في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، تكهن راي كورزويل بأن الكمبيوتر سيهزم أفضل لاعبي الشطرنج في العالم خلال عقد من الزمان. وسخر جاري كاسباروف من هذه الفكرة. وفي عام 1997، خسر كاسباروف مباراة الشطرنج مع كمبيوتر "آي.بي.إم".
الكتاب الرائع الذي أصدره كيرزويل عام 2005 بعنوان "اقتراب عصر التفرد" Singularity is Near كان من الغرابة بحيث كنت باستمرار أذكر نفسي كم من تكهناته قد تحقق.
خذ أحد تكهناته الرئيسة: بأنه خلال بضع عقود من الزمن سيصبح من المعتاد أن نقوم بإدخال آلات في أجسامنا. وستشمل الأجهزة متناهية الصغر، أجهزة إنسان آلي صغيرة الحجم نقوم بإدخالها في مجرى الدم لدينا للوقاية من الأمراض.
هل ذلك ضرب من الجنون؟ نعم، باستثناء أننا قمنا سلفاً بإدخال آلات في أجسامنا. تأمل منظم الخطوات – أو الإجراء الخاص بمرض باركنسون الذي يتضمن إدخال أسلاك في الدماغ ووضع بطارية في الصدر لإرسال نبضات كهربائية خلال هذه الأعضاء.
في الأسبوع الماضي، أعلنت كل من "جوجل" و "ناسا" بأنهما تساندان إنشاء مؤسسة جديدة باسم جامعة التفرد يكون مديرها كيرزويل. جامعة التفرد ستجمع قادة الشركات والطلاب و رجال الأعمال لدراسة "التقدم غير المسبوق الذي أحدثه التطور المتسارع للتقنيات المختلفة، بما في ذلك التقنية الحيوية، وتقنية الأجهزة متناهية الصغر والذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي و علم الوراثة".
ماهو التفرد؟ في الفيزياء الفلكية هي الوسط المضغوط إلى أقصى درجة للثقب الأسود، حيث القوانين الكونية التي نعرفها لم تعد تنطبق عليها. إن نسخة التوحد لدى كيرزويل هي فترة من التقدم التقني تتم بسرعة كبيرة بحيث أن منتجاتها تسمح لنا بتجاوز حدودنا الحيوية.
فسنكون قادرين على العيش لمدة أطول – أطول بدرجة كافية بحيث تستطيع دورة الثورة التقنية أن تمكننا من أن نعيش إلى الأبد. وسنكون قادرين على مقاومة عديد من الأمراض، مثل السرطان، الذي ابتلينا به الآن، وسنربط أنفسنا بالنسخ الرقمية لذواتنا التي ستكون أكثر ذكاء بدرجة كبيرة منا نحن.
ويقر كيرزويل بأن عقولنا لديها القدرة على إنجاز أعمال عظيمة. ولكنها بطيئة مقارنةً بأجهزة الكمبيوتر التي لدينا الآن وهي بطيئة بدرجة كبيرة من تلك التي سنحصل عليها في المستقبل.
وكلما كان فهمنا أفضل لطريقة عمل الدماغ، كلما اقتربنا أكثر من أن نتمكن من صنع نماذج عملية منها، أجهزة كمبيوتر تستطيع ليس فقط أداء وظائفنا العقلية بدرجة أكثر كفاءة مما نستطيع نحن أن نقوم به ولكن أيضاً خلق فن – والأكثر من ذلك، ممارسة المشاعر الإنسانية. ويقول كيرزويل بأن التفرد سيعني في حقيقة الأمر آلات يمكن أن تطالب باحترام مشاعرها وتفعل ذلك بشيء من المزاح.
هل هو أمر غريب؟ يدلل كيرزويل بأن عملية مسح الدماغ جعلتنا سلفاً نعرف كيف تتكون المشاعر و القلق و المزاح. فالعلماء في جامعة ستانفورد تعرفوا على أجزاء من الدماغ التي تتحكم في السيطرة على الذكريات غير المرغوبة. ويتحدث كيرزويل عن تجربة تم إجراؤها على فتاة تم فيها إثارة نقطة معينة في دماغها وعندها كانت تجد كل شيء هزلياً. فالنماذج الرقمية لذواتنا ستشعر بالقلق، إلى جانب أنها ستعزف مقطوعات موسيقية.
ورغم ذلك هناك عقبة ينبغي تخطيها. فأجهزة الكمبيوتر يمكن أن تتعلم القيام بالأعمال التي نقوم بها نحن، ولكن هل ستفهم ما تقوم بأدائه؟ هل تستطيع أن تدرك الفروق الدقيقة في الأحاديث اليومية.
يمكن تعليم الآلات بأن عبارة "مكانك أم مكاني؟" تنطوي على مضمون جنسي. كما يمكن أيضاً برمجتها بحيث تعرف بأنه إذا رن جرس الهاتف وصاح شريكهما قائلاً، "أرجو الرد على المكالمة"، فيتعين عليها أن ترد على المكالمة. ولكن كيف تستطيع أن تتعلم كل العبارات الأقل وضوحاً التي لها المعنى نفسه، مثل "أنا في الحمام" أو "أنا أقوم بإطعام المولود"؟ هنالك قدر كبير جداً من الاختلافات يصعب على المبرمج أن يتعامل معها جميعاً.
وكيرزويل يدرك ذلك. حيث كتب يقول: "التعامل بشكل طبيعي مع اللغة مهمة تنطوي على أكبر قدر من التحدي من كل التحديات فيما يتعلق بالذكاء الصناعي. حيث لا توجد خدع صغيرة، أقل من المعرفة التامة بمبادئ الذكاء البشري، من شأنها أن تسمح بنظام يقوم على برمجة الكمبيوتر أن يضاهي الحديث البشري، حتى إذا كان مقتصراً على الرسائل النصية فقط".
ماذا لو أن – وهو خوف بشري قديم قدم الآلات نفسها – هذه المخلوقات الرقمية تحولت ضدنا؟ كيرزويل منتبه لهذه المخاطر. فهو يقر بأن العلوم الجديدة التي تثير إعجابه كثيراً تنطوي على مخاطر. فالتقنية الدقيقة يمكن أن تكرر نفسها على نحو يخرج عن السيطرة. ولكنه يؤكد أن المخاطر يمكن السيطرة عليها.
ومع ذلك، فهل نحن في حاجة لكل ذلك؟ فالتغلب على المرض أحد تلك الأشياء. وإذا كنا نريد أن نعيش مدة أطول، فالكثيرون منا يريدون التخلص من حالات الوهن التي تأتي مع كبر السن.
ولكن ماذا لو كنا سعداء بحياتنا البيولوجية المحدودة؟ ماذا لو أننا لا نريد أن نصنع نماذج لعقولنا لها قدرات أكبر من عقولنا؟ ويكتب كيرزويل قائلاً بأن هذا القرار يعود لك، ولكن سيكون له ثمنه. وقال: "إذا بقيت على حالتك البيولوجية ولم تعيد برمجة صفاتك الوراثية، فلن تكون موجوداً للتأثير في النقاش".
أتمنى أن يجد بعض أولئك الذين يدرسون في جامعة التفرد هذا الكلام مثيراً للخوف مثلما أجده أنا.

