بعد روايته – بنت الجبل – يعود القاص والروائي صلاح القرشي لإصدار روايته الثانية بعنوان – تقاطع – وفيها يتناول حكايات شخصيات من مستويات مختلفة , المثقف وبائع مخدرات وشخصيات أخرى تعاني اختناقات بأشكال متعددة , قد يكون التقاطع هنا هو تقاطع البعد الزمني الذي أضفاه الروائي مع حالة الاختناق لدى أبطاله.
رواية صلاح الأولى كان المكان فيها أحد أبطال الحكاية , بينما كان التاريخ هو أحد أبطال الحكاية في روايته المقبلة "تقاطع"التي ستكون حاضرة في معرض الرياض للكتاب لهذا العام..
عن فنيات السرد والكتابة وهموم الأدب والثقافة، تستضيف ثقافة "الاقتصادية" الأديب صلاح القرشي في حديث هو الأول عن مشروعه الروائي الجديد.
من فتنة التاريخ وامتداده , وحكايات السلطة الأخوية والأبوية وصولا إلى السلطة العامة , هل جاءت ( تقاطع ) بفتنة المفردة الواحدة الجامعة تعبيرا عن القلق المستمر بين السلطة والمثقف منذ الأزل ؟
#2#
التقاطع بين المثقف والسلطة هو في النهاية مجموعة من التقاطعات أهمها ما هو بين المثقف ونفسه ..الطموح والمبادئ ..التغيير والخوف ...المعارضة والمداهنة ..حتما يمكن أن يقال الكثير حول هذه النقطة لكنني أعتقد أن الرواية أي رواية ليس دورها مطلقا أن تقدم إجابات بقدر ما تطرح أسئلة
وبالعودة إلى التاريخ سنرى إشكالية هذه العلاقة وأهميتها وتأثيرها بعيدا عن نوعية هذا التأثير ذلك أن الفكرة السائدة بكون المثقف هو دائما في صف التغيير الإيجابي هي فكرة ليست صحيحة دائما .
الحبيبة نرجس, الحبيبة حنان الماجدي .. الغياب المشترك .. لماذا يحمل صلاح – الكاتب - هوية حبيبة واحدة – تقريبا- لأكثر من حكاية ؟
لا تشابه مطلقا بين نرجس في بنت الجبل وحنان في تقاطع ..حنان في تقاطع لا تحضر سوى من خلال البطلين الواقعين في هواها ..هي غائبة وحاضرة في النفس الوقت كالكثير من الأحلام الجميلة أما نرجس فهي مثل غيرها ممن وقع ضحية لأحداث لا يملك التأثير في مجرياتها.
الانتقال من العموم إلى الخصوص , من عموم الحدث الأبرز – حركة جهيمان- و رواسبها الإنسانية على بعض من أحاط بها وصولا لخصوصية رجل يبتهج بضربة يتلقاها عريس حبيبته ..هل كان الانتقال من العموم الواسع إلى الخصوص الضيق الحميم أصدق؟ لماذا يعود صلاح لخصوصية الفرد ؟ هل تجد الحكاية الخاصة أكثر تحريضا وإغراء على الكتابة؟
ليست المسألة في كون حكاية الرجل المبتهج بضرب عريس حبيبته أكثر تحريضا من غيرها ..وإنما يكمن الأمر في رغبتي شخصيا في أن لا أقع في التكرار .. أن لا أعيد اللحن نفسه بكلمات أخرى .. رغم أنني اعتقد أن هذه اللقطة التي تدور حولها الرواية والتي تبدو كنقطة ارتكاز هي لقطة تتشعب كثيرا من خلال تعامل البطل معها ومحاولته إسقاطها على التاريخ وعلى نفسه وعلى المجتمع.
(الكآبة حزن عذب .. إنها حنين تلتقط أصداءه في الفن والأدب)- الناقدة جوليا كريستيفا- هل كانت – تقاطع- صدى الاكتئاب الذي يعانيه بطل الحكاية؟
ربما كانت صدى للاكتئاب الذي يعانيه المثقف عموما ..ألا نتحدث دائما عن الهم الثقافي ..والهم السياسي ..والهم الاجتماعي ..وكأننا نبحث عن الهموم أو نطاردها.
أعتقد أن قراءة الصفحة الأولى من أي جريدة أو مشاهدة نشرة أخبار هي كفيلة تماما بمنحنا الكثير من الاكتئاب.
(الكتابة ليست بريئة) – ليلى بركات – الجرائم الصغيرة والكبيرة التي تتناولها الكتابة ..إسقاط محاور الكتابة على شخصية كاتبها والسرقة من المجتمع .. وماذا بعد ؟
لا توجد كتابة إلا وتحمل شيئا من كاتبها ..لكنني أعتقد أن محاولة البحث عن الكاتب من خلال إحدى شخصياته هي محاولة ساذجة وغير واقعية .
الحضور الأنثوي لم يأت واسعا في – بنت الجبل – وجاء أضيق في – تقاطع- حيث تكون الأنثى حاضرة بغيابها – الزوجة , الأم ,والحبيبة ؟ لماذا اشتركت أدوار الغياب للأنثى ؟
اختلف معك بخصوص بنت الجبل ..فالحضور الأنثوي كان معقولا في تلك الرواية ..هناك سبع شخصيات تتبادل السرد من بينها ثلاث شخصيات أنثوية .. إما إن كنت قصدت الغياب بمعنى عدم الفعل فهذا أمر آخر .
في تقاطع كان الحضور الأنثوي مؤثرا وحيويا .. فالمرأة بدت وكأنها المشكلة والحل معا ..الحلم والسراب معا ..الحب والكره معا.
رواية – بنت الجبل- استندت إلى زاوية المكان ونصبته بطلا , نجد أن عنصر المكان في – تقاطع- جاء أقل أهمية بحيث لم يكن متكئا مكينا للحكاية , هل كان التاريخ عوضا عن ذلك ؟
ليس المكان بذاته هدفا أو ضرورة ...في بنت الجبل كان الموضوع يتطلب بروز المكان خصوصا وأن بنت الجبل تناولت مرحلة امتدت لأكثر من عقدين من الزمن ..في تقاطع لا يمكنني حشر المكان لمجرد الرغبة في ذلك ..خصوصا وأن الرواية تستحضر التاريخ وتنطلق في كثير من أحداثها من خلال تحليل بطلها لحدثها المحوري وتدويره والانطلاق منه والعودة إليه ..لهذا فهي لا تحتمل حضور المكان بشكل أكبر مما هو عليه .
لماذا نجد الكثير من الكتاب – وأنت من بينهم في تقاطع- ينصب أحد أبطال الرواية في دور – كاتب – هل يصبح هناك نوع من التواطؤ بين الكاتب الأب والكاتب الابن في نقل أحداث الرواية بسلاسة أكبر ؟
يمكننا القول عن التكنيكات الروائية كما كان يقال عن معاني الشعر ..بأنها مرمية في الطريق ..ويختلف الأمر بين شاعر وآخر في كيفية التقاطها والتعامل معها ..
ربما لا يمكننا حصر الروايات التي انطلقت من كون أحد الأبطال هو الكاتب لكن يبقى الأهم هو القدرة على جعل الأمر لا يبدو متكلفا ..أو معتمدا على مجرد الرغبة في استثمار تقنية سردية ما.
ماذا عن – الانتقام – كدافع للكتابة ؟
يقول بطل "تقاطع" متداخلا مع ولعه بالتاريخ بأنه وصل إلى قناعة راسخة بأن الانتقام هو العامل الأكبر والأهم في حركة التاريخ , على الأقل هو العنصر الثابت دائما.
هذا رأي بطل الرواية أما كاتب الرواية فهو لا يعتقد أن الانتقام يمكن أن يكون دافعا للكتابة ..لأنها في هذه الحالة ستكون كتابة رديئة .
جاءت الأحداث والنهاية سلسة ومنطقية جدا دون فبركات واختراعات لماذا اخترت هذه البساطة ؟ هل تعتبرها انعكاسا للمصداقية ؟
لا أدري هل يوافقك جميع من سيطالع الرواية في رأيك هذا حول النهاية؟ أتمنى ذلك .. وكونها بسيطة كما ترين يأتي من كونها منطقية كما أرى؟ .
لماذا نجد نصوص صلاح القرشي بعيدة دائما عن الأسلاك الشائكة ومحظورات الكلام؟ هل تعتبر الاقتراب من القضايا الحساسة دعاية رديئة؟
هذا يتوقف على مفهوم كل شخص للقضايا الحساسة ..هناك من أعتبر أنني تناولت قضايا حساسة في بنت الجبل..وهناك من سيعتبر أن الخوض في مسائل تاريخية وطائفية في "تقاطع" هو قضية حساسة , وهناك من يقصر القضايا الحساسة في مسألة التناول المباشر لمسائل الجنس وفي هذا الأمر تحديدا لا أميل مطلقا لاستخدام مفردات وصورا مثيرة أو مباشرة لأنني اعتقد أن الإشارة في هذا الأمر هي أكثر فنية وجمالا من التصريح .
( عدت إلى أمية والأمور مصائر) ويعود صلاح بعد الرواية للرواية , إلى أين يتجه خطك السردي ؟ إلى حيث الرواية الواسعة أم القصة المكثفة ؟
لن أدعي أنني أملك خطة ما لما سأكتبه في المستقبل ..أحب القصة وأكتبها ..ولدي بالمناسبة مجموعة قصصية جاهزة تقريبا ..لكن عندما تأتي الفرصة لكتابة رواية فسوف أفعل .
في زحمة الروايات أثناء الأعوام الأخيرة , هل تغيرت ذهنية المتلقي أم أنه لا يزال يتشبث بالنص التجاري؟
أعتقد أن الأعمال الجيدة ستبقى ..والمقياس لن يكون آنيا أو لحظيا ..ولن يكون مجرد التوزيع هو المقياس الوحيد ..أما كون ذهنية المتلقي لا تزال تتشبث بالنص التجاري فيبدو لي أنه من الصعب التعميم هنا وفي كل العالم هناك كتابات يمكن وصفها بالتجارية أو الاستهلاكية ولكنها لا تصمد طويلا ويبقى نجاحها وانتشارها عارضا سرعان ما يذوب ويختفي.
ماذا قدمت الجهة الرسمية للمثقف؟
الأهم هو ماذا قدمت للمجتمع ..لا أعتقد أن المبدع كفرد هو بحاجة كبيرة للجهة الرسمية . ولا أعتقد أيضا أن المثقف هو بحاجة كبرى للجهة الرسمية ..الأهم هو حاجة المجتمع للمزيد من المناشط الثقافية , للمزيد من الحوارات ..للمزيد من المعارض والعروض وللمزيد من محاولات نشر الثقافة وتعميمها ...وأعتقد صادقا أن الحراك الذي تبذله وزارة الثقافة هو إيجابي في النهاية رغم كل الانتقادات التي تطاله.
ماذا يتوقع صلاح من معرض الكتاب هذه السنة؟
معرض الرياض يؤكد كل عام تميزه ..وهو صار من أهم المناسبات التي ينتظرها كل المهتمين بالكتاب وحضوره .


