إذا كانت هناك من حاجة للتأكيد على المتاعب التي تواجهها الصناعة المصرفية في الإمارات، فقد ذكرت وكالة موديز في الأسبوع الماضي أنها تنظر في خفض تصنيف بنك HSBC الشرق الأوسط، نظراً لاحتمال ارتفاع معدلات عدم سداد القروض في الإمارات التي تعتبر أضخم سوق له.
وذكر بنك HSBC الشرق الأوسط أن الغرامات التي فرضها على القروض المعدمة ارتفعت إلى خمسة أضعاف، لتصل إلى 280 مليون دولار بسبب الزيادة الكبيرة في التخلف عن سداد القروض الشخصية التي تساوي نحو 1 في المائة من سجل القروض الإقليمية للبنك.
كان أول ظهور لمتاعب البنوك الإماراتية في العام الماضي عندما خلفت هجرة رأس المال الدولي ثغرة تمويلية لدى المؤسسات المحلية تقدر بـ 55 مليار دولار، لكن السلطات الاتحادية تصرفت بسرعة لدعم النظام المصرفي. وفتح البنك المركزي تسهيلات ائتمانية بمبلغ 50 مليار درهم (13.6 مليار دولار) في حين ذكرت وزارة المالية أنها ستضمن جميع الودائع والقروض التي تقدمها البنوك لبعضها بعضا، وأنها ستودع مبلغاً يصل إلى 70 مليار درهم لدى البنوك.
لكن المشهد استمر في التردي. ورغم عدم فشل أي بنك وعدم حدوث تدافع من جانب الناس على سحب أرصدتهم من أي مؤسسة، إلا أن أزمة الائتمان أدت إلى تراجع شديد في أسعار العقارات وأفقدت آلاف المغتربين وظائفهم. والآن يشعر المحللون بالقلق من خسائر الاستثمارات ومن احتمال تعفن سجلات القروض.
وبحسب ماثيو فوجيل، رئيس دائرة أبحاث أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في باركليز كابيتال: "القطاع المصرفي الإماراتي يعيش في حالة صدمة كبيرة، أزمة كبيرة. هرب رأس المال من البلد وأصبحنا نشعر بالقلق من نوعية ميزانياتها (البنوك) العمومية".
ووفقاً للبنك المركزي، اتسع معدل القروض إلى الودائع في هذا القطاع إلى نسبة 112 في المائة في كانون الثاني (يناير)، الأمر الذي يقلل من قدرة البنوك على تقديم مزيد من القروض، لكنه يزيد حجم سجل القروض إلى 278 مليار دولار والموجودات إلى 400 مليار دولار.
ويتعلق أكبر المخاوف بانكشاف البنوك للسوق العقارية المتراجعة. فبينما تشير التقديرات الرسمية إلى أن نسبة إقراض البنوك للقطاع العقاري تبلغ 20 في المائة - باستثناء البنوك الإسلامية – يقول العديد من المحللين إن الرقم الحقيقي، بما في ذلك القروض غير المباشرة، يمكن أن يكون أعلى بكثير.
فإلى جانب الحجم الكبير للقروض الشخصية وديون بطاقات الائتمان، يقول المحللون إن الأمر يمكن أن يتحول إلى محفظة ديون رديئة.
إن المشهد الضعيف للقروض العقارية، والقروض الشخصية وبطاقات الائتمان يدل على أنها ستتحول جميعاً إلى قروض سيئة الأداء. ومقارنة بالبنوك الأخرى "كانت نوعية موجودات البنوك الإماراتية ممتازة لبعض الوقت، لكن من الآن فصاعداً سنشهد تردياً فيها"، كما يقول جون توفاريديس، المحلل في وكالة موديز.
ويعترف يوسف نصر، رئيس بنك HSBC الشرق الأوسط، بأن حالات التخلف عن سداد القروض ارتفعت بشكل حاد، خاصة في دبي. ويشكل التخلف عن سداد القروض الشخصية النسبة الأكبر لحالات التخلف، بينما لا تزال الشركات مستمرة في السداد رغم قساوة الظروف التي تمر بها.
