حولت التجربة السودانية الوقفية الأوقاف من مصلحة حكومية تعيش عالة على موارد الدولة الشحيحة إلى هيئة فاعلة مؤثرة تقدم الدعم لمؤسسات التعليم والجمعيات الخيرية وتمنح المساعدات للفقراء، ويعد كثيرون من الذين اطلعوا على تفاصيل هذه التجربة بأنها تجربة رائدة، استطاعت تحقيق نقلة نوعية منذ تحويلها إلى وزارة نهاية العقد الماضي من القرن الماضي، فقد كشفت عديد من الدراسات المهتمة بهذا الشأن ازدياد عدد عقارات الأوقاف التابعة للهيئة بنسبة 22.8 في المائة، حيث كانت عام التأسيس سنة 1989 نحو 1750 عقاراً بإيرادات تضاعفت عن سابقتها بمراحل كبيرة. ويؤكد المسؤولون في الهيئة أن ذلك كان نتاجاً للتوسع الأفقي والرأسي في مجال التنمية العقارية الوقفية، اشتملت على البنايات الحديثة والموروثة منذ تأسيس الوقف.
الجدير ذكره هنا أن هذا الرصيد الهائل من الأوقاف العقارية قد تجاوز الحدود، إذ تملك الهيئة أملاكاً وقفية في المملكة في كل من: جدة، مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وتشمل عمائر حديثة سكنية تخدم أغراض الوقف.
نضج التجربة
أحدثت النقلة التي حدثت في الوقف في السودان بعد إنشاء وزارة الأوقاف السودانية عام 1989، جملة من القوانين المنظمة، التي ساعدت الهيئة التابعة للوزارة على إحداث كثير من الصلاحيات الإدارية والاستثمارية، ما نتج عنها تحسين لأداء المؤسسة الوقفية، سواء في الاحتفاظ بها من الاغتصاب والضياع أو في تنمية عوائدها ومواردها.
كما عملت الهيئة على تطبيق أجرة المثل على العقارات الوقفية كافة وتشرف باهتمام بالغ على تنفيذ شرط الواقف لعائدات هذه الأوقاف وقفاً للصكوك والشهادات الشرعية للوقف.
وتعكس هذه التجربة المحاولة الجادة من قبل الهيئة لتطوير الاستثمار الوقفي لتكون دليلا عمليا يمكن الإفادة منه حسب بيئة الوقف المنتشرة في العالم.
الأسهم الوقفية
مع بداية إنشائها بدأت هيئة الأوقاف السودانية، وهي منشأة استثمارية تدار على أساس اقتصادي لتنمية وتطوير واستثمار أموال الأوقاف السودانية، في استقطاب عديد من الكوادر الإدارية والفنية المؤهلة، كما قامت بحصر كل الأوقاف وتوثيقها واستعادت ما أخذ منها بالغصب ثم قامت بوضع الخطط والبرامج لتنمية الأوقاف رأسيا وأفقيا، ومن هذه البرامج الرائدة تجربة الأسهم الوقفية التي أتاحت لصغار المانحين المساهمة في مجال الوقف بإصدار أسهم وقفية يكتتب فيها الواقفون لامتلاك حصة موقوفة منهم في مشروع معين ثم أنشأت الهيئة الشركة الوقفية الأم وهي شركة وقفية قابضة برأسمال مقداره ثلاثة مليارات جنيه سوداني (6 مليارات ريال سعودي)، وأعقبت ذلك بإنشاء عديد من العقارات الوقفية الحديثة في أنحاء مختلفة من السودان.
هذه الإنجازات تجاوزت إلى نواح أخرى، شملت: حصر وتوثيق المعلومات والبيانات خاصة في المجالين الداخلي والخارجي، الحصول على وثائق، وإثباتات الوقف، إلى جانب استعادة ما اعتدى عليه منها والتوعية ونشر ثقافة وفقه الوقف وحث المجتمع على الإنفاق ومتابعة إصدار اللوائح والقوانين الداعمة للوقف وحث المجتمع على الإنفاق ومتابعة إصدار اللوائح والقوانين الداعمة للوقف وتمكين نشر الدعوة الإسلامية مع التركيز على صيانة وإعمار المساجد واهتمام بقطاع الصحة.
كما نشطت الهيئة من خلال المشاركات في المؤتمرات والملتقيات الخارجية في الإسهام وإثراء المنتديات العالمية بفاعلية فيما يختص بشؤون الأوقاف، فشاركت في ملتقيات عدة في عدد من الدول في العالم، إضافة إلى ذلك فقد وسعت الهيئة خططها ورؤاها المستقبلية وعملت على زيادة التوسع الأفقي والراسي للرقعة والاهتمام بالجانب العلمي والبحثي وتدريب وتأهيل كوادر الأوقاف العاملة.
الثقافة الوقفية
من بين الأهداف التي اهتمت الهيئة بتنفيذها العمل على نشر الثقافة والتوعية الوقفية، وقد نجحت الهيئة في هذا الإطار بالتعاون مع الجهات المختصة في إنشاء الأوقاف المتخصصة والاهتمام بتعليم منهج الوقف لطلاب المدارس وتشجيع الدراسات المتخصصة في الأوقاف في البحوث العلمية ودرجتي الماجستير والدكتوراه. كما نفذت خططا وبرامج للتعريف والتوعية بالوقف، حيث أقامت عديد من المؤتمرات المحلية والعالمية والسمنارات والندوات وبثها عبر الأجهزة الإعلامية، وشجعت طلاب الجامعات على تقديم البحوث العلمية عن الأوقاف والرسائل الدراسية، إلى جانب نشر المقالات والتوثيق بإصدار النشرات والكتيبات التعريفية، وتدريب جميع العاملين على نظام الكمبيوتر.
وفي هذا الإطار أيضاً اهتمت الهيئة بإعمار وصيانة وتأهيل أكثر من 2500 مسجد داخل السودان، وإقامة مراكز لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس علومه، وكذلك تقديم الدعم لدور التعليم والجامعات، والمراكز الصحية والمستشفيات.
الغرس الطيب
من بين الأوقاف التي استحدثتها الهيئة مشروع الغرس الطيب وهو مشروع وقفي يسعى إلى خضرة البيئة وجلب الفائدة وذلك بزراعة شجرة النخيل "مليون نخلة" في الولايات الشمالية من السودان وشجرة الهشاب في ولاية كردفان غربي السودان. وتسعى الهيئة من خلال هذا المشروع والمشاريع المشابهة إلى إحياء سنة الوقف وذلك بصيانة الأموال الموقوفة وتحسينها وبنائها وإعادة تأهيلها وتعديلها، واستثمار أموال الأوقاف في جميع المجالات الاستثمارية، فمن المعروف أن الوقف قد لعب دورا حضاريا واجتماعيا وتنمويا في التاريخ الإسلامي، بالإسهام في نشر الدعوة والعلم ورعاية المجتمع على امتداد فترات طويلة، وهذا ما تسعى الهيئة إلى القيام به.

