الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

على السياسات الاقتصادية الجديدة التي تحاول تسريع التعافي اتباع أول مبادئ الطب: عدم الإيذاء.

#2#

أصيبت الرأسمالية بجروح بسبب الانكماش العالمي الذي، لسوء الحظ، سيصبح أسوأ قبل أن يتحسن. وبينما تستمر الحكومات في تقرير كم هو عدد القيود التي ستفرضها على الأسواق، خصوصا المالية منها، فإن دمار الثروة الناجم عن الانكماش يجب أن يوضع في إطار ما حدث من تكوين هائل للثروة وتحسن مستويات الحياة خلال العقود الثلاثة الماضية. ويجب ألا تخاطر الإصلاحات المالية، وغير المالية، بتدمير مصدر هذه المكاسب التي تحققت أيام الرخاء.

#3#

لننظر في الإحصائيات التالية غير العادية حول أداء الاقتصاد العالمي منذ عام 1980. نما الناتج المحلي الإجمالي العالمي الحقيقي بنحو 145 في المائة في الفترة 1980- 2007، أي نحو 3.4 في المائة سنوياً. وما يسمى بالجشع الرأسمالي الذي حفز أصحاب الشركات والعمال الطموحين، ساعد مئات الملايين من الناس على التخلص من الفقر المدقع. ويظهر دور الرأسمالية في تكوين الثروات في ارتفاع دخول الصينيين والهنود، بعد أن تبنوا إصلاحات قائمة على عمل الأسواق (تم ذلك في الصين في السبعينيات، وفي الهند عام 1991). وشهدت الفترة ذاتها كذلك تحسناً في الصحة العالمية، لاسيما في البلدان ذات الدخل الأقل.

طبيعي أن تتخلل أداء الرأسمالية فترات مثل هذا الانكماش وغيره من الانكماشات، إلى جانب عقود من الازدهار. وإذا كان كل اللوم في حدوث الانكماش يقع على الرأسمالية، والحق أنها تستحق نصيباً من اللوم، فإن الخسائر التي سببها الانكماش تعتبر ضئيلة مقارنة بالإنجازات العظمى للعقود السابقة. ولنفترض، مثلا، أن يتحول الانكماش إلى ركود، بحيث يتراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي في الفترة 2008- 2010 بنسبة 10 في المائة، وهي فرضية متشائمة، فإن النمو الصافي للناتج المحلي العالمي خلال هذه السنوات الـ 30 يكون في حدود 120 في المائة، أي 2.7 في المائة سنوياً. وسمح ذلك للدخول الفردية الحقيقية بالنمو بنحو 40 في المائة، رغم زيادة عدد السكان في العالم بمعدل قريب من 1.6 في المائة سنوياً أثناء الفترة ذاتها.

لذلك، لدى تصميم الإصلاحات الهادفة إلى تقليل احتمالات حدوث تراجعات اقتصادية حادة مستقبلا، لا بد من تقدير إنجازات الرأسمالية. وعلى الحكومات الامتناع عن الضغط على الأسواق حتى لا تمنعها من جلب النمو السريع إلى الاقتصادات الفقيرة في إفريقيا، وآسيا، وأماكن أخرى من العالم، تلك الاقتصادات ذات المساهمة المحدودة في الاقتصاد العالمي. وعلى السياسات الاقتصادية الجديدة التي تحاول تسريع التعافي اتباع أول مبادئ الطب: عدم الإيذاء. ويعاكس ذلك وجهة نظر شائعة، لكنها خاطئة، حتى بين كثيرين من دعاة السوق الحرة، بأن من الأفضل أن تفعل شيئاً لمساعدة الاقتصاد، بدلاً من عدم القيام بأي شيء. إن من شأن معظم التدخلات، بما فيها السياسات العشوائية، إحداث الأذى أكثر من تقديم المساعدة. ويعود ذلك، إلى حد كبير، إلى الإضافة إلى عدم اليقين والمخاطر التي تبرز بشدة خلال هذا التراجع.

أظهرت ردود الفعل الحكومية خطر إمكانية مفاقمة المشاكل من خلال التدخلات المصممة للمساعدة. وعلى الرغم من أن لدينا صانعي سياسات جيدو المؤهلات، فإننا كنا ننتقل من خطأ إلى آخر منذ آب (أغسطس) 2007.

