الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

قبل أيام قليلة، كانت النكتة السائدة في واشنطن هي أن باراك أوباما عانى أسوأ أسبوع ممكن من رئاسته – على الرغم من توافر ثلاثة احتمالات ليختار من بينها، إذ إن خسارة توم داشل، مرشح أوباما لوزارة الصحة، بسبب الخدعة المعتادة بشأن الديون الضريبية المستحقة عليه، كانت عائقاً كبيراً. غير أن أسبوع واحد، كما تمضي العبارة المكررة، هو وقت طويل في السياسة، وأثبتت هذه المشكلة الأخيرة أنها أكثر إزعاجاً.

لا يدخل انسحاب جود جريج، السيناتور الجمهوري من ولاية نيو هامبشاير، الذي غير رأيه بشأن ما إذا كان بإمكانه أن يكون مناسباً في إدارة ديمقراطية، في تصنيف خسارة داشل نفسه. ورغم أن الأمر كان محرجاً، إلا أن انسحاب جريج كمرشح لوزارة التجارة من المحتمل أن ينتهي وكأنه أمر هامشي. والأمر ذاته ينطبق على الأرجح على أي غلطة أخرى في الغالب تقبع منتظرة أوباما حيث يتوجب عليه الخروج بأمريكا من الانكماش، والمساعدة في استعادة الثقة بالنظام الرأسمالي العالمي.

لسوء الحظ، تبدو صعوبة تلك المهمة أكبر اليوم مقارنة بالنشاط الذي كان أثناء تنصيبه. ووقع اللوم برمته بشأن ذلك على توم جيثنير، وزير الخزانة في إدارة أوباما، والمتهم بأنه قدم إعلانه يوم الثلاثاء بشأن خطة إنقاذ القطاع المالي الجديدة بطريقة خرقاء.

خسر مؤشر داو جونز الصناعي 382 نقطة في ذلك اليوم، وهو أكبر انخفاض منذ أوائل كانون الأول (ديسمبر) الماضي. ويختلف الاقتصاديون بشأن احتمال تأثير – أو حتى الحاجة إلى – الحافز المالي البالغة قيمته 787 مليار دولار (547 جنيه استرليني، 611 مليار يورو)، الذي كان يتجه مساء الأمس إلى الكونجرس للموافقة عليه. ولكنهم يتفقون جميعاً على أنه سيوفر في أفضل الأحوال ارتياحاً مؤقتاً، وسيكون التعافي الدائم مستحيلاً إلى أن تكون هناك استعادة للتدفقات الائتمانية المتعلقة بقطاع الصحة من خلال النظام المالي.

ينظر معظمهم رغم ذلك إلى الحافز وكأنه مجرد فاتح شهية أمام الطبق الرئيس المتمثل في إعادة رسملة البنوك. ويقول بيل جالي، مدير برنامج الدراسات الاقتصادية في معهد بروكينجز: "أثبتت اليابان أنه ما لم تجعل النظام المصرفي متعافياً مرة أخرى، فلن يكون أي حجم من الحافز كافياً. وإذا لم ننجز الرسملة البنكية الملائمة الآن، عندئذ سيكون من النوع الذي سننظر إليه بعد سنتين من الآن ونقول: ’يا إلهي، لقد فاتتنا الفرصة لإعادة رسملة البنوك في ذلك الحين عندما كان الأمر أقل تكلفة".

تم انتقاد خطة جيثنير على نطاق واسع في السوق لافتقارها إلى التفاصيل - على الأخص بشأن شكل الشراكة المقترحة بين القطاعين العام والخاص لشراء الأصول الرديئة. ولكن في حين أنها تفتقر إلى التفاصيل، إلا أن الخطة كانت في بعض النواحي أكثر جرأة من المتوقع. وبدأ جيثنير بعملية للكشف عن النطاق الحقيقي للخسائر التي تواجه البنوك الأمريكية، وآلية لتوفير رأس المال الإضافي لمساعدتها على البقاء أثناء الانكماش. وإذا، كما يعتقد معظم الخبراء المستقلين، كشفت الخطة عن نقص كبير في رأس المال، فمن شأنها أن تفتح الباب على مصراعيه لإعادة رسملة بنكية كبيرة الحجم.

