الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

كيفما نظرنا إلى عام 2009 نجد أنه يتطور ليكون عاماً مروعاً بالنسبة للاقتصاد العالمي. فلأول مرة منذ عقود يدخل العالم في وقت واحد في ركود لا يعلم أحد مدى شدته.

لكن ماذا عن منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا؟ هل تتعرض للاكتساح من انحسار مد النشاط العالمي، كما يلاحظ المرء في قطاعات العقار، والسياحة، والتجارة؟ أم هل تتجنب الصدمات الناتجة عن الانكماش الاقتصادي؟

من أجل تقييم أثر هذا الاضطراب ينبغي أن يتذكر المرء بعض الخصائص البارزة التي تتصف بها الاقتصادات الإقليمية. أولاً، باستثناء الحالة الخاصة لقطاع الطاقة، فإن بلدان المنطقة أقل اندماجاً في دورات الإنتاج والتجارة العالمية، أو في ديناميكيات الأسواق المالية. إن دبي وهي الإمارة التي تتألف من مدينة واحدة، والتي يقل عدد سكانها عن مليوني شخص، ليست مقياساً للمنطقة التي يبلغ عدد سكانها 300 مليون نسمة. ولذلك خطر العدوى على المنطقة أقل من خطره على الأسواق الناشئة الأخرى.

ثانياً، كان النمو وما زال مدفوعاً بالطلب المحلي الذي يتلقى الدعم إلى حد كبير من القطاعات العامة التي تتوسع باستمرار، ومن النمو العالي نسبياً لعدد السكان. ويختلف هذا اختلافاً واضحاً عن البلدان الآسيوية التي تُدفع الديناميكيات الاقتصادية فيها بواسطة نمو الصادرات الذي يكون محفزاً قوياً في أوقات الطفرة، لكنه يمكن أن يكون انكماشاً عندما تتراجع التجارة العالمية.

وأخيراً، العديد من البلدان الغنية بالموارد راكم خلال السنوات الأخيرة احتياطيات كبيرة (وغيرها من الأصول الأجنبية) التي يمكن نشرها بسهولة لإدامة الطلب وتجنب الركود. فبينما يمكن أن تكون الأصول الأجنبية العائدة لصناديق الثروة السيادية في المنطقة قد تلقت ضربة في هذا الوضع المالي المضطرب، وأن قيمتها ربما انخفضت بنسبة تصل إلى 20 في المائة، ما زالت قيمة الأصول الأجنبية للمنطقة (أصول المؤسسات التابعة للدول وللأنظمة المصرفية) تزيد على 1600 مليار دولار، تبلغ حصة دول مجلس التعاون الخليجي منها نحو 1300 مليار دولار.

وفي واقع الأمر، ولمواجهة قوى الركود التي تؤثر في اقتصاداتها، أعلنت جميع الدول الرئيسية المصدرة للنفط في المنطقة عن ميزانيات توسعية وخطط إنفاق طموحة في المدى المتوسط – بالرغم من احتمال تراجع أسعار النفط إلى نصف ما كانت عليه عام 2008. وعلى نحو مشابه، وفي ظل نقص السيولة بالدولار وفي ظل الميزانيات العمومية المكشوفة للبنوك، قامت البنوك المركزية في دول مجلس التعاون الخليجي بضخ سيولة ودعم أسهم البنوك.

وهكذا، في حين تجمع الآراء على أن الاقتصاد العالمي سينزلق إلى الركود في هذا العام، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا ستنمو بمعدل 2.6 في المائة، وهو نمو يكفي لتجنب ارتفاع معدلات البطالة. وفي بلدان مجلس التعاون الخليجي نتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1 في المائة، لكن ذلك يعود فقط إلى التراجع الحاد في إنتاج النفط. وبالنسبة للناتج المحلي الإجمالي للبلدان غير النفطية – حيث نجد أن 85-90 في المائة من القوة العاملة تعمل، ولذلك هي الدافع الرئيسي للنشاط المحلي – فمن المتوقع أن ينمو بنسبة 3.4 في المائة. ويزيد هذا المعدل على معدل النمو السكاني، بما في ذلك الوافدون.

ما من شك في أن بلدان مجلس التعاون الخليجي ستشعر بوطأة انخفاض أسعار النفط، وذلك على صعيد تلاشي فائض الحساب الجاري وعلى صعيد عجز الميزانيات جراء تراجع الإيرادات بنسبة 40 في المائة. ورغم ذلك، من المتوقع أن يرتفع الإنفاق العام بنسبة 8 في المائة عن مستواه في 2008، وسيصل تقريباً إلى ضعف مستواه في 2005.

وفي الحقيقة، لو أراد المرء أن يقيس درجة النشاط الاقتصادي في بلدان مجلس التعاون الخليجي، فيتعين عليه أن يأخذ في الحسبان عجز ميزانية القطاع غير النفطي: مقياس الطلب الإضافي الذي ضخمته العمليات الحكومية في الاقتصاد المحلي. ووفقاً لهذا المقياس، مساهمة القطاع العام في النمو تزيد بشكل ثابت منذ عام 2004، وستزداد أكثر في هذا العام لتصل إلى 47 في المائة تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. وهذا يعادل تحفيزاً مالياً غير مسبوق في ضخامته في الاقتصادات العادية.

إن منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا ليست منيعة ضد آثار التباطؤ العالمي، أو الأزمة المالية العالمية. ذلك أن آثار المتاعب واضحة وجلية – سواء على القطاع العقاري في دبي، أو على النقل في قناة السويس، أو على السياحة في سائر بلدان المنطقة. لكن علائم الانمكاش هذه لا ينبغي أن تنقص من قدرة المنطقة على التغلب على آثار الأزمة في المدى القصير، ولا من قدرتها على العودة إلى معدلات النمو العالية في المدى المتوسط عندما ينتعش الاقتصاد العالمي وينتعش الطلب على الطاقة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية