يعاني اليورو من بعض نواحي الخلل الهيكلي، إذ يوجد لديه بنك مركزي، لكن لا توجد لديه وزارة للمالية، والإشراف على النظام المصرفي متروك للسلطات الوطنية. لقد بدأ يتكون شعور بأثر نواحي الخلل هذه، الأمر الذي يفاقم من خطورة الأزمة المالية.
بدأت هذه العملية تتخذ طابع الجدية في أعقاب فشل بنك ليمان براذرز، حين وجد وزراء المالية الأوروبيون في 12 تشرين الأول (أكتوبر) أن من الضروري طمأنة الناس بأنه لن يُسمح بفشل أية مؤسسة مالية أخرى تعتبر مهمة للنظام. ونظراً لعدم وجود وزارة مركزية للمالية، وقعت هذه المهمة على عاتق السلطات الوطنية. وتمخض هذا الترتيب عن حدوث أزمة مالية فورية وحادة في الدول الجديدة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي لم تنضم بعد إلى اليورو، كما زاد التوترات في منطقة اليورو.
الجزء الأكبر من الائتمان في الدول الجديدة الأعضاء تقدمه بنوك منطقة اليورو، كما أن معظم الدين الأسري مقوم بالعملات الأجنبية. وعندما سعت بنوك منطقة اليورو إلى الحصول على الحماية من بلدانها الأصلية عبر إعادة أموالها إلى الوطن، تعرضت عملات بلدان أوروبا الشرقية وأسواق السندات فيها للضغط، وضعفت اقتصاداتها وتقلصت قدرة الأسر على خدمة ديونها. ووجدت البنوك التي لديها تعرض كبير لأوروبا الشرقية أن الضعف اعترى ميزانياتها العمومية.
#2#
وأصبحت القدرة الفردية للدول الأعضاء على حماية بنوكها محل تساؤل، وبدأت فروقات أسعار الفائدة بين مختلف السندات الحكومية تتسع بشكل مخيف. وزيادة على ذلك، فإن الجهات التنظيمية الوطنية وفي جهودها الرامية لحماية بنوكها، أصبحت تمارس بشكل غير متقن سياسات تقوم على مبدأ أفقر جارك. وكل هذا يسهم في التوترات المحلية.
وفي الوقت نفسه، أثبتت الأزمة المالية التي تكشفت بشكل مقنع، أن هناك فوائد لوجود عملة مشتركة. ولولا وجود هذه العملة لوجدت بعض الدول الأعضاء في منطقة اليورو نفسها في مواجهة الصعوبات نفسها التي تواجهها بلدان أوروبا الشرقية. إن الضرر الذي تلحقه اليونان يقل عن الضرر الذي تتسبب به الدنمارك، رغم أن أساسياتها أسوأ من أساسيات الدنمارك بكثير. ربما يكون اليورو واقعاً تحت الضغط، لكنه وجد ليبقى. ومن المؤكد أن الأعضاء الأضعف سيتمسكون به، وإذا كان هناك أي خطر، فإنه يأتي من العضو الأقوى، وهو ألمانيا.
ألمانيا على خلاف مع معظم دول العالم بسبب موقفها من الأزمة المالية الحالية، لكن من السهل أن نفهم السبب في ذلك. فقد أصيبت بالصدمة جراء التجربة التي مرت بها في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما أدى التضخم الذي تفشى بسرعة خاطفة في جمهورية فايمر Weimar إلى ظهور هتلر. وبينما تدرك بقية دول العالم أن الطريقة المناسبة للحؤول دون انهيار الائتمان تتمثل في توسعة القاعدة النقدية، تعارض ألمانيا أية سياسة يمكن أن تحمل في ثناياها إمكانية حدوث تضخم في نهاية المطاف. وزيادة على ذلك، ففي حين أن ألمانيا كانت ولا تزال داعماً قوياً للتكامل الأوروبي، فإنها لا تريد أن تصبح الجيب العميق الذي يمول عمليات الإنقاذ في منطقة اليورو، وهذا أمر مفهوم.