غير أن العملية فشلت رغم ذلك بسبب عدة عوامل – بعضها سطحي كما هو واضح، ولكن مهم للسلوك النفسي للسوق. أولاً، لم يعمل أداء جيثنير على إشعال الثقة. وربما يكون موظفاً حكومياً على درجة عالية من الذكاء، إلا أن تقديمه الخطاب من جهاز التلقين لا يبعث على الرضا. وعندما استمر الخطاب، كان مؤشر سوق الأسهم أسفل شاشات التلفزيون التي يشاهدها الناس ينزلق في الاتجاه الأسفل بشكل مستمر. ويقول تاد ديفين، وهو استراتيجي متعاطف مع الديمقراطيين: "طُلب من جيثنير أن يقوم بالمستحيل، أي أن يكون مؤدياً بمستوى أوباما. وتمت معالجة الحدث برمته على نحو سيئ للغاية"

ثانياً، عانى البيان توقعات مضخمة، وهذا بمثابة خطأ مدهش يقترفه فريق أوباما بالنظر إلى سجله في السيطرة على الرأي العام. وكانت هناك سلسلة من التسريبات قبل يوم الثلاثاء، بعضها غير دقيق على نطاق واسع، حيث أدت بالناس إلى الاعتقاد بأن جيثنير سيكشف عن شيء جذري أكثر من مجرد توجيهات واهية حددها.

إضافة إلى تعزيز وجهة النظر بأن فريق أوباما يفقد الانضباط الذي أبداه أثناء مسار الحملة – وهو أمر تبتلى به جميع الإدارات الجديدة – فإن خطة جيثنير المبهمة أثارت الشكوك بوجود خلاف داخلي بشأن الإنقاذ. وينكر المسؤولون بشدة تلك الشائعات، وعلى الأخص أية إشارة للاختلاف بين لورانس سومرز، رئيس المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض، وجيثنير ، وهو شخص محسوب على سومرز – رغم أن البعض يعترف بوجود خلافات بين الحكومة والوكالات المستقلة بالعملية.

غير أن التوجيهات الجديدة أثارت أسئلة عديدة بحجم الحلول التي طرحتها، الأمر الذي جعل من الصعب تفادي الشكوك بأن إدارة أوباما لم تتوصل بعد إلى إجماع قوي بشأن الطريقة الأفضل لإعادة التعافي إلى النظام المالي.

ثالثاً، بدا جيثنير ممزقاً بين جهتين – الكونجرس، والأسواق – وقلقاً لكي لا يخيف أياً منهما. وبدا ما قاله مجعداً بالرغبة في ألا يخيف المستثمرين بالتحدث بجرأة عن كشف الخسائر، أو إثارة السياسيين بتقديم خطة قاسية ترتبط بها بطاقة تحمل سعراً عالياً.

من شأن كل ذلك أن يثير سؤالاً آخر حول سبب شعور الإدارة بالحاجة إلى الاستعجال بالبيان كما فعلت – على الأخص حيث إن التوقيت تصادم مع اندفاع البيت الأبيض للحصول على موافقة بشأن الحافز. وإن قرار جيثنير لتأجيل كشفه عن الخطط الجديدة لفترة أسبوعين لمنع حبس الرهن على البيوت، حيث تكمن هذه المسألة في جذور الأزمة، زادت من الارتباك.

يقول ديفيد فروم، كاتب الخطابات السابق لجورج دبليو بوش، وواحد من عديد من الجمهوريين الذين جربوا الشماتة بفترة أقصر مما توقعوا: "عندما تسقط من على صخرة كما نسقط نحن الآن، فإنك بحاجة إلى أن تبدي الإدارة حساً بكونها مسيطرة على الوضع. ولسوء الحظ، أعطت توجيهات جيثنير الانطباع المعاكس تماماً."

غير أن مصدر القلق الأكبر ربما يكون بشأن سياسات الإنقاذ. وكان أحد الأعمال البطولية لخطة الإنقاذ الخاصة بجيثنير هو قدرتها على تحريك موارد جديدة – بزيادة الميزانية العامة للاحتياطي الفيدرالي من أجل مساعدة عمليات الشراء من جانب القطاع الخاص للأصول الرديئة – دون العودة إلى الكونجرس لطلب أموال جديدة. وبالنظر إلى مستوى الغضب العام تجاه المصرفيين، فإن الكثيرين يعتقدون أنه سيكون من التهور طلب أموال جديدة من الكونجرس في هذه المرحلة لإنقاذ "وول ستريت".

في الوقت الذي كان فيه ثمانية تنفيذيين من "وول ستريت" يتعرضون إلى التوبيخ من جانب صانعي القانون في "كابيتول هيل"- مقر الكونجرس- يوم الأربعاء، تبين أن بنك ميريل لينش دفع مكافآت يبلغ مقدارها مليون دولار أو أكثر إلى قرابة 700 موظف من كبار الموظفين. وتم توزيع هذه المكافآت بعد أسابيع من تلقي بنك أوف أميركا أموالاً عامة لمساعدته في استحواذه على البنك الاستثماري.

قال باري فرانك، الرئيس الديمقراطي للجنة الخدمات المالية في المجلس، للتنفيذيين ألاّ يقللوا من شأن الغضب العام. واعترف لويد بلانكفين من بنك جولدمان ساكس قائلاً: "لم أشهد على الإطلاق فجوة أوسع من تلك القائمة بين صناعة الخدمات المالية والجمهور."

يوزع أوباما الآن مبلغ 350 مليار دولار المتبقي في صناديق إنقاذ الأصول المتعثرة، التي تمت إعادة تسميتها من قبل جيثنير باسم صناديق الاستقرار المالي، إلى القطاع المالي. ويطرح هذا الأمر مشكلة إدراك معقدة بالنسبة لواشنطن في الوقت الذي يعتقد فيه الجمهور أنه يجب على "وول ستريت" أن يعاقب بدلاً من أن إنفاق أموال جديدة عليه بسخاء.

في يوم الأربعاء، وصف فرانك عملية إنقاذ "وول ستريت" بأنها النقيض من الأضرار الجانبية، حيث يقتل المدنيون مصادفة في وقت الحرب. وقال فرانك وهو يشير إلى التنفيذيين: "أنت متلقي المنافع الجانبية. وعليك أن تدرك كيف يجعل هذا الأمر الناس غاضبين."

بموجب خطة الإنقاذ، فإن المنظمين سيستخدمون "اختبار الجهد" للبنوك الكبيرة لمعرفة ما إذا كانت بحاجة إلى زيادة المخصصات الموضوعة جانباً مقابل القروض الرديئة، أو إضافة رأس المال للحماية من الخسائر المحتملة بشأن القروض الأخرى التي لم تسجل دفترياً بقيمتها السوقية. والخطر الماثل هو احتمال أن يكشف ذلك أن عديدا من البنوك انهارت حتى بحسب المسار الحالي – بغض النظر عما إذا تبين أن الانكماش أسوأ مما كان متوقعاً. وإذا كان الأمر كذلك، فربما ينبغي على أوباما أن يحقن الكثير من رأس المال الجديد في البنوك، وحتى السيطرة على بعضها الأكبر.

إن البدء في السير في ذلك الطريق دون تأمين الأموال من الكونجرس يمثل استراتيجية عالية المخاطر. وفي المشهد الكابوس، ستكون إدارة أوباما قد تكشف عن رأس المال اللازم، وتم رفضها. وبالنظر إلى العدائية شبه الجماعية من جانب الجمهوريين للحافز المالي، الذي يصفونه الآن على نطاق واسع بأنه "سرقة الأجيال"، حيث إنه يفرض أعباء الديون على المستقبل، فلا يمكن استبعاد ذلك.

هناك مشاهد أخرى محتملة. وبإمكان أوباما أن يقنع الجمهور – ويتفادى الجمهوريين بشكل كافٍ – بالحاجة إلى أموال جديدة. وبسبب تدخلات أوباما المرسومة جيداً، ارتفع الدعم للحافز من 52 في المائة إلى 59 في المائة في الأسبوع الماضي، وفقاً لشركة جالوب Gallup. وإذا وصل الأمر إلى النقطة التي تكون هناك حاجة عندها إلى أموال إنقاذ جديدة، فإن منصة الترهيب ستكون الوسيلة الوحيدة للحصول عليها. ويقول جالي: "ما سيكون مطلوباً عندها هو القيادة، بل قيادة ذات مستوى رفيع."

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية