الوسط الاقتصادي يفقد عبد الله الحقيل.. أحد أبرز رواد القطاع المصرفي

قليل من الرجال مَنْ يكسب ود الناس ومحبتهم بفضل ما يقدمه لهم من معروف ويقابلهم بالإحسان إليهم والعلاقات الطيبة معهم والنفس العطوفة عليهم. فيحبهم ويحبونه ويثنون عليه وعلى نفسه الطيبة ويفقدونه عندما يغيب عنهم ويسألون عن حاله ويمدحونه في جلساتهم، هذه هي شخصية الشيخ عبد الله محمد الحقيل رئيس مجلس إدارة البنك السعودي البريطاني "ساب"، الذي غيَّبه الموت عنا أمس، بعد مرض عضال. لقد خسرت الأوساط الاقتصادية بفقدان الحقيل ـ رحمه الله ـ خبيرا مصرفيا ومرجعا مهماً لرجال الأعمال سواء في قطاع الأعمال بشكل عام والقطاع المصرفي بشكل خاص، فهو لم يكن مواطنا سعوديا عاديا يترجل عن الدنيا بعد السنين التي قضاها بين مسقط رأسه محافظة المجمعة القريبة من العاصمة الرياض والتي ولد فيها عام 1940م. بين البداية والرحيل كانت بداية الحقيل (68 عاما) مع معترك الحياة العملية عندما انتقل من محافظة المجمعة إلى الرياض لدراسة اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وبعد حصوله على الشهادة الجامعية في اللغة والأدب أو حتى بعد نيله دبلوم الإدارة من المملكة المتحدة حتى تدرج في عدد من المواقع والمناصب الحكومية ثم بلغ به الأمر ليكون في رئاسة إدارة البنك السعودي البريطاني ومن ثم عضوا في مجلس الشورى. لم يكن الرجل يحمل سمات عادية على هذا النحو لتكون الصورة مختصرة إلى هذا الحد بل كانت وما زالت صورة يصعب أن توجز بين بداية ونهاية إذ إن حياته مرت بسلسلة مليئة بالصور والخبرات والأحداث التي عاشت معه طوال العقود الستة الأخيرة. فولادته جاءت وسط أتون الحرب العالمية الثانية بعد اندلاعها بسنة واحدة وبعد إعلان الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ قيام السعودية بعقد واحد. وهو ينتمي إلى ذلك الجيل الذي عاصر فترة بدايات النفط وإنشاء البنية التحتية الأولى للمملكة. سنوات الدراسة والنجاح وبعد الانتهاء من مراحل التعليم العام التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ليحصل منها على درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها دخل الحياة العملية مبكراً حيث تولى وعمره 22 عاماً في ستينيات القرن الماضي الأمين العام المساعد للشؤون الإدارية في المجلس الأعلى للتخطيط. لينتقل بعد عام واحد في هذا الموقع إلى مدير عام الشؤون الإدارية والمالية في الهيئة المركزية للتخطيط. وأمضى الحقيل في هذا الموقع عاما وشهورا قليلة فتولى سلماً وظيفياً آخر عندما تم تعيينه مدير عام شؤون الموظفين في وكالة وزارة الداخلية لشؤون البلديات. ومع تزايد النجاحات التي حققها الحقيل تم تعيينه عام 1970م مديراً عاماً لوزارة الشؤون البلدية والقروية وفي عام 1975 تولى منصب وكيل الوزارة المساعد وتم اختياره عضو مجلس إدارة الشركة الوطنية للتنمية الزراعية "نادك" الذي شغله لمدة 17 عاماً متتالية. مع البنك السعودي البريطاني يشكل البنك السعودي البريطاني "ساب" عند الشيخ عبد الله محمد الحقيل مرحلة مفصلية في حياته العملية منذ تعيينه عضو مجلس إدارته ثم رئيساً لمجلس الإدارة منذ عام 1988م، حيث نجح خلال فترة رئاسته البنك السعودي البريطاني أن يقفز به إلى سلم النجاحات المصرفية والاقتصادية والاجتماعية حتى حاز البنك موقعا متميزا أداء وكفاءةً بين البنوك السعودية. وقد استطاع الحقيل خلال فترة توليه مجلس إدارة البنك أن يقود سلسلة من الاستثمارات المصرفية لتطوير أداء البنك وانتشاره أفقيا ومصرفياً وتقنياً مرتبطاً بذلك مع كبرى المجموعات المصرفية حول العالم إضافة إلى نجاحه في إضافة البعد الاجتماعي كسياسة ثابتة لدى البنك من خلال مشاركة البنك السعودي البريطاني في الفعاليات الاجتماعية والصحية والإنسانية السعودية، متوازنة تماماً مع المشاركات الاقتصادية وفعالياتها في المملكة وخارجها. وأمام أدوات النجاح العملية والعلمية التي يملكها وخبرته الاقتصادية الواسعة تم اختياره عضواً لمجلس منطقة الرياض ورئيساً للجنة التنمية الاقتصادية منذ إنشائها قبل 11 عاماً، في حين جاء اختياره رئيساً لمجلس إدارة المجموعة المصرفية السعودية