الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

التجار، والمهاجرون، والحالمون، ورواد المشاريع هم الذين شيدوا دبي، والذين يعود لهم بالقدر نفسه فضل نهوضها، وهم الذين سيساعدونها على النهوض مرة أخرى.

يجب أن تشعر دبي أن هناك بعض الشبه بينها وبين مارك توين. فعندما قرأ نعيه في الصحيفة، كتب توين يقول: "التقرير الذي يتحدث عن وفاتي مبالغ فيه".

لقد نالت دبي نصيبها من إعلانات النعي في ظل إفلاس نظامها العقاري وانعكاسات أزمة الائتمان العالمية عليها. فالعناوين الرئيسية في الصحف من القاهرة إلى لندن إلى نيويورك، التي لا تخلو من الشماتة، تدعي أنها انتهت. وقالت مجلة نيوزويك ببساطة: "وداعاً دبي".

ما من شك أن هذه الإمارة تتعثر. فالكثير من شركاتها العقارية المملوكة للدولة غارقة في الدين. وذوى بريق العديد من المشاريع العقارية الضخمة بسبب أزمة الائتمان والدين والفساد. وسوق الأسهم فيها تشهد سقوطاً حراً.

ورغم كل هذا، فإن الأخبار التي تتحدث عن وفاة دبي تنطوي على مبالغة كبيرة. ذلك أن الأساسيات التي تجعل منها مركزاً إقليميا للشحن البحري، والخدمات، والناس، والتجارة ورأس المال لم تتغير. وحسب تعبير مصرفي يتخذ من دبي مقراً له: "لقد انهار مشروع ديزني لاند دبي"، في إشارة منه إلى المشاريع العقارية التي احتلت العناوين الرئيسية في الصحف "لكن أنموذج العمل الأساسي لدبي ما زال سليماً".

ذلك الأنموذج العملي سابق لأسواق المال الحديثة ولعولمة اليوم. إنه لا يتعلق بالفنادق الباذخة، ولا بناطحات السحاب والجزر الصناعية في البحر. إنه أنموذج بسيط يعكسه البيان الصادر عن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي الراحل، الذي قال فيه: "كل ما هو جيد للتجار جيد لدبي".

إن إيجاد مركز للتجار تقليد تسير عليه عائلة آل مكتوم منذ قرن. وهؤلاء التجار، والمهاجرون، والحالمون، ورواد المشاريع هم الذين شيدوا دبي، والذين يعود لهم بالقدر نفسه فضل نهوضها، وهم الذين سيساعدونها على النمو مرة أخرى.

هذا الانفتاح على المواهب الأجنبية سيدعم دبي في مواجهة الأزمة التي تمر بها هذه الأيام. سيغادر المضاربون البلاد، لكن الكثيرين سيخرجون سالمين من العاصفة، بمن فيهم المهنيون العرب الذين وقع اختيارهم على دبي مكانا لتحقيق أحلامهم، وبمن فيهم المستوى المتوسط من المديرين الهنود، المنتمين إلى الطبقة المتوسطة، والذين يسيرون الأعمال في هذه المدينة.

ومن أجل فهم الأسباب التي ستمكن دبي من البقاء، من المهم فهم جغرافيتها التجارية. فهي ليست إمارة عربية فحسب - سواء من الناحية الديمغرافية أو التجارية. إنها مركز تجاري وسياحي لمنطقة تضم الأسواق الآخذة في النمو في جنوب آسيا، وإفريقيا الناشئة، وروسيا الغنية بالنفط، والدول الخليجية، وإيران، وآسيا الوسطى، والقوقاز، وأوروبا، والصين. وهي تعمل بشكل ناجح لأسباب أهمها الاستثمار القوي في البنية التحتية من قبل حكام دبي، والتجار الأجانب، والمحترفين في مجال الخدمات، وعمال الإنشاءات، والمصرفيين.

لم تكن دبي في يوم من الأيام كما دعتها إحدى الصحف: "الدينمو الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط". بل كانت وما زالت مركزاً تجارياً ناجحاً جداً في جزء من أغنى أجزاء العالم وأسرعها نمواً. ومثلها مثل معظم هذه المراكز، فإنها تتغذى من النمو وتغذيه. مثلا، شركات دبي أدخلت تحسيناً جوهرياً على البنية التحتية للنقل في شرقي إفريقيا، وشركة موانئ دبي العالمية تدير موانئ في 49 بلداً.

ورغم أن دبي تئن تحت وطأة الدين - الذي يقدر بـ 70 مليار دولار - فإن جزءاً كبيراً من هذا الدين يأتي من مشاريع البنية التحتية الهائلة التي وضعتها في مركز جيد للمستقبل. إن الإنفاق على البنية التحتية هو دأب دبي منذ عهد طويل. فعندما شيد الشيخ راشد ميناء جبل علي عام 1979، والذي تعرض لكثير من النقد، وضع رهاناً كبيراً – وكسب الرهان. واليوم يعتبر ميناء جبل علي من العوامل التي تضع دبي بين أكبر عشر مدن على صعيد ساحات الحاويات في العالم. وعندما قرر الشيخ راشد أخذ قرض كبير في أواخر خمسينيات القرن الماضي، لتنظيف خليج دبي ليكون قادراً على استقبال البواخر الضخمة، تعرض لانتقادات قاسية. لكن المشروع نجح. وجاءت البواخر وجاء التجار. ونمت إمارة ما قبل النفط وازدهرت.

والشيء نفسه يمكن أن يقال عن مطاراتها، وخطوطها الجوية، واتصالاتها، وشبكة الموجات العريضة فيها، وعن شبكة المترو والطرق السريعة الواسعة. ولا توجد أي مدينة في وضع يؤهلها لمنازعة دبي مكانتها مركزا في منطقة تمتد خارج العالم العربي لتصل إلى 1.5 مليار شخص. ويعتبر مطارها واحداً من عشر مطارات دولية هي الأكثر ازدحاماً ونشاطاً في مجال نقل الركاب. وهي واحدة من أكبر 15 مركزاً في العالم للشحن الجوي.

لقد انفجرت فقاعة العقار في دبي، لكن أنموذج عملها الأساسي لم ينفجر. وبالإمكان إصلاح القطاع العقاري وإصلاح شأن شركات الدولة المثقلة بالديون. وإذا أصبحت دبي بيئة غير مناسبة للتجارة، فإن هذا أمر ينطوي على خطورة أكبر بكثير. وعندما يعاود محرك النمو العالمي عمله، فإن الدول والإمارات التي تتألف من مدينة واحدة، مثل دبي، ستزدهر. وإلى أن يتم ذلك ستكون دبي بمثابة الشريان الحيوي، ولو أنه تعرض لانسداد بسيط، في التجارة العالمية. إن هذه المدينة التي تعرضت لضربة قوية لكنها ما زالت تقاوم، ستنهض مرة أخرى.

الكاتب زميل في نيو أمريكا فاونديشن، وكان مراسلاً لوكالة رويترز في دبي، ويعكف على إعداد دراسة حول المدن التي تعتبر مراكز إقليمية أو دولية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية