. الملاذات الآمنة موجودة لأن الدول الأكبر تسمح بوجودها. وهي تسمح لها بذلك لأن زبائن تلك الملاذات هم الأغنياء والمتنفذون. كان مرتادو كازينو بلانك في ستينيات القرن التاسع عشر هم الزبائن التقليديون للملاذات. وفي السنوات التالية لعام 2000، الزبائن المرتادون للملاذات هم صناديق التحوط المسجلة في جراند كايمان. فكلما غيرتها ظلت على حالها.

