في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، توقف صرف راتب مظفر خويدربديف من الشركة التي يعمل فيها، وهي شركة إنشاءات روسية. وبعد شهرين، أغلقت الشركة أبوابها. ومنذ ذلك التاريخ ظل ذلك الشخص الطاجيكي ذو البنية القوية البالغ من العمر 28 عاماً، عاطلاً عن العمل.
وأخيراً، عندما عجز عن دفع الإيجار أو تذكرة العودة إلى قريته في طاجكستان التي تكلف 202 دولار، انتقل إلى مدينة أغلب مساكنها من الأكواخ في ضواحي موسكو، حيث الآلاف من مواطني آسيا الوسطى أمثاله يقضون الشتاء، يجمعون الحطب للتدفئة والطبخ والماء بديلاً للشاي.
يقول خويدربديف: البعض منا يعيشون في سياراتهم، وبعضنا يعيش في محطات القطارات، والبعض منا يعيشون هنا. منازلهم عبارة عن أكشاك خشبية وحاويات سيارات تمت تهيئتها للسكن، مبعثرة وسط سهل ممتد تغمره الثلوج، محاط بوهج الأنوار البعيدة من أعمدة الإنارة على الطريق السريع و أبراج التبريد الضخمة التابعة لمحطة توليد كهربائي.
عزلة المكان والسلامة المتمثلة في وجودهم في جماعة توفر لهم بعض الحماية من المضايقات التي تسببها عصابات حليقي الرؤوس أو الشرطة الذين، كما يقولون، يبتزونهم ليحصلوا منهم على رشاوى.
يقول جين بوشانان، الذي كتب تقريراً عن العمالة المهاجرة في روسيا تم نشره هذا الأسبوع بواسطة منظمة مراقبة حقوق الإنسان التي يوجد مقرها في نيو يورك: يبدو أن العنف حقيقة من حقائق الحياة بالنسبة العديد من العمال المهاجرين في روسيا. سواء كان من المخدمين الذين يحاولون إكراه العمال الذين يعملون لديهم أو الشرطة التي تداهمهم وتضربهم، أو الهجمات التي يتعرضون لها بدافع الكراهية، فإن المهاجرين في روسيا معرضون للخطر باستمرار تقريباً".
وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها روسيا وهي أسوأ أزمة منذ عام 1998، فقد تصاعدت البطالة ووصلت إلى 7.7 في المائة، حيث فقد 500 ألف عامل وظائفهم في كانون الأول (اكتوبر) وحده. ولكن هذه الأرقام في الغالب الأعم لا تأخذ في الحسبان الأعداد الكبيرة من العمال المهاجرين غير المسجلين من آسيا الوسطى الذين يعملون بصفة أساسية في أعمال البناء، أكثر القطاعات تضرراً من الأزمة.
إدارة الهجرة الاتحادية في روسيا تقدر عدد المهاجرين في البلاد بثمانية ملايين. هؤلاء العمال الذين كانوا في يوم من الأيام مصدراً للعمالة الرخيصة التي جعلت روسيا تحقق طفرة البناء المشهودة التي تم تمويلها من عائدات النفط، أصبحوا الآن كارثة إنسانية وسياسية.
حميد الله ناربكوف، ناشط سياسي من أوزبكستان تم إجباره على الانتقال إلى روسيا هرباً من الاضطهاد السياسي في بلاده، يقول بأن المهاجرين يخافون من المشي بمفردهم في موسكو. حيث يقول: "يتعين علينا أن نمشي في مجموعات، وإلا تعرضنا للضرب من الشباب الذين يطلقون علينا عبارة "السود".
ويقول: "لقد مات آباؤنا من أجل روسيا خلال الحرب العالمية الثانية. ووالدينا يؤمنون بالصداقة والتعاون بين الأمم. ولكن في نظر هذا الجيل من الروس فإن الوطنية والعنصرية شيء واحد. فهم يقولون بأن "روسيا للروس".
هنالك حادثة واحدة وجدت رواجاً على نحو خاص وقعت العام الماضي. حيث تعرض صلاح الدين عزيزوف وهو مهاجر طاجيكي يبلغ من العمر 20 عاماً للاعتداء في الخامس من كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وتم قطع رأسه في حادث وصفته الشرطة بأنه قتل بدوافع عنصرية. وتم العثور على رأسه بعد أسبوع من الحادث.
منظمة سوفا سنتر وهي منظمة تراقب جرائم الكراهية ويوجد مقرها في موسكو، تقدر بأن 428 اعتداء وقع في عام 2008 بدوافع عنصرية نتج عنها موت 97 شخصاً، ولكنها حذرت من أن المشكلة أكبر من هذه الأرقام التي أوردتها.
إن روسيا التي رحبت في وقت ما بالعمال المهاجرين لتولي أعمال لا يؤديها الروس، تنظر إليهم الآن كمصدر لعدم الاستقرار.
ويخشى السياسيون حدوث موجة من الجرائم، فقد تحدث الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف أخيرا إلى المسؤولين في وزارة الداخلية قائلاً: من المعروف أن الجريمة في أوساط المواطنين الوافدين من بلدان "الجوار" تزداد عاماً بعد عام" وطلب من الشرطة الروسية أن تولي اهتماماً خاصاً للعمال المهاجرين.
ويقر ناربكوف بأن عديدا من المهاجرين يستخدمون وثائق مزورة ويدفعون رشاوى للشرطة تفادياً للاعتقال. حيث يقول: الشرطة دائماً دقق الوثائق؛ وحتى لو كانت الوثائق سليمة سيبحثون عن سبب للحصول على رشوة.
خرزت أخاتوف، الذي جاء إلى روسيا من مزرعة جماعية في جنوبي طاجكستان في عام 1997، يقول على الرغم من كل المشاق، إلا أنه من الأفضل أن يبقى هناك. علماً بأن معظم اقتصاد طاجكستان يتلقى الدعم من التحويلات التي تأتي من الدول المحيطة بها.
خويدربديف لا يرى بأساً في هذه المدينة المكونة من الأكواخ، حيث ينام الرجال بالتناوب. فهو يقول: أنا أشعر بالأسى فقط تجاه الأطفال. الطقس بارد جداً هنا. ولكن ماذا عسانا أن نفعل؟ لا توجد قوانين. ولا أحد يريدنا.

