عبدالله بن عايض القرني*
المتابع للصراع الأيدولوجي والفكري السعودي (وأنا هنا أتكلم عن الأيدولوجية الإجتماعية لا السياسية) يميز بجلاء أن الأشد ضراوة بين تلك الأيدلوجيات هما التيار اللبرالي كما يحلوا للغالبية منهم أن يطلقوا على أنفسهم, والتيار الديني كما يحلوا أيضا للغالبية منهم أن يطلقوا على أنفسهم, وإن كنت أتفق مع البعض على عدم دقة هذين المسميين.
وإذا ما تابعنا ذلك الصراع فأنه سيتضح لنا بجلاء -أيضا- أن كل تيار يحاول إقناع المؤسسة الحكومية بصحة معتقده وسلامة تفكيره, وبالتالي سيحظى بتفعيل أكبر لمطالبه ودعواته من خلال إستجابة المؤسسة الحكومية له. ولكن السؤال الأهم, ما هي الورقة الرابحة التي يسعى كل تيار منهما إلى امتلاكها ليتمكن من التأثير على المؤسسة الحكومية من خلالها؟
إن المتأمل لغالبية النقاشات والحوارات التي تتم بين هذين التيارين, يجد أن كل تيار يحاول إقناع المسئولين بأن المجتمع يقف إلى صفه ويؤمن برسالته, وأنه مجرد مطالب بما يريده السواد الأعظم من الشعب, وبالتالي فهو يجعل من المجتمع ورقة رابحة يحاول كسبها ليصل من خلالها إلى ما يصبوا إليه.
وإذا ما إتفقنا على هذه النقطة, فأن السؤال الذي يليه, من يمتلك هذه الورقة الرابحة؟ وللإجابة على هذا السؤال نحتاج إلى النظر في التجارب لا التكهنات, والمجتمع ذاته بتصرفاته لا بأقواله يحدد ذلك. وإذا أردنا أن نعرج على جميع التجارب في هذا الإطار, فسيطول الحديث, لكن لا بأس أن نأخذ بعضا من الأمثلة على ذلك, كالإنتخابات البلدية, أو أعداد الحضور في المحاضرات الدعوية, أو الهرع على شراء نوعية خاصة من أجهزة "الستالايل" التي تنقل القنوات الدينية فقط, ومثل هذه التجارب عكست في الماضي مدى شعبية التيار الديني, واليوم نستطيع أن نقول بأن الشعبية بدأت تأخذ في التحول من خلال تجارب أخرى نمر بها, كزيادة الطلب على نوعية خاصة من الكتب يعتبر مؤلفيها رموزا في التيار اللبرالي, وقد شهدنا مثل ذلك في معرض الرياض الأخير للكتاب, أو أعداد الحضور للفلم الأول الذي استفتحت به السينما السعودية قبل أشهر (مناحي) أو أعداد السيارات العابرة لجسر الملك فهد الرابط بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين الشقيقة يوميا, أو أعداد المشاهدين لقنوات الإم بي سي أو الال بي سي أو روتانا, مقارنة بأعداد المشاهدين للقنوات الدينية كالمجد أو الرسالة أو إقرأ , وكذلك الحال في نوعية المواقع التي يزورها المستخدم السعودي للإنترنت, والتي تعكس نسبة ضئيلة فقط من المستخدمين الذين يحرصون على زيارة المواقع الدينية... مثل هذه التجارب تحدد ما مدى شعبية وإقتناع المجتمع بفكر معين, حتى وإن لم يعلنوا إنتمائهم لذلك الفكر صراحة. وبعين منصفه يرى الناظر أن المجتمع في الوقت الحاضر ملك نفسه وملك إقتناعاته في ظل مناخ العولمة والإنفتاح الإقتصادي والثقافي الجديد, وأن العزف على وتر الدين والثوابت في كل صغيرة وكبيرة لم يعد يؤتي أكله, أو لن يستمر في مفعوله على أقل تقدير كما كان عليه في السابق.
والنقطة الأهم في هذا السياق, هل سيميل المجتمع كليا (أو غالبية) إلى أحد التيارين في نهاية الأمر؟ وماذا إذا مال, هل سيفسد أم سيصلح كما ينذر منه أو يعد به كل تيار؟ وحتما نحن لسنا غيبيين لنجزم على الإجابة على ذلك, لكن سنضع كل الإحتمالات موضع الحسبان, وسنحاول البحث عن طريقة نضمن بها الأفضل, ولا شك أن كل تيار من التيارين يدعوا إلى مثل وقيم راقية في أغلب الأحيان, حتى وإن اختلفت طرق الدعوة لذلك, وليس بالضرورة أن يكون التيار اللبرالي يدعوا الى أشياء منافية للدين, بل وربما وجد الفريقين نفسهما يدعوان إلى نفس المطالب بطريقة غير مباشرة, فالحرية والمساواة مثلا أحد أهم المطالب للتيار اللبرالي, وفي نفس الوقت يقرها ويعترف بها التيار الديني بضوابط معينة, وهذا دليل على أن الحلقة المفقودة هنا هي لغة الحوار المعتدل المتسامح والمتقبل للرأي الآخر, والبعيد عن التطرف والتشدد ورمي الإتهامات على كل من يختلف في وجهة النظر, لنضمن مستقبلا يبحث عن النافع للوطن والمواطن (في ظل الشريعة الإسلامية الصحيحة) أيا كان المنادي له. وهذا ما يجب أن نركز عليه بدءًا من الفرد والأسرة وانتهاءا بالمؤسسات التربوية والإعلامية المختلفة.
*عضو هيئة التدريب بمعهد الإدارة العامة