المتميزة وهي البنك السعودي البريطاني ليس ببعيد عن اختياره عضوا في مجلس الشورى السعودي في أواخر التسعينيات وحتى أمس ليسجل بذلك مرحلة مهمة أخرى في حياته من هذا الموقع المهم. في المحافل الدولية ولم يتناس الحقيل المشاركات الدولية والإقليمية في الخارج والتي حقق فيها الحضور والتفاعل بامتياز من خلال المؤتمرات التي حضرها من بينها مشاركته في اجتماعات صندوق النقد الدولي التي عقدت في العاصمة الإسبانية مدريد عام 1994م وفي هونج كونج عام 1997م ضمن وفد سعودي رفيع برئاسة وزير المالية السعودي وعضوية مؤسسة النقد العربي السعودي. وله بصمة مشاركة فعالة في العديد من الندوات الاقتصادية والمصرفية في عديد من عواصم العالم منها: باريس، لندن، بيروت، والبحرين وغيرها من الندوات والمؤتمرات التي تعنى بأسواق المال والمصارف حول العالم. ولا تقف نشاطاته عند حدود مصرفية واقتصادية فقط بل تولى بجانب عمله رئاسة الشركة التضامنية للأعمار والتجارة وعضوية مجلس الإدارة في مركز الأمير فهد بن سلمان لأمراض الكلى ورئيس لجنة تنمية الموارد المالية فيه. مرجعا للعمل المصرفي جعلت الإسهامات المتميزة للشيخ عبد الله محمد الحقيل واحدا من أبرز رجال الأعمال السعوديين الذين تبوؤا مكانة مرموقة بين كوكبة الاقتصاديين السعوديين البارزين فهو لم يكن موجوداً على الساحة الاقتصادية السعودية وحسب بل تعددت لتشمل قطاعات اقتصادية متنوعة مثل القطاع المصرفي والصناعي والتجاري والزراعي علاوة على امتلاكه خبرات متميزة نظراً لمسيرته العملية الطويلة التي تقلد خلالها عديداً من المناصب المرموقة في بعض الوزارات السعودية والشركات المساهمة كل هذه الباقة من الخبرات والمساهمات جعلت الشيخ عبد الله الحقيل مرجعا للعمل المصرفي السعودي كما يقول صديقه الحميم راشد العبد العزيز الراشد رئيس مجلس إدارة بنك الرياض. #2# ويروي الراشد في حديث لـ " الاقتصادية": "إن عبد الله الحقيل ـ رحمه الله ـ كان علماً من أعلام الوطن ورائداً من رواد القطاع المصرفي السعودي، كما كان أبو هشام مرجعاً للجميع في عالم المال والأعمال وقطاع البنوك، ويتعامل مع الجميع بدماثة خلق وتواضع جم وكرم بالعطاء من جهده ووقته وماله #3# من رواد سعودة الوظائف وعلى الطرف الوطني من حياة الشيخ الحقيل ـ رحمه الله ـ يقول سليمان عبد الله الحمدان الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية للخدمات الجوية "ناس القابضة" أحد الأشخاص المقربين للحقيل إنه كان من رواد حركة سعودة الوظائف والداعمين لها في فترة الثمانينيات داخل البنك السعودي البريطاني. ويقول الحمدان إنه وقف على أحد مناشط صديقه الحقيل الوطنية في مجال السعودة حينما رافقه في عام 1986 إلى أحمد اليحيى وكيل وزارة العمل في تلك الفترة وذلك لمناقشته حول تطوير مستوى السعودة وتوطين وظائف الصرافة والأعمال البنكية، لتقفز بعد ذلك نسبة السعودة من 55 في المائة في عام 1985إلى 83 في المائة تموز (يوليو) 2006 وهي الفترة ذاتها التي غادرت فيها البنك، مشيراً إلى أن الحقيل كان من أكثر الداعمين للشباب السعوديين داخل البنك، وأن القسم النسائي داخل المصرف تمت سعودته بنسبة 100في المائة بمبادرة شخصية منه ـ رحمه الله. وزاد الحمدان في حديثه لـ "الاقتصادية" عبر الهاتف حول علاقته مع الحقيل فقال "لقد امتدت علاقتي به زهاء 23 عاماً ، حيث كان لقاؤنا الأول في عام 1986 عندما التحقت للعمل في "ساب" ، وامتدت العلاقة حتى بعد أن غادرت البنك ، وظلت تجمعنا اللقاءات الاجتماعية والأسرية حتى وفاة الشيخ يوم أمس. ويقول الحمدان "كان أبو هشام الأخ والمعلم والأستاذ بالنسبة لي، حيث تتلمذت تحت قيادته، فقد كان يعاملني معاملة الابن" وتابع : كان بسيطاً ومتواضعاً في تعامله مع الجميع،فما إن يدخل إلى البنك حتى يبادر الجميع بالسلام بالدخول إلى جميع مكاتب الموظفين ويتحدث معهم بكل ود، الأمر الذي خلق جواً من الألفة داخل أروقة إدارة البنك، الأمر الذي انعكس على بقية الفروع، حيث لم يخلق أي نوع من الحواجز أمام من يعملون معه، وكان متسامحاً إلى أبعد درجة، الأمر الذي يدفع الجميع للعمل بإخلاص، ومهما تحدثنا عنه فلن نوفيه حقه".
إنشرها

أضف تعليق