البرادعي ومستقبل الأمة العربية

|
أتفق مع الدكتور محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية, حول شكوكه بمستقبل العرب في ظل واقعهم الحالي، واعتباره أن الحديث عن التعليم والتكنولوجيا والتنمية وحرية الصحافة ضحك على النفس. وتحدث البرادعي في حوار صحافي بمرارة عن الوضع العربي، معتبرًا أن المناهج الدراسية البالية -كما يراها- تحرم العربي من القدرة على المنافسة، وذكر بتكرار ملحوظ عبارة "نحن لا نتعلم"، واصفاً بقوله "إن العواصم العربية كانت قبل نصف قرن أفضل منها الآن". بيد أني أتفق جزئياً مع البرادعي لما رمى إليه من شكوك حول وضعنا العربي الراهن، لكني أختلف معه في نظرته التشاؤمية عن مستقبل العرب الواعد في مجالات التعليم والتكنولوجيا، وذلك لأن أكثر الدول العربية أقرت خططا ومشاريع استراتيجية في مجالات التعليم والتكنولوجيا، لا يعلمها البرادعي، ويتنبأ لها بمستقبل زاهر في وطننا العربي، فمثلا من جملة هذه المشاريع في مجالات التكنولوجيا: توقيع سورية اتفاقا مع شركة "الت اينرجسي" الألمانية لإنشاء مشروع لإنتاج الطاقة الكهربائية المولدة بالطاقة الشمسية في مدينة حمص بكلفة 6.7 مليار دولار، ومدة تنفيذ المشروع ثلاث سنوات، وبطاقة 1000 ميغا واط، وسيبدأ كمرحلة أولى بمحطة 10 ميغا واط، وتتحمل الشركة التكاليف كافة ماعدا أعمال التركيب والتنفيذ والتشغيل والصيانة. أما السعودية فيوجد فيها مشاريع تكنولوجية متعددة، منها تطبيقات تقنية النانو، التي يتوقع أن تحقق عائدات بمليارات الريالات على الاقتصاد في البلاد. ويضاف لما سبق أمثلة مما نراه على أرض الواقع في الإمارات، حيث توجد المشاريع العقارية العملاقة المعتمدة على التقنيات الحديثة وتحديدا مدينة دبي. هذا كمثال قريب لمجموعة من المشاريع التكنولوجية في عالمنا العربي وغيره كثير. أما في مجال التعليم أقرب الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها إقرار مجلس الوزراء السعودي هذا العام مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير التعليم، حيث أقر له ميزانية بمليارات الريالات، على أن ينفذ على مدى خمسة أعوام من وقت اعتماده. كما أن هناك مشاريع مماثلة في مصر وتونس والمغرب ودول عربية أخرى. يتفوه البرادعي بلسان الرجل القادم من عصر العشرينيات الميلادية من القرن الماضي، فهو يمثل جيل الذرة أو جيل النوويين. ويأتي تصريحه هذا في عصر الألفية الثالثة من القرن الميلادي الذي تأسس فيه الجيل الرقمي. إن طفرة التكنولوجيا الحقيقية هذا هو عصرها، وهي ليست حكراً على أمة دون سواها، فالآن دخلت الهند والصين وسنغافورة وماليزيا وتايلاند وتركيا وإيران المنافسة من الصناعات الأولوية إلى الصناعات المتقدمة لتنافس أمريكا واليابان وبعض الدول الأوروبية. ومن ورائها فإن الدور قادم على بلداننا العربية لتحتل مراكز منافسة وبقوة مع تلك الدول التي يرى البرادعي أنها متقدمة وبعيدة المنال عن الدول الأخرى. ولربما أن بقاءه في دولة متحضرة وفي مجتمع قانوني وملتزم بالنظام في مختلف شؤون الحياة العملية والعلمية والاجتماعية والمدنية، يخيل إليه بعد انبهاره بهم أن أخوانه العرب متأخرون عنهم ورجعيون، ولن يكون لهم مستقبل بالرغم من أن نصف علمائهم من دول العالم الثالث كما يزعمون. ولكن من دون هذه الشكليات والسلوكيات الآلية التي تأسست على مبادئ ضعيفة قابلة للانهيار السريع مع أي ضغوط اجتماعية أو اقتصادية أو صحية، فإن أكثر الدول العربية لها طموحاتها التنموية والحقوقية والتعليمية والصحية والتقنية، وتسير وفق خطط واستراتيجيات تحمل في طياتها مئات المشاريع الواعدة, التي تعكس لأممنا العربية المستقبل الذي نحلم بتحقيقه, وذلك بعكس ما توقعه رجل الطاقة الذرية الدكتور البرادعي.
إنشرها