لكن الوضع يتطلب إصلاحاً مؤسسياً، وهذا شيء تستفيد منه ألمانيا تماماً كما تستفيد منه الدول الأخرى. إن إيجاد سوق حكومية للسندات في منطقة اليورو من شأنه أن يعود بفوائد فورية، علاوة على أنه يصحح الخلل الهيكلي. ومن أهم الفوائد أنه يعطي صدقية لإنقاذ النظام المصرفي ويمكّن من تقديم دعم إضافي للأعضاء الجدد والأضعف في الاتحاد الأوروبي. وهناك فائدة أخرى تتمثل في أن هذه السوق تخدم، أو تعمل كآلية تمويل للسياسات المالية المنسقة الرامية لمواجهة الدورات الاقتصادية. وإذا كانت هذه السوق ذات هيكلية مناسبة، فإنها ستزيل قلق ألمانيا من قيام البلدان الأخرى بأخذ ما في جيبها.
ستكون أسواق السندات والكمبيالات الخاصة بمنطقة اليورو مكملة وليست بديلة عن أسواق السندات الحكومية القائمة في الدول الفردية. وستكون تحت إشراف وزراء المالية في منطقة اليورو. وبعدئذ يوكل تنظيم القطاع المصرفي إلى البنك المركزي الأوروبي، بينما تقع مهمة ضمان ـ وعند الضرورة ـ إنقاذ المؤسسات المالية على عاتق وزراء المالية. إن من شأن ذلك أن ينتج نظاماً مالياً موحداً ومدعوماً بشكل جيد داخل منطقة اليورو. وربما يتم إغراء حتى المملكة المتحدة التي تعاني من نظام مصرفي حجمه أكبر من اللازم ورسملته غير كافية، بالانضمام إلى هذا النظام.
ويمكن استخدام سندات منطقة اليورو لمساعدة البلدان الجديدة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي لم تنضم بعد إلى منطقة اليورو. ويمكن أن تخدم أيضاً في زيادة قدرة الاتحاد الأوروبي على الإقراض خارج التفويضات الحالية لبنك الاستثمار الأوروبي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية. وبعدئذ يمكن أن يقوم الاتحاد الأوروبي بتمويل البرامج الاستثمارية التي تجمع بين وظيفة مواجهة الدورات الاقتصادية والأهداف الأوروبية المهمة من قبيل إنشاء شبكة للكهرباء وشبكة لخطوط أنابيب الغاز والنفط، واستثمارات الطاقة البديلة، والأشغال العامة التي توفر الوظائف في أوكرانيا. إن جميع هذه الاستثمارات تساعد في كسر قبضة روسيا على أوروبا. ويمكن دحض الاعتراض على ذلك من منطلق أن هذه الإجراءات تستغرق وقتاً طويلاً جداً حتى تخدم هدف مواجهة الدورات الاقتصادية على أساس أن الركود يمكن أن يستمر لفترة طويلة هو الآخر.
وهناك مشكلتان شائكتان ينبغي حلهما – تتعلق المشكلة الأولى بتوزيع عبء الدين على الدول الأعضاء، والأخرى تتعلق بقوة التصويت النسبية لوزراء مالية مختلف بلدان منطقة اليورو. ذلك أن السوابق القائمة، وبخاصة ميزانية الاتحاد الأوروبي وتكوين البنك المركزي الأوروبي، تعتبر غير عادلة وغير مقبولة لدى ألمانيا. لكن العديد من الدول الأعضاء لن توافق على حل يغير ميزان القوى داخل الاتحاد الأوروبي. ورغم ذلك، يتعين تقديم بعض التنازلات للتغلب على معارضة ألمانيا. إن الأمور تحتاج إلى أزمة في العادة للتوصل إلى تسوية، لكن الأزمة تتشكل حالياً وكلما تمت المسارعة إلى حلها كان ذلك أفضل.