إن سياسات إدارتي بوش وأوباما تخرق مبدأ "عدم الإيذاء". فتدخلات وزارة الخزانة في الأسواق المالية أضافت إلى حالة عدم اليقين، وأبطأت استجابات الأسواق التي كان من شأنها المساعدة على إعادة الاستقرار وإعادة رسملة النظام. وتجاوزت الحكومة العقود وكافأت كثيرين ممن ساعدت قراراتهم الخاطئة على إيجاد الفوضى. وتقترح هذه السياسات أموراً أبعد من تجاوز العقود. ونتيجة لإجراءات وزارة الخزانة، فإننا نواجه مزيداً من صناعة القرارات المشوهة، بينما تهدد ملكية الحكومات للمؤسسات المالية بتقديم الأجندات السياسية بدائل لقرارات قطاع الأعمال الذي يدير هذه الشركات. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات الدراماتيكية يمكن أن تكون ملائمة، فإن من المحتمل أن تكون لها آثار عكسية خطيرة.

هذه المسائل أعراض لجوانب نقص ثلاثة رئيسية في التوجه الحالي نحو الأزمة. إنها تشخيصات عريضة للمشكلة، تنطوي على تصور خاطئ بأن إخفاقات السوق يتم تجاوزها فعلاً بالحلول الحكومية، إضافة إلى أنها تمثل فشلاً في تقدير التكاليف طويلة الأجل للإجراءات الحالية.

إن الاندفاع "لحل" مشاكل الأزمة فتح الباب أمام الإجراءات الحكومية على عدة جبهات. وكثير من هذه الإجراءات ذات صلة بسيطة، أو حتى ليست ذات صلة على الإطلاق بالأزمة، أو أسبابها. ونجد، مثلا، أن إدارة أوباما أدخلت تغييرات كاسحة في سياسات أسواق العمل لتعزيز الانضمام إلى النقابات، والتوجه إلى أسلوب أكثر مركزية فيما يتعلق بتحديد الأجور، على الرغم من أن الحرية النسبية لأسواق العمل الأمريكية لم تساهم في هذه الأزمة بأي صورة كانت، بل إنها يمكن أن تساعد في تقصير أمدها. وبصورة مشابهة، فإن رد الفعل الحاد ضد الرأسمالية و"الجشع" استخدم لتبرير مزيد من التدقيق والمتابعة ضد الاحتكار، إضافة إلى توسيع التنظيمات الخاصة بطيف من الأسواق، وكذلك توسيع نطاق القيود السعرية للرعاية الصحية والشركات الدوائية. وأدت الأزمة إلى إنقاذ صناعة السيارات الأمريكية، وإلى دور حكومي في كيفية إدارتها. بل نجد أن الحمائية، وهي واحدة من أسوأ الأفكار، نالت دعماً تحت غطاء تحفيز الاقتصاد. هذه السياسات تعد بمثابة أخطاء، إذ لا معنى لها في أيامنا هذه، كما لم يكن لها معنى في الأيام السابقة، فضلا عن أن التخلص منها سيستغرق زمناً طويلاً.

إن إخفاق الابتكارات المالية ـ مثل الأوراق المالية المدعومة بالرهونات العقارية، والمشاكل الناجمة عن نماذج المخاطرة التي تجاهلت احتمالات التراجعات العميقة في أسعار المنازل، وتلك الحمولة الزائدة من المخاطر على النظام ككل ـ تمثل إخفاقات سوق واضحة، على الرغم من أن الابتكارات المالية ساهمت في الطفرة العالمية خلال العقود الثلاثة الماضية.

والذين أخطأوا لحقت بهم الخسائر وتكبد كثير منهم خسائر كبرى. وشهدت المؤسسات التي قدمت قروضاً سيئة وقامت باستثمارات فاشلة تراجعاً في ثرواتها، بينما شهد المستثمرون الذين مولوا تلك المؤسسات، دون متابعة ومراقبة مناسبة، فقدان نصف ثرواتهم، أو حتى أكثر من ذلك. وأصيبت الأسر التي توسعت كثيراً في إنفاقها بالكثير من الأذى الشديد.