لكن نظراً لعدم وجود إدارة رسمية للائتمان في الإمارات، يقول نصر إن من الصعب توقع عدد العملاء الذين حصلوا على قروض من مؤسسات أخرى، ما يدمر نماذج حساب المخاطر المعمول بها في البنك.
ويتوقع بنك إي إف جي هيرميس الاستثماري المصري أن تتضاعف نسبة القروض سيئة الأداء ثلاث مرات، لتصل إلى أعلى مستوى لها عند 3 في المائة عام 2010، على افتراض عدم تخلف أي من الشركات الحكومية عن السداد.
وترى عالية مبيض، كبيرة المحللين في باركليز كابيتال، أن هذا التقدير يمكن أن يكون متفائلاً. وتقول: "القروض سيئة الأداء سترتفع إلى أكثر بكثير – وبسرعة أكبر – مما يتوقعه الناس، ولذلك هناك حاجة لمزيد من الأموال".
يشار إلى أنه سبق لأبو ظبي أن ضخت 4.4 مليار دولار من رأسمال الدرجة الأولى في بنوكها، وتقوم البنوك في الإمارات بتحويل شرائح الـ 50 مليار درهم الأولى من الودائع الاتحادية إلى رأسمال من الدرجة الثانية.
وتعتبر الجهات التنظيمية أن رأس المال من الدرجة الأولى هو أفضل أشكال الحصص، لأنه حاجز واق ضد الخسائر. ويمكن استخدام رأس المال من الدرجة الثانية أيضاً لتغطية الخسائر، لكن ذلك يستلزم أن تكون لحملَته سلطة على موجودات البنك، وفي العادة لا يكون رأس المال هذا متاحاً إلى ما لا نهاية.
يقول أحد كبار المصرفيين: "إنه يساعد قليلاً مع وكالات التصنيف لأنها تفضل أن ترى معدلات رأسمال أعلى، ومن الناحية النظرية، عندما تعود أسواق المال إلى وضعها العادي، سيكون أسهل على البنك أن يقترض من الأسواق الدولية".
غير أن وكالات التصنيف تتوخى الحذر. ذلك أن عملية التحويل تعطي البنوك قاعدة تمويل أقوى، لكن تظل هناك مخاوف على القروض الخطرة، كما يقول توفاريديس. "لقد وصل الأمر إلى حقيقة أن البنوك تهيئ نفسها لمعدلات أعلى من التخلف عن السداد".
إن معدلات الكفاية الرأسمالية عالية عموماً مقارنة بالمقاييس الدولية، إذ تراوح من 10 إلى 14 في المائة، إضافة إلى أن الشريحة الأخيرة من الودائع الاتحادية التي تبلغ 20 مليار درهم ستساعد في تحسين الميزانيات العمومية التي من المتوقع أن تكون ضعيفة.
أما الخطر الأكبر الذي يلوح في الأفق فهو إمكانية حدوث تخلف عن السداد من قبل جهة مهمة ذات صلة بالحكومة في دبي. وتصر البنوك على أن انكشافها للمقترضين الضعفاء ولشركات الإنشاءات والشركات العقارية قليل للغاية، لكن يعتقد أن انكشافها للشركات الحكومية في دبي كبير.
ورغم أن معظم المحللين يفترضون أن القرض الذي قدمته الحكومة الاتحادية لدبي أخيرا وقدره عشرة مليارات دولار يدل على أن أبو ظبي ستقف بقوة خلف جارتها، إلا أن المخاوف في ازدياد.
ذلك أن تخلف شركة كبيرة ذات صلة بالحكومة عن السداد في دبي ربما يؤدي إلى وقوع سلسلة مفاجئة من الأحداث، كما يقول محلل بنكي.
لكن عملية للإنقاذ ستكون مكلفة. يقدر سعود مسعود، المحلل في بنك UBS، أن إجمالي المطلوبات الواردة وغير الواردة في الميزانية العمومية والمترتبة على الشركات التابعة لدبي تراوح بين 130 و150 مليار دولار. وتأتي حالات التخلف المتزايدة عن السداد وفواتير العقود غير المدفوعة على رأس مبلغ المديونية المعروفة والمصنفة على الإمارة الخليجية الصغيرة، التي تقدر بمبلغ 80 مليار دولار.

