إذا بدأ الاتحاد الأوروبي بالانهيار تحت ضغوط الأزمة، فإن آفاق حل القضايا العالمية الصعبة الأخرى ستكون أكثر كآبة.
في كانون الثاني (يناير) 2001 وصلت إلى بروكسل وأنا على عدة قناعات ثابتة وغير لطيفة بشأن الاتحاد الأوروبي. كنت أعتقد أن معظم الأوروبيين العاديين يشعرون بولاء أكثر لأوطانهم وليس لأوروبا. وكنت أعتقد أيضاً أن توسيع صلاحيات بروكسل على نحو ثابت أمر غير ديمقراطي وخطير. وخمنت أنه في ظل أية أزمة، فإن الغرائز الوطنية ستبرز إلى الواجهة. وكنت أقدر أن العملة الجديدة للاتحاد الأوروبي – اليورو – كانت ستواجه مشكلة حتمياً. كما كنت أعتقد أن النخبة الموجودة في بروكسل "طبقة جديدة" خلطت مصالحها الخاصة مع مصالح أوروبا.
بعد مضي ثماني سنوات، أنظر إلى هذا التحامل القديم – وابتسم وأنا أتأمل قدرتي على استقراء الأمور. قدمت السنوات القليلة الماضية إثباتاً واقعياً على الدعم الشعبي الضعيف للمشروع الأوروبي. فقد تم رفض دستور الاتحاد الأوروبي المقترح في استفتاءات شعبية في فرنسا وهولندا – ثم تمت إعادة حَزْمَه بسرعة في معاهدة لشبونة، وتم رفضه ثانية، وهذه المرة من قبل الناخبين في إيرلندا. لكن سيستمر إقحام "لشبونة" رغم ذلك بطريقة ما. وهذه ممارسة زائف للغاية.
إن ضغوط الأزمة الاقتصادية تحدث في واقع الأمر انقسامات داخل الاتحاد. وتمت الدعوة خلال نهاية الأسبوع إلى عقد قمة طارئة للاتحاد الأوروبي لمحاربة الحمائية. ويواجه العديد من أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدد، من وسط أوروبا، أزمات مصرفية ومالية - ورفض الأعضاء الأقدم إنقاذهم. ويحذر رئيس الوزراء الهنغاري من وجود "ستارة حديدية جديدة" تنسدل في شتى أرجاء أوروبا. ويخشى روبرت زوليك، رئيس البنك الدولي، من انقسام أوروبا مرة أخرى إلى جزأين.
#2#
والأمر يمكن أن يكون محل أخذ ورد، هو أن جميع شكوكي الحالكة للغاية بشأن المشروع الأوروبي على وشك أن تتحقق. لذا، هذا وقت غريب لرفض التشكيك في أوروبا. لكن ذلك تحديداً هو الخطر الذي يهدد الاتحاد الأوروبي الذي يتركز عليه ذهني. فالخطط من أجل الاتحاد السياسي في أوروبا كانت مجنونة على الدوام. غير أن الحريات الأربعة التي أسسها الاتحاد الأوروبي فعلياً - حرية حركة البضائع، والأشخاص، والخدمات، ورأس المال – تعتبر إنجازات هائلة وملموسة. وسيكون من المؤسف للغاية أن نشهدها تتلاشى.
مع ذلك، التهديد قائم. تحدث رئيس الوزراء البريطاني عن "وظائف بريطانية للعمال البريطانيين"، وحث الرئيس الفرنسي شركات صناعة السيارات على الاستثمار في الوطن بدلاً من أي مكان آخر في الاتحاد الأوروبي، وأطلقت الحكومة الإسبانية حملة "اشتر المنتجات الإسبانية". ويتم التخلي بحبور عن قوانين الدعم الحكومي التي تمنع الترويج لأبطال الصناعات الوطنية. ورغم الرسالة المطمئنة بشكل متعمد، التي أسدلت الستار على قمة نهاية الأسبوع الماضي، إلا أن هجوماً حقيقيا على السوق الأوروبية الواحدة يجري إعداده.