في ظل هذه الخسائر، كان لدى المشاركين في هذه الأسواق حافز قوي لتصحيح أخطائهم في المرة المقبلة. وكثير من الإجراءات الحكومية يعمل ضد الأهداف التي وضعت من أجلها في هذا الجانب، إذ حمت أولئك المشاركين من عواقب أفعالهم، وحالت دون تعديلات القطاع الخاص. وساعدت حالة عدم اليقين بسبب السياسة الخاطئة لوزارة الخزانة بخصوص رأسمال البنوك وهيكل الملكية، ورغبة الحكومة في تغيير عقود الرهن والدين من جانب واحد، والطبيعة غير المؤكدة للتنظيمات المستقبلية، وأموال الدعم ، على منع حدوث درجة أعلى من إعادة الرسملة الخاصة. وبدلاً من حل المشاكل، تميل مثل هذه السياسات إلى إطالتها.

وصفقة الحافز الأمريكية تندرج في الفئة ذاتها. فالصفقة قائمة بصورة جزئية على الاعتقاد بأن الإنفاق الحكومي لازم لتحفيز الاقتصاد، لأن الإنفاق الخاص ليس كافياً. والتركيز على الحلول الحكومية مخيب للآمال بصورة خاصة في ظل سجله الضعيف في التعامل مع الأزمات في الولايات المتحدة وفي دول كثيرة أخرى، مثلما حدث في أعقاب إعصار كاترينا.

والادعاء بأن الأزمة كانت نتيجة لعدم كفاية التنظيم حجة غير مقنعة كذلك. ونجد، مثلا، أن البنوك التجارية خضعت للتنظيمات أكثر من معظم المؤسسات المالية الأخرى، ومع ذلك لم يكن أداؤها أفضل، بل أسوأ في كثير من الحالات. وعلق المنظمون بعقلية الفقاعة ذاتها التي علق بها المستثمرون، وأخفقوا في استخدام سلطة التنظيم المتوافرة لديهم.

لحق أذى الأزمة كذلك بالإنتاج، والتشغيل، والعوائد، وستصبح أسوأ قبل أن تتحسن. ومع ذلك، حتى التراجعات الكبرى تعتبر وقفات قصيرة في التقدم طويل الأجل، إذا أبقينا على محركات النمو طويل الأجل في مكانها المناسب. ويعتمد هذا النمو على الاستثمار في رأس المال البشري والمادي وإنتاج معرفة جيدة. ويتطلب ذلك بيئة اقتصادية مستقرة. ومن شأن عدم اليقين إزاء التنظيمات إحداث عواقب غير مقصودة تجعل تلك الاستثمارات أشد خطراً.

أدى الركود العظيم إلى تراجع عالمي شامل عن الرأسمالية، مع تبني الاشتراكية والشيوعية، الأمر الذي استمر حتى خلال الستينيات. وعزز كذلك عقيدة بأن المستقبل يكمن في إدارة الحكومات للاقتصاد، وليس في الأسواق الأوسع حرية. وكانت النتيجة، بصورة عامة، نمواً بطيئاً خلال تلك العقود في معظم أنحاء العالم غير النامي، بما في ذلك الصين، ودول الكتلة السوفياتية، والهند، وإفريقيا.

عاد العداء لأصحاب الشركات وللرأسمالية بصورة حادة مرة أخرى لأسباب تعود جزئياً إلى انهيار أسواق المنازل والأسهم. ومع ذلك، فإن عالماً تغلب عليه الرأسمالية هو "اللعبة الوحيدة المتوافرة في البلدة" التي يمكنها أن تقدم المزيد من الارتقاءات الكبرى بالثروات، والرعاية الصحية لكل من البلدان الفقيرة والغنية.

نأمل ألا يبتعد قراؤنا عن نظام اقتصادي عالمي قائم على حرية عمل وتحرك الأسواق. القيام بذلك يمكن أن يهدد بتدمير نظام خدمنا جيداً لمدة 30 عاماً.

ـــــــــــــــــ

الكاتبان أستاذان للاقتصاد في جامعة شيكاغو، وزميلا بحث رئيسيان في معهد هوفر. حصل جاري بيكر على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1992، وحصل كيـفن ميرفي على ميدالية كلارك عام 1997.

ــــــــــ

للاشتراك في النقاش اذهب إلى www.ft.com/capitalismblog

غدا .. التدخل الأمريكي لإعادة التوازن إلى الدخول والتدخل الأوروبي لتهدئة الجماهير الغاضبة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية