حمولات هائلة من الكتب غزت رفوف العاصمة السعودية على مدى عشرة أيام فقط، لا يوجد إحصائية رسمية حول العدد الذي تبقى من الـ 250 ألف عنوان التي كانت موجودة قبل بداية المعرض ، ما تعرفه مصادرنا المطلعة أن المعرض يتربع على صدارة مبيعات الكتب عربيا فيما تؤكد مصادرنا -التي لا تقل اطلاعا- أن كمية المؤلفات التي سرت في شرايين المكتبات المنزلية والمكاتب كافية لتثقيف الرياض لسنوات عديدة قادمة، فيما لم أتأكد بعد من مراكز الدراسات الإحصائية التي تتحفنا بنسب القراء العرب مقارنة بغيرهم حول ما إذا كانت أرقامهم مازالت كما هي بعد معرض الرياض الدولي للكتاب، من ناحية أخرى تشير مصادر مطلعة ومقتنعة أيضا أن عاصفة ثقافية دخلت أجواء الرياض اعتبارا من السبت الماضي وذلك ناتج عن رياح "مارس" الموسمية، وأن مصلحة الأرصاد الثقافية كانت تعرف أن السكان على أهبة استعدادهم للعاصفة !!
كذبت الإحصائيات ولو صدقت..نحن أمة تقرأ بنهم !!
أعداد كبيرة من الذين امتطوا طريق الملك القائد متجهين نحو امتداده الشرقي حيث المبنى المموج الكبير، الأعداد نفسها تقريبا من الذين لم يفعلوا ذلك كانوا يكررون سؤال "كيف المعرض؟" بطريقة قادرة على إضاعة ما تبقى من أيامه في الإجابة التي تتنوع بين جميل وكبير ورائع وحين تضيق ذرعا "لم لا تذهب وترى بنفسك كيف هو؟"
زيارة المعرض وحدها تكشف لك حجم النهم الذي لا يمكنك تحديد ما إن كان قرائيا أم شرائيا وإن كنت أرى أن حدوث الاحتمال الأول سيمنحنا مقعدا دائما في هيئة الأمم المثقفة, بينما الاحتمال الآخر لن يغير شيئا في عضويتنا الفعالة في جمعيات "شراء بلا حدود" باعتبار أن ما نفعله في معرض الكتاب ليس سوى التصور الثقافي لحركة محمومة من الاستهلاك الاقتصادي في شتى المنتجات، وبالتالي وليس فقط من واقع تخصص الجريدة بل من واقع مشاهدتي للآلاف الممسكة بالقوائم الطويلة وخرائط الممرات، لا يمكن القول فقط إننا أمام مبيعات قياسية بل المراهنة أيضا على أن المعرض سيمتلئ عن بكرة أجنحته حتى لو ضوعفت مساحته كما ستتضاعف المبيعات, وإن كنت غير متأكد من أن يؤدي ذلك إلى تضاعف ثقافة هذا الجمهور النهم القادر كل سنة على أن يصنع الفارق دون أن تكون القراءة شرطاً أساسياً لاسيما حين يبتسم المنطق على دعابة أحد مثقفي الشبكة العنكبوتية وهو يقول "أحتاج إلى أن يكون يومي 80 ساعة لأتمكن من قراءة كل هذه الكتب!!".
ليس مهما أن تفهم الكتاب..حاول فقط ألا يفوتك !!
تساءلت لوهلة كيف بقيت الأندية الأدبية طوال هذه السنوات تبحث عن سبيل للتعايش السلمي بين نخبوية الثقافة والجمهور العادي، بينما جاء هذا المعرض ليحل المشكلة في عشرة أيام فقط، حين أصبحت عناوين الكتب العميقة وروائع الفكر والأدب العالمي خبزاً يوميا حتى للفئات التي لم تدخل ناديا أدبيا في حياتها, حتى وإن تبعثرت المصطلحات قليلا بين هويات و(هوايات) ما بعد الحداثة أو كاد اسم علي الوردي يتحول إلى علي الزهري، فالمهم في نهاية الأمر أن يشارك الجميع في شراء كل شيء، واللحاق المستميت بالكمية المحدودة قبل أن تنفد رغم أنك قد تسأل بعض هؤلاء ويجيبك بالنفي المطلق حول ما إذا كان أحد هذه الكتب التي تبحث عنها بضراوة يشغل باله أو مر عليه أصلا قبل يوم فقط من انطلاق المعرض!!
مواقع إلكترونية تتنافس في عرض وترشيح أهم الكتب، ومثقفون شباب يناقشون زياراتهم للمعرض ويصورون حصيلة أيامهم –لا علاقة لإيزابيل اليندي بالأمر- بينما حتى خدمات رسائل الجوال تقترح عليك عناوين كتب فيما تأتيك رسائل من أرقام لا تعرفها أحيانا لتنصحك بأن تلحق الكتاب الفلاني لأنه لن يكون متاحا بعد المعرض، وأنت بين قوائم تستهدفها وقوائم تستهدفك لا تملك إلا أن تستبعد تفكيرك غير المبرر حول نهم استهلاكي وتفكر بالأمر من بعده الثقافي لترى كم هو مبهج !!
