عيوب السياسة العالمية ستكلفنا غاليا
لم تعد هذه أزمة مصرفية فحسب، بل إنها أزمة سياسات في المقام الأول, والمضاربون يستعدون مرة أخرى لهدم صرح أوروبي، مثلما فعلوا عام 1992.
يبدو أن كل استجابة سياسية للأزمة على جانبي الأطلسي تظل قاصرة عما يجب فعله. جادلت أنا، وزميلي مارتن وولف، وكذلك عمود التعليق الافتتاحي في "فاينانشيال تايمز"، بأن خطة إدارة أوباما لإنقاذ القطاع المالي غير وافية بصورة خطيرة. وأود أن أقدم ملاحظة إضافية هي أن الميل إلى الإحباط ينطبق بصورة شبه كاملة على كل قرار سياسي منفرد من جانب كل الحكومات على وجه التقريب.
لذلك دعونا نأخذ عدداً من القرارات السياسية والمقترحات على مستوى الاتحاد الأوروبي. الاتحاد الأوروبي الذي يواجهه، في تقديري، تراجعا اقتصاديا بنسبة 3 في المائة هذا العام، وافق على تحفيز فعال بنحو 0.85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للعام الحالي، وفقاً لحسابات ديفيد ساها وجاكوب فون ويزاكر، الاقتصاديين في بروجل ـ مركز تفكير في بروكسل. غير أن هذا الحافز لم يكن منسقاً بصورة جيدة، الأمر الذي يحد من أثره الاقتصادي.
تمثل رد حكومات دول الاتحاد الأوروبي على الفترة الحرجة من الأزمة في صورة غلبت عليها برامج إعادة رسملة طوعية من جانب الدولة، إلى جانب ضمانات القروض. لكن لا توجد بينها أي دولة تبدو برامجها قادرة على حل مشاكل البنوك المتعلقة بعدم كفاية رأس المال، تلك البنوك التي يفترض أن تكون قادرة وراغبة في إقراض الشركات والمستهلكين.
التقرير الذي صدر الأسبوع الماضي، بعد انتظار طويل، حول مستقبل تنظيم ومراقبة القطاع المصرفي الأوروبي، كان مثالاً آخر على فشل مقترحات السياسات لتلبية حتى أدنى التوقعات. ولم تتمكن اللجنة برئاسة جاك دو لاروزيير، المحافظ السابق لبنك فرنسا والمدير الإداري السابق لصندوق النقد الدولي، من الاتفاق على الحاجة إلى جهة مراقبة موحدة لبنوك أوروبا الـ 45 العابرة للحدود. وأوصت، بدلاً من ذلك، بالإبقاء على مسؤولية المنظمين الوطنيين وإنشاء معهدين جديدين، أحدهما على مستوى الاقتصاد الكلي والآخر على مستوى الاقتصاد الجزئي، ليقوما بالتوسط بين الحكومات الوطنية والمنظمين. وحين سئل عن سبب عدم اختياره مراقبا مشتركا على مستوى الاتحاد الأوروبي، أجاب دو لاروزيير "ربما نكون اتهمنا بأننا لسنا واقعيين". وقد فهمت ما يعنيه، لكن يمكن أن يكون ذلك تصوراً خاطئاً، أي أنه أراد أن يضغط بصورة أشد من أجل مركزية أعلى، لكن لم يكن هناك توافق على ذلك.
ثمة مثال آخر على السياسات التي يحكمها الرضا عن النفس، وهو الاستجابة لأزمة دول وسط وشرقي أوروبا. بالأمس كان هذا الموضوع على أجندة مؤتمر القمة الأوروبي غير الرسمي الذي انتهى بعد كتابة هذا العمود. وتضمنت الاقتراحات التي نوقشت قبل القمة إنشاء صندوق استقرار، وهو أمر مرغوب فيه وضروري دون شك، لكن ليس من الواضح على الإطلاق كيف يكون ذلك كافياً لإنهاء هجمة المضاربة ضد كل عملات دول الأطراف وسط وشرقي أوروبا. وجادلت في الأسبوع الماضي بأن الانضمام إلى منطقة اليورو هو الحل لمواجهة ذلك.
وحين تتحول المأساة إلى مهزلة، فإن ذلك يتجسد في سلسلة المقترحات السياسية من جانب المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل. فقد سبق لها في إحدى المناسبات أن أيدت إنشاء مجلس اقتصادي تابع للأمم المتحدة ككيان تنسيقي للتمويل الدولي، أي أن يكون معادلاً لمجلس الأمن الدولي. وخلال قمة الأربع الكبار الأخيرة في أوروبا، دفعت باتجاه اقتراح لتنظيم صناديق التحوط والملاذات الضريبية الآمنة. وأحدث ما قالته في ذلك إن على الدول تنسيق توقيت إصداراتها للسندات. ويوحي كل ذلك بأن الأزمة برمتها كانت ناتجة عن صناديق التحوط وإخفاقات سياسية تعود إلى انعدام وجود المنظمات الدولية الملائمة، وكذلك عن حقيقة أن الأمريكيين والأوروبيين يصدرون سنداتهم في اليوم نفسه من الأسبوع. وتجدُني أرتعد حين أفكر بما يمكن أن يكون اقتراحها التالي.
لماذا كل هذا الرضا غير العادي عن الذات؟ أحد الأسباب أن صانعي السياسات ليسوا واعين بما فيه الكفاية فيما يتعلق بالكارثة الاقتصادية الماثلة. ولا يزال الأمر بالنسبة إليهم هو ما يسميه الاقتصاديون الأمريكيون "انكماش تنوع الحديقة" garden-variety recession. وكان يجب أن يتم إخبارهم بأن التجارة الدولية كانت في حالة من الهبوط السريع منذ أربعة أشهر. فهي تتراجع بمعدل أسرع مما كان عليه تراجعها أيام الركود العظيم. ومع ذلك، يبدو أنهم مستمرون في الاعتقاد بأن الاقتصاد سيتعافى بمعجزة خلال الربع الثاني، أو الثالث، أي حين تبدأ صفقات إنقاذهم في أخذ مفعولها. غير أن هذه الخطط ليست من الحجم والجودة بما يكفي لإيقاف مثل هذا التراجع الشامل بهذه السرعة.
وبالنسبة لميركل وزملائها من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، يبدو أنهم مسيطر عليهم بما هو واضح أنه النوع الخاطئ من الأزمة.
لا يمكن قول ذلك عن لاروزيير، فهو على الرغم من كل انتقاداتي لتوصيات لجنته، إلا أن تحليله للأزمة المالية العالمية يظل سليماً. وكان فريقه يخشى من تقديم مقترحات يقدر أنه لا توجد أمام تبنيها أي فرصة. وليست لدي تصورات خادعة إزاء حماس الحكومات بخصوص وجود جهة رقابة مصرفية موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي. لكن إذا لم يتقدم أحد بشجاعة في سبيل ذلك، فيجب ألا نفاجأ بأن إجراءات السياسات الوحيدة التي نحصل عليها هي فقط ما نحصل عليه.
لم تعد هذه أزمة مصرفية فحسب، بل إنها أزمة سياسات في المقام الأول. والمضاربون يستعدون مرة أخرى لهدم صرح أوروبي، مثلما فعلوا عام 1992، لكن سيكون هذه المرة بحجم أكبر.






لا يوجد تعليقات