إذا بدأت أوروبا بسحب هذه الحريات الأربعة، ستمتد التداعيات إلى خارج نطاق الاقتصاد. فالحمائية والوطنية أبناء عمومة بشكل وثيق. وساهمت مبادئ التشاور، والتعاون، والحدود المفتوحة داخل الاتحاد الأوروبي في قمع شياطين الوطنية القديمة.
عند نهاية الحرب الباردة حقق الاتحاد الأوروبي إنجازاً عظيماً آخر – توسعته ليشمل بلدان الاتحاد السوفياتي السابق. وكان هذا بمثابة اختبار دقيق، وخطير، وسخي لنشر الحرية السياسة والاقتصادية عبر أرجاء القارة. ومن الصعب أن تبقى متشككاً جريئاً في أوروبا عندما ترى كم تعني عضوية الاتحاد الأوروبي لبلدان مثل بولندا وسلوفاكيا. ورغم ذلك تشعر بلدان وسط أوروبا الآن بالخذلان والفزع.
سيكون الانقسام في أوروبا أمراً مؤسفاً تحديداً في الوقت الذي توجد فيه حاجة ملحة للتعاون الدولي على نطاق عالمي. وتعتبر مؤسسات بروكسل ماهرة في اكتشاف "قضايا عابرة للحدود" من شأنها أن تبرر التوسع في سلطاتها. وفي أحيان كثيرة كانت حجتها واهية. غير أن الأزمة الاقتصادية العالمية وظاهرة الاحتباس الحراري أثبتتا الحجة بشكل أكثر فاعلية من أية وثيقة تتعلق بالسياسة خاصة بالاتحاد الأوروبي.
والاتحاد الأوروبي هو أفضل مثال لدينا على الإدارة الدولية. وإذا بدأ بالانهيار تحت ضغوط الأزمة، فإن آفاق حل القضايا العالمية الصعبة الأخرى ستكون أكثر كآبة.
لا يعني ذلك القول إن مشاكل الديمقراطية مع الاتحاد زالت، بل ما زالت قائمة دون أدنى شك – وهي خطيرة. والدفع باتجاه اتحاد فيدرالي سينتعش من جديد بشكل مؤكد في مرحلة ما، ويجب معارضته عندئذ. غير أن تلك المشكلة ليست مشكلة يومنا هذا، فالتهديد الذي يسود في العام المقبل سيكون تفكك الاتحاد الأوروبي.
إذا قارنت أوروبا بمعظم الأجزاء الأخرى من العالم، فإن الأمر ما زال يبدو جيداً للغاية – مزدهرة، ومسالمة، وحرة، وخاملة إلى حد ما. غير أن جزءاً من مشكلة الاتحاد الأوروبي هو أن إنجازاته الرئيسية تبدو تكنوقراطية ومملة. فشعار "دافع عن السوق الموحدة" ليس أكثر الشعارات إلهاماً.
لكن "الحريات الأربع" تمثل حقوقاً مهمة: الحق في العيش والعمل في أي مكان في أوروبا، الحق في عقد صفقة عمل دون أن تمنعك الحكومة، الحق في الصعود إلى قطار متجه إلى باريس، أو طائرة تتجه إلى مدريد دون أن تضايقك سلطات الهجرة.
في السنوات المقبلة، التهديد الحقيقي الذي تواجهه هذه الحريات يأتي من جانب الحكومات الوطنية الفزعة – ليس من البيروقراطية المخيفة من جانب بروكسل، بل على النقيض تماماً سيكون من وجود مفوضية أوروبية ضعيفة للغاية تحاول أن تمسك بالحبل.
الأمر الغريب بما فيه الكفاية، هو أنني أشعر شخصياً بشعور حمائي دافئ معين تجاه مؤيدي اليورو في ناطحات السحاب في بروكسل. كان من الصعب للغاية أن أتخيل ذلك عندما وصلت إلى المدينة قبل كل هذه السنوات. لكنه حدث أخيراً، وأنا أعشق برنامج تلفزيون الواقع؛ الأخ الكبير.