الروايات تكسب الجولة مجددا
نظر لي البائع تماما كمن يقول "هل أنت جاد؟" بينما الواقفون في الدار ينظرون إلي كقادم من زمن آخر, فيما يحاول أحدهم أن يحصل على توقيعي ربما ليقول لاحقا إنه توقيع أحد سكان الكواكب الأخرى والذي جاء بصدفة كونية لمعرض كتاب في الكرة الأرضية ..حاولت أن أسحب سؤالي للناشر الذي يقف خلف جدار عازل مصنوع من الروايات المترجمة، فكرت في الاعتذار ..أنا آسف فعلا يا سيدي ..كنت فقط أسأل عن وجود دواوين شعر لديكم ولم أكن أعرف حجم الخطأ المنطقي الذي وقعت فيه!! ربما أستخدم لغة الإحصائيات الثقافية ولكم أن تؤكدوا صدقيتها من عدمها, وأقول إن الروايات هي أكثر من ثلثي الكتب المباعة في المعرض, كما أنك حين تغمض عينيك وتختار عشرة كتب عشوائية من أحد رفوف الدور الشهيرة فاحتمال أن يكون بينها ديوان شعري هو احتمال يتراوح بين ضئيل جدا إلى مستحيل, فيما يجب ألا تستغرب حين تجد بين الكتب العشرة إحدى عشرة رواية!!
إذن ودون تكرار المفردة النمطية المملة حول كونها "ديوان العرب" يمكن أن نبصم على كتبنا العشوائية العشرة بأن الرواية تأتي في صدارة الجماهيرية والمبيعات, فيما تأتي بعدها مباشرة كتب الفكر والفلسفة فكتب التطوير النفسي وكتب السياسة و التاريخ والمراجع, بينما نستطيع تطبيق معايير أخرى مختلفة لا علاقة لها بتصنيف الكتاب في فهم الرواج الذي تحقق لبعض الكتب ومن ذلك شهرة المؤلف وجدلية الموضوع, وكذلك الدعاية التي ترافق ظهور الكتاب, وأحد أنواع هذه الدعاية أن تسمع حديثا عابرا بأن الكتاب قد صودر فتهرع مباشرة لشرائه رغم أنك قد مررت به عشرات المرات قبل ذلك دون أن يلفت نظرك لا شكلا ولا مضمونا!!
الإطلالة الأولى ..تنجح بامتياز
بغض النظر عن دوافع الشخص الذي يردد لي غير مرة أنه "مستاء" من معرض هذا العام، أستطيع التأكيد أن المعرض الأجمل على مستوى السنوات الماضية دشن إصدارات جديدة مهمة حظيت بقبول واسع، سجل حضور النتاج الجديد للدكتور عبدالله الغذامي "القبلية والقبائلية" والذي تصدر قائمة مبيعات المركز الثقافي العربي، كذلك"الحمام لايطير في بريدة"حيث عودة الروائي المعروف يوسف المحيميد برواية هي الأطول من نوعها في تجربته وقد نفدت تماما، الحال نفسها مع رواية عبده خال"ترمي بشرر"التي لم تجد وقتاً حتى لتعرض على الرفوف، كميات كبيرة باعها كتاب محمد السيف"الطريقي صخور النفط ورمال السياسة" العائد بعد عامين بطبعة منقحة، فيما اشترك في التفوق كتاب الرئيس الأمريكي الجديد أوباما، وكتاب تجربتي لوزير الصحة الدكتور عبدالله الربيعة وهو الاسم الشهير عالميا في عمليات فصل التوائم، إقبال منقطع النظير على كتاب "مع الله" للشيخ الدكتور سلمان العودة، وكذلك لمؤلفات الدكتور عائض القرني وأبرزها كتابه الاستثنائي"لاتحزن"، وبالتأكيد هذه أمثلة على نجوم المعرض ـ إن صح التعبير ـ وإلا فهناك الكثير من الكتب التي نجحت والعديد من المؤلفين الذين خلدهم التاريخ ليكونوا نجوما دائمين كل عام، بقي أن أشير هنا لردة فعل عفوية من القراء على مذكرة المحكمة الجنائية المعروفة والتي أدت لارتفاع مبيعات كتاب"البشير رجل لا ينحني" لعصام عبد الفتاح، وأشير أيضا إلى مفارقة وجدت فيها ارتفاعا ملحوظا لمبيعات كتاب"السر"عن مكتبة جرير، في الوقت نفسه وفي جناح العبيكان المقابل تماما، كان كتاب"خرافة السر"يحقق إقبالا لا يقل عما تحقق للكتاب الذي يفنده!!
مغامرات الجدل والرقابة..كلاكيت ألف مرة
معرض الكتاب ليس مسلسلا يتم عرضه في فترة "كوكب أكشن" لكن الجدل السنوي والطريقة التي ينقل بها توحي لك بذلك فعلا، حالة من الترقب والتحفز دائما لحدوث أي شيء مثير ليتم تناوله في اليوم التالي، الحديث باستمرار عن كتاب قد يمنع ومحاضرة ربما لا تكتمل، بينما يتحول الصحافيون إلى محققين دون أن يشعروا وهم يحاولون نقل الصورة كما يريدها الباحثون عن الإثارة فقط من بين كل المشاهد الأخرى الأكثر أهمية في المعرض، عرفت هذا العام فقط أن مفردة "التحقيق" الصحافي يمكن أن تنطوي كذلك على"التحقيق" بمعنى الاستجواب وحينها يجد الناشر أو الأديب نفسه أمام أسئلة صحافية ليست ثقافية جدا من قبيل "هل صحيح أنك اشتكيت من الرقابة؟هل سحب أحدهم كتابا منك ؟ اعترف" بينما الناشر مشغول البال برقم المبيعات الذي كان سيخرج به لو أن جناحه كان أكبر لاسيما في ظل هذا الجمهور الشغوف بالكتب، لا الصحافي ولا أسئلته يمثلان عائقا للزوار الذين ينفقون بسخاء على شراء الكتب الموجودة في مكتباتهم على مدار العام ولا ينتبهون لكونهم دفعوا أكثر من سعرها المعتاد، بينما في جناح التوقيع أدباء عليهم مراعاة الوقت والبرستيج في إهداء مؤلفاتهم بحيث يكتفون بالاسم فقط حين يتعلق الأمر بالجنس الآخر، دون المبالغة في التعبير عن مشاعرهم في ذلك الموقف!!
ضيف أكثر هدوءا..زامر السامبا لايطرب المثقفين
رغم الحديث عن استقطاب جمهور كرة القدم إلى الثقافة ورغم ظهور بيليه في حفل الافتتاح على خلفية قصيدة جاسم الصحيح, إلا أن الكثير من الزوار لم يكونوا في قمة حماسهم فيما بعد على ما يبدو لحضور الندوات المتعلقة بالرياضة والثقافة البرازيليين أو زيارة الجناح الخاص بالسامبا في الممر الرئيسي للمعرض، وفضلوا على ذلك ملاحقة قوائمهم القرائية –الشرائية إن شئتم- فيما يعيدنا المشهد إلى معرض العام الماضي حين سجل حضورا جماهيريا واسعا للجناح الياباني الذي قدم أنشطة متنوعة منها عرض لوحات الخط العربي في جناح مستقل إلى جانب جناح آخر لتعليم مبادئ اللغة اليابانية، الانفتاح على دول العالم عبر الاستضافات الشرفية مبادرة جميلة, لكن يبدو أنها تنطوي على نتائج متفاوتة من دولة إلى أخرى، وهذا قد يطرح فكرة ترشيح المثقفين للدول التي يتعين على الوزارة استضافتها، وحينها سيجد عشاق الأرجنتين مثلافرصة لاستضافة هذه الدولة العريقة في الثقافة والفنون والتي لا ينقصها التفوق الأسطوري أيضا في كرة القدم!!
ملامح ليست عابرة جدا
يعرف الكثيرون ذلك لكن ذكره هنا من باب التوثيق فقط، وسأحاول ألا يبدو ذلك كتغطية تقليدية، فمما يسجل لمعرض الرياض الدولي للكتاب لهذا العام ، كونه لم يكتف باستعادة ذكرى الطيب صالح في ندواته الثقافية بل شهد تحقيق مبيعات قياسية لروايات الأديب الراحل، وإن كان التساؤل قد دار حول غياب الإشارة إلى الشاعر الكبير درويش الذي رحل بعد أشهر من المعرض السابق, ولا أدري إن كانت حالات الاحتفاء التي حدثت له في عواصم عربية سببا يجعل معرض الرياض يزهد في تسجيل موقفه الخاص تجاه الشاعر، نجح المعرض في استقطاب أسماء فكرية وثقافية كان أهمها المفكر الدكتور محمد عابد الجابري الذي تجلى بطروحاته في ندوة البرنامج الثقافي وبعدها في لقاء نادي "الاقتصادية" الصحفي، كما شكل الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي ثقلا مهما في الفعاليات الثقافية التي كان ينضم إليها كل ليلة إيوان ثقافي جميل في فندق الهوليدي إن بإشراف الشاعر والإعلامي محمد عابس، في المقابل كان من المهم جدا أن يتمتع بعض المنظمين بلباقة أكثر مع الناشرين والإعلاميين، وأن يدققوا أكثر في السير الذاتية للمشاركين الأجانب قبل طباعتها، وإن كان النقد هنا ليس إلا لمحات يهمها استمرار نجاح هذا المعرض الذي يترأس منظومة الإشراف عليه شخص بكل ذلك التهذيب والرقي اللائقين بعاصمة تستضيف تظاهرة ثقافية بمعايير دولية، وكل معرض كتاب ورياض الثقافة بخير.

